Define your generation here. Generation What
لهذا لا ترضع أغلب أمهات مصر أطفالهن
 
 
صورة: Roger Anis
 

أيام قليلة كانت قد مرت على نهاية الاحتفال السنوي بـ”الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية”، حين تجمعت عشرات الأمهات في الأول من سبتمبر الجاري في القاهرة وقطعن طريق الكورنيش أمام مقر الشركة المصرية لتجارة الأدوية احتجاجا على وقف بيع لبن الأطفال الصناعي المدعم في مقر الشركة وفشلهن في العثور عليه خارجها.

في الأسبوع العالمي، الذي يوافق الأسبوع الأول من شهر أغسطس كل عام، تقام الفاعليات للتعريف بفوائد الرضاعة الطبيعية وتشجيع الأمهات عليها، وتخرج النساء في جماعات كبيرة إلى شوارع المدن المشاركة في الاحتفال، وتجلسن في المتنزهات العامة وشتى الأماكن المفتوحة ترضعن أطفالهن من أثدائهن علنًا.

جاء في رسالة منظمة الصحة العالمية واليونيسيف بمناسبة الأسبوع العالمي هذا العام: “إن الرضاعة الطبيعية ليست فقط حجر الزاوية في النمو الصحي للطفل، بل هي أيضا أساس التنمية في البلاد”.

يوصى طبيا بأن يعتمد الأطفال الرضع على الرضاعة الطبيعية بشكل حصري منذ الولادة وحتى الوصول إلى سن ستة أشهر. إلا أن المسح الديموجرافي الصحي لمصر لعام 2014، والذي تم إعلان نتائجه في شهر مايو من العام الماضي، يظهر أن 40% فقط من أطفال مصر يحصلون على الرضاعة الطبيعية المطلقة حتى سن ستة أشهر، بينما لا تتجاوز نسبة الأطفال الرضع الذين يستمرون على الرضاعة الطبيعية المطلقة حتى الفطام 13%.

لماذا إذن تلجأ الكثير من أمهات مصر إلى اللبن الصناعي؟ وماذا حدث للرضاعة الطبيعية؟

مظاهرة لبن الأطفال المدعم

تعمل ناريمان سعيد (29 عاما) موظفة في شركة لبيع الفلاتر، وتحكي عن اضطراها النزول للعمل بعد أقل من ثلاثة أشهر بعد الولادة: “ولدت بنتي طبيعي. ورضعت طبيعي لحد تسع شهور. كان مجهود عليا لأني كنت بنزل شغلي وقبل ما أنزل باستعمل البامب (الـpump أو المضخة) عشان يبقي فيه رضعة طبيعي حد يرضّعها. وبعدها دخلت اللبن الصناعي، وأول ما أرجع من الشغل باعّوضها بالطبيعي. للأسف نسبة اللبن عندي بدأت تقل عشان الفترة اللي باسيبها فيها كانت كبيرة”.

لكن ناريمان، رغم المجهود، تمثل الأقلية من نساء مصر اللاتي يستطعن الاعتماد على الرضاعة الطبيعية حصريا خلال نصف العام الأول من عمر أطفالهن. وسام سعيد (28 عاما) على الجانب الآخر تقول: “مكانش ينفع أسيب الشغل لأني أنا اللى بصرف على البيت. أنا عارفة أن الرضاعة الطبيعية أحسن لصحة العيال بس مكانش ينفع أرضع طبيعي لغاية الفطام. ربنا يسامحني بقي بس حنعمل إيه ظروفنا وحشة. أنا وغيري من اللى أعرفهم عملنا كده”.

إما العمل أو الإرضاع

النزول إلى العمل كان أكثر الأسباب تكرارا في حديث الأمهات إلى “مدى مصر” حول سبب توقفهن عن الرضاعة الطبيعية الكاملة أو الجزئية. كثيرات منهن اضطررن لترك العمل، لأن ساعة الرضاعة التي يسمح بها القانون لا تُطبق في الكثير من الأحيان، وحتى في حال تطبيقها فإن الساعة لا تكفي بالطبع للعودة للمنزل والإرضاع ثم الرجوع للعمل، ما يدفع النساء للجوء للرضاعة الصناعية حيث يتركن أطفالهن مع أمهاتهن أو غيرهن وينزلن للعمل.

وطبقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن نسبة مساهمة المرأة في قوة العمل في 2015 قد بلغت 22.9% من إجمالي قوة العمل من سن 15-64 سنة، وكانت نسبة الإناث اللواتي يعملن عملا دائما من إجمالي النساء العاملات 85.4%، وهي الأرقام الرسمية التي لا تشمل النساء اللواتي يعملن في أعمال حرة ويدوية وحرفية خارج الاقتصاد الرسمي.

تقول الدكتورة منى مينا، وكيل نقابة الأطباء، إن “الأمهات المصريات تعرفن جيدا فوائد وضرورة الرضاعة الطبيعية، ولكنهن حين يلجأن للرضاعة الصناعية فإن ذلك يكون لأسباب خارجية، ويبقي السبب الرئيسي هو اضطرارهن للنزول للعمل خاصة وأن الإجازة المخصصة لهن في الوظائف الحكومية أربعة أشهر ولا يحصلن في القطاع الخاص سوى على شهر واحد، وحال العاملات والحرفيات أصعب بكثير”.

وجاء قانون الخدمة المدنية الذي أصدره رئيس الجمهورية العام الماضي، قبل أن يتوقف العمل به بعد رفض مجلس النواب تمريره في يناير الماضي، لينص على أن “تستحق الموظفة إجازة وضع لمدة أربعة أشهر بحد أقصى ثلاث مرات طوال مدة عملها بالخدمة المدنية”، وهو التعديل الذي أضاف شهرا على إجازة الوضع المنصوص عليها من قبل في قانون العمل.

الدكتور أحمد السعيد يونس، أمين عام الجمعية المصرية لطب الأطفال ورئيس جمعية أصدقاء الرضاعة الطبيعية يقول: “نكافح من أجل إجازة ستة شهور للأم لأنها هي المدة التي يحتاج فيها الرضيع للحصول على الرضاعة الطبيعية المطلقة من أمه، وهو ما تنصح به منظمة اليونيسف. نجحنا في أن نصل من ثلاثة أشهر للأربعة لأن الحكومة في مصر لا توافق على توفير كل هذه المدة للأم المرضعة مثل كل دول العالم. هذه الأشهر الستة هي الأساس للرضاعة الطبيعية وبعدها يمكن إطعام الطفل وعدم الاعتماد الكلي على الرضاعة”، متسائلا: “كيف نريد بناء أمة ناجحة إن كانت الحكومة لا توفر الوقت المناسب لبناء صحة الإنسان؟”.

استسهال القيصرية

الولادة القيصرية أيضا أحد أهم أسباب إحجام الأمهات عن الرضاعة الطبيعية في مصر، حسبما يقول الدكتور عمرو حسن، مدرس أمراض النساء في كلية طب القصر العيني بجامعة القاهرة لـ”مدي مصر”: “كلما زادت معدلات الولادة القيصرية كلما تقلصت نسبة الرضاعة الطبيعية، نظراً لأن القيصرية تصاحبها آلام تُعجز الأم عن القيام بدورها في الأيام الأولى بعد الجراحة، وبالتالي تفقد أهمية الساعات الأولي في أن تضع الصغير علي صدرها لتنشيط الغدد اللبنية في الثدي والتي تنتج اللبن”.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية فإن مصر من أعلى دول في العالم من حيث انتشار الولادة القيصرية، بنسبة 52% من حالات الولادة حسب المسح الصحي لعام 2014. وتوصي المنظمة بألا تزيد نسبة الولادة القيصرية في دولة ما عن 15%. لكن الأخطر هو أن معدلات الولادة القيصرية في مصر تكاد تكون قد تضاعفت في السنوات الأخيرة مقارنة بالمسح الصحي لعام 2008، حيث كانت النسبة 27%.

