Define your generation here. Generation What
التعرف على اللوتس
لماذا يجب أن نرسم صورًا أكثر، ونسرق رموزًا أكثر
 
 
 

الجزء اﻷول: التعرف على اللوتس

استحوذت عليّ صورة في المتحف المصري. مررت بجوار كابينة زجاجية تمتلئ بأشياء متنوعة كان ترتيبها الطوبوغرافي غامضًا. وجدت قطعة سيراميكية صغيرة متشابكة مع عدد من القدور واﻷواني والوجوه المشوهة. كانت تحمل رسمًا لرجل يمشي وعلى رأسه ثلاث أزهار لوتس تنبعث من رأسه. نسخت الرسمة في كراستي:

lotus

كتبت تحتها تعليق: “تنمو اللوتس من رأسه، من رؤوسنا. اللوتس مقدسة”.

كانت طريقة تفكيري كالتالي: تنمو اللوتس فقط في مياة نظيفة وصحية للغاية، وترتبط بالنقاء والقداسة. نمو اللوتس من رأس هذا الرسم يعني أنه مقدس، أو يحتوي على صفات غير عادية في هذه اللحظة. أعتقد أنه يمثل الرجل العادي ﻷن الرسم لا يظهر عليه أي إكسسوارات خارقة للطبيعة أو علامات الثروة الكبيرة (يرتدي ثيابًا بيضاء بسيطة). أعتقد أنه يمثل انعكاسًا لذواتنا، ربما في أكثر حالاتها سموًا. لذا فإن رأسه يمثل رأسًا لعدة رؤوس. بفضل تخميني، تشير الصورة إلى القداسة العامة للجنس البشري.

طويت استنتاجي تحت ذراعي وخرجت من المتحف. أكملت يومي بينما يشغل اﻷمر تفكيري، وتخيلت زهرة لوتس تنمو من رأسي.

حين أطلعت أحد اﻷصدقاء على الرسم، اختلف مع الشرح الذي أعطيته لها. “لا، هذا الرجل هو النيل، واللوتس هي زهرة اللوتس التي اعتادت النمو في النيل”، هكذا قال.

في هذه الحالة، يمثل الرجل المكان أو الموقع بينما اللوتس تمثل الجسد. وبالتغيرات التي شملت معنى الرسم ومنطقه، يمكنني أن أفترض أنها تدور حول العلاقة بين النيل وزهرة اللوتس. تثور بعض اﻷسئلة في ذهني: بناءً على هذا الوصف، هل يعطي النيل الحياة إلى اللوتس، أم يعطي اللوتس الحياة إلى النيل؟ أم أن العلاقة تكافلية؟ أيضًا، كيف يمكننا أن ننظر إلى الفضاء المحيط بالرسم؟ أي نوع من الفضاء والزمن يسير فيه النيل؟

إذا كان هذا التفسير الثاني مقبولًا، فإن الرسم يرجع صدى حزن في اﻷزمان المعاصرة. هذا بسبب أنه في لحظة ما من لحظات التاريخ، اختفت زهرة اللوتس من النيل. ليس هناك تفسير رسمي لهذه الظاهرة، لكن معظم الناس لديها أفكارها. كثيرًا ما سمعت أن السبب هو التدخل البشري في العمليات البيئية كبناء السدود والمصانع. أعرف شخصًا على يقين بأن أحد كبار رجال اﻷعمال اشترى كل زهور اللوتس في النيل واحتفظ بهم لنفسه، أو باعهم في أوروبا. وسواء ما تم نزع اللوتس من رؤوسها أو فقط سقطت من جراء نفسها، فإن اﻷمر يبقى لغزًا. ما نعرفه هو أن رجل النيل لم يعد يمشي حاملًا الزهور على رأسه.

بعد شهر على رحلة المتحف، استطعت الدخول إلى مكتبته وانتهزت الفرصة لاستكشاف أبعاد أخرى للرسم. وجدت الكتاب الوحيد عن اللوتس بالللغة اﻹنجليزية وهذا هو ما كشفه: “يظهر نفرتوم، من ثالوث منف- بزهرة اللوتس على رأسه. كإله للشمس الصاعدة، نجد الميت بعد تحوله إلى زهرة لوتس يقول: أنا زهرة اللوتس التي تصعد من اﻷبهة المقدسة التي تنتمي إلى منخار رع”.