الشريحة الأكبر من الحوامل يطلبن أن يلدن ولادة قيصرية لخوفهن من الولادة الطبيعية بسبب الصورة الذهنية المغلوطة والشائعة بأن الولادة الطبيعية مؤلمة وأكثر خطرًا. لكن هناك بعداً اقتصاديًا أيضا. فالولادة الطبيعية قد تستغرق عدة ساعات تصل أحيانا إلى 15 ساعة، ما يدفع الأزواج لمطالبة الطبيب بالانتهاء سريعا عبر إجراء القيصرية. وأخيراً يلجأ الأطباء للولادة القيصرية لأنها الأسهل والأسرع والأغلى ثمنًا، “وفي أحيان أخرى الأكثر أمانًا لأن الولادة الطبيعية ربما تصاحبها مضاعفات تحتاج لمتابعة طبية بأجهزة متطورة لا نملكها في كل المستشفيات للأسف” كما يوضح حسن.

مظاهرة لبن الأطفال المدعم

هناك أيضا عوامل نفسية

يتحدث الدكتور خليل فاضل، استشاري الطب النفسي وزميل الكلية الملكية للطب النفسي بلندن، عن الخجل من الرضاعة في مكان عام- خاصة في المدن مقارنة بالريف- وهو ما روته لنا بعض الأمهات بالفعل.

“مرة نسيت البيبرونة فاضطريت أقعد في مخزن ضلمة عشان أرضع إبني طبيعي بدل ما أرجع البيت والخروجة تبوظ رغم إننا كنا في كافيه ومعايا غطا. بس أنا ماحبتش أرضعه وسط الناس لأنهم حيبصوا علينا وأنا حاتضايق وبصراحة أنا مابقتش أشوف ستات بترضع في الشارع دلوقتي”، تروي رينيه إدوار (28 سنة).

فيما تقول هالة حسن (35 سنة) إنها لم تستطع مغادرة منزلها إلى نادرًا طوال أشهر الإرضاع الطبيعي، حتى أنها اضطرت لترك العمل لحين فطام طفليها وعادت مرة أخري بعد سنوات طويلة من البقاء في المنزل. “رضعت أولادي الاثنين طبيعي لحد الفطام. كنت فرحانة جدا إنى بارضع طبيعي لأن ليها إحساس رائع إنك دائما بتدي لابنك منك شخصيا. لكن أرهقت جدا من للموضوع ده لأني كمان ماكنتش باخرج خالص طول فترة الرضاعة إلا عند الدكتور فقط. كنت محرومة من الفسح أو الزيارات.. حتى الشغل سبته للأسف.”

ويضيف فاضل: “كطبيب نفسي لمست تغييرًا في سلوك الأمهات المصريات مؤخرًا تجاه الرضاعة الطبيعية نحو تفضيل الرضاعة الصناعية، إلا أن فاضل يتجاهل كل هذه الأسباب المادية والنفسية ليتعبر أن الأمر ما هو إلا “نتيجة الاستسهال والكسل لأن كل حاجة في المجتمع أصبحت بلاستيك وزائفة وtake away“.

معلومات مغلوطة

تشيع في مصر عشرات الشائعات بشأن الحمل والولادة والإرضاع، على رأسها تسببهم في الترهل والسمنة. يقول الدكتور حسن من جامعة القاهرة: “تقرر بعض الأمهات منذ البداية الرضاعة الصناعية بحجة خوفهن على أجسادهن وصدورهن من الترهل، رقم أن ما يحدد ما سيكون عليه شكل جسد الأم بعد الولادة والرضاعة هو كم كيلو زادتها في الحمل، فالنساء اللواتي يزدن 20 كيلو أو 30 كيلو بالطبع ستترهل أجسادهن، أما التي تزيد النسبة المعقولة وهي 12 كيلو فقط فيعود جسدها لطبيعته بالتدريج، وحسب مقدار ما تمارسه من رياضة”.

شائعة أخرى ذكرتها طبيبة (طلبت عدم ذكر اسمها) بغرفة توزيع اللبن بأحد مكاتب رعاية الأمومة والطفولة في محافظة الغربية: “نحن في منطقة أقرب ما تكون للأرياف ولا أعرف سبب انتشار شائعة أن الرضاعة الطبيعية تسبب سرطان الثدي وهو ما تردده النساء بكثرة كلما حضرن للمكتب طلبًا لصرف اللبن المدعم بسبب خوفهن من الإصابة بالسرطان ومهما حاولنا تكذيب مثل تلك الشائعات لا تستجيب النساء بسهولة”.

بعيدا عن الرابطة النفسية بين الأم ورضيعها، يقول الدكتور حسن أن للرضاعة الطبيعية فوائد كثيرة للطفل بل ولصحة الأم أيضا على عكس الشائعات، “فالرضاعة الطبيعية تقلل من نسبة إصابة النساء بالسرطان وخاصة الثدي، عكس ما يتم تداوله بين أوساط النساء، كما أن الرضاعة الطبيعية تساعد الأم على إفراز هرمون يعمل على انقباض الرحم فيمنع نزيف ما بعد الولادة”.

مظاهرة لبن الاطفال المدعم

“اللبن بتاعي قليل وخفيف

أمهات كثر ذكرن أن السبب في اعتمادهن على اللبن الصناعي هو خلو صدورهن من اللبن، إلا أن الدكتور يونس يوضح أن الكثير من النساء يفتقرن إلى المعلومات الضرورية لفهم ما يحدث لأجسادهن بعد الولادة، خاصة فيما يخص إفراز اللبن، ويقول إن “بعض الحوامل تظنن خطأ أن اللبن قليل فتلجأن سريعاً للرضاعة الصناعية، وما نحاول شرحه هو أن اللبن في أول ثلاثة أيام يكون قليلا ويعرف بـ”السرسوب” وتغلب عليه نسبه المياه ولذلك يكون خفيفًا ولكنه يعتبر رغم ذلك مغذيًا للطفل في الأيام الأولي، فهو يروي عطشه ويكفي لإشباعه وتقوية جهازه المناعي”. ويتابع السعيد “تدريجيا تتغير مكونات اللبن كلما زاد نمو الطفل وزادت حاجاته فيتغير اللبن ليحتوي على النشويات ثم الدهون تالتي تمنح إحساس الشبع، والأهم هو عنصر البرولاكتين وهو عبارة عن دهون على بروتينات وهو المسئول عن تغذية المخ. هذا العنصر غير الموجود حتى في لبن البقر والجاموس”.

كما تخلط بعض الأمهات بين سمنة الرضيع وبين صحته الجيدة، فيبدو لهن الامتلاء دليل صحة وعافية، وتثير إصابة بعض الأطفال البدناء بالأنيميا دهشتهن. يقول الدكتور حسن: “تفرح بعض الأمهات بحجم الطفل الممتلئ نتيجة اللبن الصناعي بالمقارنة بالأطفال الذين يرضعون طبيعيا فتكون أحجامهم أقل، والحقيقة أن الطفل الذي يرضع ألبانا صناعية ينتفخ جسده شكلاً ولكن دون أن تزيد مناعته أو تتحسن صحته وبالتالي هو منفوخ على الفاضي”.

وتتفق الطبيبة التي التقيناها بغرفة اللبن في مركز الطفولة والأمومة: “الأطفال معظم الوقت مرضى، والمناعة ضعيفة وهم معرضون لنزلات البرد بصورة مستمرة، كما يصابون بالحساسية، وتظل الأم تتساءل عن سبب ضعف طفلها وحاجته لزيارة طبيب أطفال. نحاول أن نشرح لها أن السبب هو أنه لم يحصل على قسط من الرضاعة الطبيعية بصورة كافية لخلق جهاز مناعي قوي، كما أنها لم تكن تتغذى بصورة جيدة أثناء الحمل.” وتضيف “الخلاصة هو نقص الوعي وجهل شريحة كبيرة من النساء بأساسيات الحمل والرضاعة”.

تداعيات صحية

واحد من كل خمسة أطفال في مصر يصاب بـالتقزم، أي يكون قصير القامة بصورة ملحوظة ومقوس الرجلين، بحسب المسح الصحي لمصر 2014. ويوضح المسح أن التقزم علامة من علامات سوء التغذية المزمن، وأن نسبته في مصر قد زادت بانتظام من عام 2000. كما يكشف التقرير عن ارتفاع نسب نحافة الأطفال نتيجة سوء التغذية الحاد، وعن انتشار الإصابة بالأنيميا بين النساء والأطفال في مصر.