بوضع زهرة اللوتس في سياق دين رع، يشير الكتاب إلى أن رسم الرجل قد يكون اﻹله نفرتوم. على كل اﻷحوال، وإلى جانب كل صفاتها وجوانبها، تبقى النقطة المركزية التي تجعل من اللوتس زهرة مقدسة هو أن تفتحها وإغلاقها يتناسق مع شروق الشمس وغروبها. في هذا اﻹطار، فإنها ترمز إلى دورة البدايات: حين قام ست بتمزيق عيني حورس، نمت زهور اللوتس في فتحات عينه على الفور، ثم تم استبدالها بزوج جديد من العيون. لهذا فإن اللوتس تدور حول التجديد واﻹحياء.

ضربتني ذكرى لشيء ما حدث مبكرًا هذا العام، وإلى جانب هذه المعلومة، تشكّل لزهرة اللوتس معنى جديد. ألقي القبض على أحد أصدقائي في 25 أبريل. كنت جديدة في مصر، ودفعني الحدث إلى فترة من انعدام اليقين وإعادة تقييم العديد من اﻷشياء. أجلس بجانب النهر مع صديق آخر، يشغلنا الموقف، ربطنا القبض على صديقنا باختفاء زهرة اللوتس من النيل. تسبب هذا في فصل الموقف عن خصوصياته ليصبح جزءًا من حكاية أكبر منا. أحسسنا وكأن اختفاء اللوتس كان نوعًا مماثلًا من الاختطاف: ظلم لا يمكن معرفة تفاصيله، يدفع بشعور الغدر والقذارة، يتركك في حيرة: كيف توجه ردًا على هذا، ولمن توجهه.

أطلق سراح صديقي بعدها بعدة شهور، وقمنا بزيارة المتحف المصري سويًا. في هذا اليوم، قرر سرقة زهرة لوتس من بركة الماء أمام المتحف، وهو أحد اﻷماكن القليلة التي ما زال يمكنك أن تجد فيها زهور لوتس في مصر. بغير أن يدرك التماثل مع ما فعلناه مسبقًا، ربط صديقي هذا الفعل بإطلاق سراحه من السجن وأطلق عليه “إعادة إحياء اللوتس”.

الجزء الثاني: سرقة اللوتس

بالنسبة لي، يحدث اكتشاف الرموز في مختلف اﻷجزاء، بعض هذه اﻷجزاء تكمل بعضها، مع فراغات كبيرة في الزمن أو المسافة فيما بينها. لم تكن عملية خطية من الاستكشاف، لكنها كانت تقف، وتتعطل، وتتراجع، وقد تصحبني في جولات. قد يبقى الرمز كامنًا لفترة طويلة قبل التعرف عليه. لا بد أن أكون حساسة للاستقبال. وبمجرد ظهوره، يمكنني أن أختار حمله معي، كما يمكنني إلقاؤه، أو تجاهله وقتما أريد.

حين وصلت إلى مصر للمرة اﻷولى، بقيت بعيدة لبعض الوقت عن المواقع القديمة، ولم يكن لدي اهتمام بالتاريخ الفرعوني. ربطت هذه اﻷشياء بالسياحة وتغريب التاريخ المصري. أكثر من أي شيء، افترضت أن هذه الرموز لا يمكن أن تقدم شيئًا لفهم معاصر وأكثر صعوبة لمصر. ومع هذا، استمرت رموز وحكايات مصرية قديمة معينة في ربط نفسها بما يحدث من حولي. أخذت موضعها في النقاشات، وفي ما كان الناس يرسمونه في منازلهم، وبالتحديد في رد الفعل على الواقع الصعب الذي يواجه شباب المصريين.

أمر واحد استحوذ عليّ وهو الطريقة التي فهم بها قدماء المصريين ضرورة الخلود، وأن “الشر” لم يكن قوة في حد ذاته، ولم يكن مفهومًا يبعث على الخوف. خذ “ست” على سبيل المثال، والذي انتزع عيني أخيه “حورس”. على الرغم من أنه ارتكب فعلًا فظيعًا، لكنه لم يعتبر شريرًا وإنما إله ذو طريقة خاصة للصواب. في اللحظة التي كان “ست” و”حورس” سيقتلون بعضهم فيها، وصل “تحوت” ليصلح بينهما ﻷن معركتهما مهمة لحركة النظام والفوضى المستمرة التي تحفظ الكون. لا تصل الحكايات إلى نهايات أخلاقية عبر إدانة سلوكيات معينة، ومدح سلوكيات أخرى، وإنما بإيضاح كيفية تشابك دوافع مختلفة تتفاعل في شكل سردي. لدى اﻵلهة طبيعة بشرية أيضًا: تحركهم الغيرة والحب والجشع، تنشأ أبنية السلطة وتنهار بطرق غير بطولية. ووسط هذه الملاحم، تستخدم الحيوانات والنباتات كرموز لتوضيح القوى المختلفة، أو جوانب الطبيعة البشرية، وتظهر كل جوانب الطبيعة كرموز لبعضها البعض.