ويقول الدكتور السعيد، من جمعية أصدقاء الرضاعة الطبيعية، إن زيادة نسبة التقزم والربو والحساسية في مصر سببها الاعتماد المتزايد على الألبان الصناعية وإهمال الرضاعة الطبيعية، مضيفا أن “أول سنتين من عمر الطفل هما الأكثر أهمية على الإطلاق في بناء جسده وعقله، والتقزم مرض ناجم عن إصابة الطفل بالأنيميا لسوء التغذية وهناك فرق بين سوء التغذية ونقص التغذية، بمعنى أن كم الغذاء الذي يحصل عليه الطفل ليس هو المشكلة الأساسية وإنما نوعية الغذاء”.

ويتابع السعيد أن “الرضاعة الطبيعية التي تعتمد على لبن الأم تختلف في نوعها عن الرضاعة الصناعية التي تعتمد على ألبان معالجة لتشبه لبن الأم ولكنها لا تحتوي على كل فوائده التي يحتاجها جسم الإنسان في أيامه الأولى، كما أن لبن البقر والجاموس فقير في الحديد وبالتالي فالاعتماد عليه خطر لأن نقص الحديد معناه زيادة الأنيميا، بالإضافة إلى أن تلك الألبان مهما كانت جودتها قد تسبب للأطفال الحساسية والمغص ونقص المناعة”.

ولكن الدكتور حسن من طب القصر العيني يوضح أن انتشار الأنيميا بين النساء في مصر لا يرجع بالضرورة إلى لحمل والرضاعة وإنما يبدأ منذ الطفولة لأسباب كثيرة، أهمها الفقر الذي يسبب سوء التغذية، والدورة الشهرية التي ربما تسبب لهن النزيف دون زيارة طبيب لمعرفة كيفية العلاج، “وبالتالي تصل السيدة لمرحلة الحمل والرضاعة وهي هزيلة ولا تكتشف أنها مصابة بالأنيميا وغيرها من أمراض التغذية إلا بعد فوات الأوان.

اللبن المدعم بمراكز وزارة الصحة

جدل اللبن الصناعي

في ظل منظومة اقتصادية واجتماعية غير مشجعة على الرضاعة الطبيعية٬ أصبح اللبن الصناعي أحد المواد الغذائية التي تدعمها الدولة، ولكنها كحال الكثير من السلع المدعومة في الشهور الأخير تعاني نقصًا من غير الواضح مصدره الحقيقي.

في تصريحات صحفية قال الدكتور أحمد عماد الدين، وزير الصحة والسكان، إن الدولة تدفع حوالي ٤٥٠ مليون جنية سنويا لدعم ألبان الأطفال، وإن الحكومة اشترت حوالي 18 مليون علبة لبن هذا العام، موضحاً أن مراكز توزيع اللبن ستكون في وحدات الصحة الأولية التي يبلغ عددها حوالي 1005 وحدة فقط على مستوى الجمهورية.

ويتطابق ذلك مع مناقصة توريد الألبان للعام المالي 2016 / 2017 والتي أسندتها وزارة الصحة بالكامل في مارس 2016 لصالح الشركة المصرية لتجارة الادوية. وتقول الشركة بدورها إنها قامت باستيراد حوالي 18 مليون علبة لبن صناعي شبيه بلبن الأم، بقيمة 531 مليون جنيه، أي بواقع 29.5 جنيه للعبوة الواحدة.

إلا أن الأمهات والآباء لاحظوا مؤخرا نقص -وأحيانا اختفاء- علب اللبن من الصيدليات. وكان هذا ما دفع الأمعات للتظاهر في الأول من سبتمبر أمام الشركة المصرية لتجارة الأدوية، بعد أن صدر قرار وزير الصحة بحصر توزيع اللبن المدعم على مراكز رعاية الأمومة والطفولة التابعة للوزارة، والتي شهدت بدورها مؤخرًا نقصًا في شحنات اللبن الصناعي. بعض الأمهات المشاركات في المظاهرة أخبرن “مدى مصر” بأنهن يشاهدن تحميل الألبان من داخل الشركة في “توكتوك” لبيعها خارج مقر الشركة لصالح عدد من العاملين بها، وأنهن شاهدن عربات أكبر تنقل علب اللبن المدعم لمصانع الحلوى، الأمر الذي لم ينفه المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة الدكتور خالد مجاهد، والذي أكد: “بالفعل يتم تسريب علب ألبان الأطفال إلى مصانع الحلويات، كما تباع أيضا في السوق السوداء”.