ربما توصلت إلى قبول بعض هذه الرسوم والرموز بسبب ضرورة باطنية: عبر استبدال قوى وأحداث معينة برسومات، يتمكن المرء على اﻷقل من أن يراها وأن يتحدث عنها. لكن إدماج اﻷساطير والرموز في الحياة اليومية أمر عفا عليه الزمن، ولم يعد من السهل إدخال زهرة اللوتس في نقاش حول نظام السجون. أصبحنا أكثر اعتيادًا لمناقشة اﻷمور عبر الاقتباسات والرسوم -لكن هذه أيضًا رموز، فقط تبدو أكثر جدية. في الواقع، وأثناء التظاهر بكونها حقيقة، يمكن للكلمات واﻷرقام أن تمنح نفسها لتلاعب سياسي وأهداف أكثر عقائدية بينما تظل الرموز والرسوم مفتوحة أكثر للتفسيرات. يمكنها أن توفر مستوى أكثر تحررًا في تداعيها، حيث يمكنها أن تندمج وتصطدم، لتشكل معانٍ جديدة وتسهل تعددًا للقيم. كما أن لها طابعًا مكانيًا: علاقة الصورة بسطحها وما حولها أكثر قوة من كلمة أو رقم.

في كتابه “جوهر نقي” Pure Immanence، يتحدث جيل دولوز عن أنواع مختلفة من التفكير. أحدها هو النوع الذي يحكم ويقيس؛ يقيد نفسه في النهاية لمجموعة من القيم. النوع اﻵخر هو الذي يبتكر؛ يضيء الحياة بخلق احتمالات جديدة ويؤكدها. تنتمي الصور إلى النوع الثاني، ﻷن كلًا من ابتكارها واستقبالها (بواسطة الناظر) يحدث في مناخ خلق وليس استنتاج. يمكنها أن تتواصل بطريقة تضيف تعددًا ضروريًا للطريقة التي نحكم بها على العالم، ونعيش بها هذه اﻷحكام.

أقترح أيضًا أن نسرق المزيد من الرموز من العالم ﻷنفسنا وأصدقاءنا. الرموز، حين نعيش بها دون اكتفاء باﻹستيلاء عليها، يمكنها أن تصبح أدوات للتمكين؛ تمامًا كما يلتقط سوبر ماريو أحد اﻷزهار لتمنحه قوة سرية. لا أقصد السرقة بالطريقة التي تجعل اﻷشياء تختفي، وإنما باستحواذ الفرد على شيء ﻷنه متاح لاستحواذ كل اﻷفراد. سألت صديقي مؤخرًا عن السبب الذي دفعه لسرقة زهرة اللوتس منذ ثلاثة شهور، فأوضح أنه في تلك اللحظة أحس باحتياج لها أكثر من أي شيء آخر. احتاج حياة جديدة، وكان هذا هو اللوتس الذي يخصه. اضطر ﻷخذها لأنها كانت مسألة حياة، ﻷن الحياة ذاتية: متأصلة وتكمن وراء اﻷحكام السطحية للخير والشر. هي في “ذاتها”؛ للجميع لكنها في الوقت نفسه لا تنتمي ﻷحد.

بالرجوع مرة أخرى إلى صورة الرجل واللوتس، لم أزل أتساءل: أي تفسير ينبغي أن نقبله؟ أي مصدر يحمل الشرعية اﻷكبر؟ قد يفترض أحدهم أنه الكتاب الذي عثرت عليه في المكتبة الذي لا بد وأنه أجرى بحثًا جيدًا وأنه عمل مكتمل. لكن التفسير يعتمد أيضًا على سياق الناظر، وإلى حد ما عما يبحث عنه بالفعل. هل يمكن لكل هذه المعاني أن تتواجد معًا؟ بالنسبة لي، نعم يمكنها: أن صديقي خضع ﻹعادة إحياء، وأن النيل فقد اللوتس التي حملها يومًا على رأسه، وأن الزهور التي أنبتتها كانت مقدسة -وأن كل هذه الحقائق تعيش سويًا. كل الاحتمالات ممكنة معًا، فقط إذا آمن في رمز اللوتس، وسرقها لنفسه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ترجمة: محمد حمامة

اعلان
 
 
شيترا سانجتاني