وفي تصريحات صحفية قال أمين صندوق نقابة الصيادلة جورج عطا الله، عقب إرساء المناقصة على الشركة المصرية “إن الدولة تدعم عبوة اللبن في المستشفيات الحكومية بثلاثة جنيهات، كما أنها تباع في الصيدليات بسعر يتراوح بين 17 و18 جنيهاً، لذلك لا يجب أن تشارك فيها شركات خاصة لتستفيد من الدعم”، موضحاً أن وزارة الصحة ونقابة الصيادلة وجهات سيادية رفض تسميتها، تسعى لإنشاء مصنع لإنتاج ألبان الأطفال بتكلفة تقديرية مليار جنيه.

فيما قال مجاهد، المتحدث باسم الوزارة- في تصريحات تلفزيونية–  إن الصيدليات تقوم ببيع علبة اللبن بسعر 60 جنيها، بينما يتم بيع نفس علبة اللبن في الوحدات الصحية بسعر 5 جنيهات”، في إشارة واضحة إلى عناصر “مافيا الألبان” كما أصبحت تعرف، والمسؤولين عن تسريب تلك الألبان المدعومة.

وكان النائب أحمد العوضي، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، قد صرح بأن الفريق صدقي صبحي، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع، أعلن خلال لقاء جمعه بـ400 عضو بالبرلمان في شهر يوليو الماضي عزم جهاز الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع على استيراد لبن الأطفال بعد أزمة النقص التي تعرض لها خلال الشهور السابقة، أي قبل تفجر الأزمة.

في حين ترى الطبيبة المسئولة بغرفة اللبن أن الألبان المدعمة التي توفرها الحكومة لا تحتوي على نفس القيمة الغذائية الموجودة في الألبان مرتفعة الأسعار التي تُباع في الصيدليات، وبالتالي لا تجوز مقارنة جودتهما أو سعرهما.

وطبقا لمنظومة اللبن المدعم، يحصل الطفل في العام الأول على 61 علبة، حيث يحصل على 40 علبة لأقل من 6 أشهر، و21 علبة لأعلى من 7 أشهر. وهناك ثلاثة شروط لحصول الطفل على اللبن المدعم: أن تكون الأم متوفاة، أو مصابة بمرض عضلي خطير كالسرطان، أو أن تكون قد ولدت ثلاثة أطفال في مرة واحدة، وهي الشروط التي تعتبرها الدكتور مينا شديدة التعسف. وفي بعض الحالات تقوم الممرضة بالكشف على ثدي الأم للتأكد من عدم قدرتها على الرضاعة الطبيعية، وهو الأمر الذي أثار جدلا واسعا مؤخرا.

وتنوه الطبيبة بمكتب رعاية الطفل إلى اتجاه لاحظته وزملاؤها مؤخرا في الأرياف يؤدي كذلك إلى زيادة الطلب على اللبن المدعم: “بعض الأمهات وخاصة صغيرات السن تلجأن للرضاعة الصناعية بناءً على نصائح أطباء الأطفال لهن بشراء “ألبان صناعية معينة يبيعها هؤلاء الأطباء أو صيدليات تابعة لهم أو تصنعها شركات على صلة بهم ويحصلون عليها ويقومون بالترويج لها وبيعها. عندما تكتشف الأمهات غلاءها يلجئن لمكاتب رعاية الطفل للحصول على اللبن المدعم، ولكن بالكشف عليها نجد أن لديها لبن في صدرها وبالتالي لا تحصل على اللبن المدعم”.

“لا نملك سوى تطبيق القانون” توضح الطبيبة، “أسباب كثيرة وراء لجوء النساء للرضاعة الصناعي بعد ثلاثة أو أربعة أشهر من الرضاعة الطبيعية وربما يتوقفن تماما عن الرضاعة الطبيعية، منها الضعف الصحي والمرض وغيره، ولكن يظل عملهن هو السبب الأساسي، فالأم التي تعمل موظفة في قطاع عام أو خاص تحصل على إجازة قصيرة والتي تعمل في مجالات أخري ربما لا تحصل على إجازات إطلاقاً خاصة لو كانت هي من تعول الأسرة وطلبهن للبن المدعم مشروع لكن ماذا نفعل؟”

اعلان
 
 
كارولين كامل