هكذا يأخذك قانون الجريمة الإلكترونية إلى السجن
 
 

في خطوة أولى نحو إقراره رسميًا، وافقت اللجنة العليا للإصلاح التشريعي من حيث المبدأ على مشروع قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية، على أن يُعرض على مجلس الوزراء، وهو القانون الذي سيكون مستخدمو الإنترنت بموجبه مهددين بالسجن حال قيامهم بالكثير من الأشياء، أو لامتناعهم عن القيام بأشياء أخرى.

ونشر موقع البوابة نيوز نص المشروع المقترح الذي وافقت عليه لجنة الإصلاح التشريعي خلال اجتماعها، أمس الثلاثاء، برئاسة المهندس شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء، وهو المشروع الذي وصفه أحمد خير، مدير مركز دعم لتقنية المعلومات، بأنه لم يختلف كثيرًا عن المسودات السابقة التي تمت مناقشتها سوى في تحسين الصياغة القانونية له.

كانت نسخ مختلفة من مشروع القانون قد تمت مناقشتها سابقًا، منها مسودة مقدمة من وزارة العدل إلى مجلس الوزراء في مارس 2015، والتي تطابقت مع مشروع قانون مقدم من النائب تامر الشهاوي إلى لجنة الاقتراحات والشكاوي في البرلمان في مايو الماضي، والذي أصدرت ثلاث منظمات -هي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومركز دعم لتقنية المعلومات ومؤسسة حرية الفكر والتعبير- في يونيو الماضي تقرير سياسات مشترك، بعنوان “معاداة التقنية”، تعليقًا عليه، معتبرة أنه “يخل بمبدأ المساواة أمام القانون ويعاقب على استخدام تقنيات المعلوماتية”، وأن “استعداء من كتب القانون للإنترنت بلغ حدوده القصوى، فلم يعد هناك الكثير الذي يمكن أن يضاف بعد تمرير قانون بهذه الدرجة من القسوة إلا المنع المباشر لاستخدام الإنترنت”.

ما لا يجب أن تقوم به على الإنترنت

بحسب النص المنشور على موقع البوابة، يعاقب القانون “كل من انتفع بدون وجه حق عن طريق شبكة النظام المعلوماتي، أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، بخدمة اتصالات، بما في ذلك الخدمات السمعية أو البصرية أو السمعية البصرية، وما في حكمها” بالحبس وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، بحسب المادة 15 منه.

وفي حالة الدخول إلى موقع أو حساب خاص أو نظام معلوماتى محظور الدخول عليه، سواء كان الدخول عمدًا أو بغير عمد، تكون العقوبة: الحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، حسبما نصت المادة 16.

وبحسب المادة نفسها، تكون العقوبة: الحبس لمدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه، ولا تجاوز مائتين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا نتج عن هذا الدخول إتلاف أو محو أو تغيير أو نسخ أو إعادة نشر للبيانات أو المعلومات الموجودة على ذلك الموقع أو الحساب الخاص أو النظام المعلوماتي.

كما يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه، ولا تجاوز مائتين وخمسين ألف جنيه، كل من اعترض بدون وجه حق أية معلومات أو بيانات، أو كل ما هو متداول عن طريق شبكة معلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي وما في حكمها، بحسب المادة 18.

وتحدد المادة 20 عقوبة “اختراق بريد إلكتروني أو موقع أو حساب خاص بأحاد الناس”، بـ”الحبس وبغرامة لا تقل عن ثلاثين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين”، أما إذا كان البريد الإلكتروني أو الموقع أو الحساب يخص شخصًا اعتباريًا، فتكون العقوبة بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وإذا كان الفعل إتلافا أو تعطيلا أو إبطاء أو تشويها أو إخفاء أو تغييرا في تصميم موقع لشخص من أشخاص القانون الخاص بغير وجه حق، تكون العقوبة الحبس بالإضافة إلى غرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، طبقًا للمادة 21.

وتختلف العقوبة في حالة اﻷنظمة المعلوماتية الخاصة بالدولة. فبحسب المادة 22 من مشروع القانون، يعاقب بـ”الحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من دخل عمدًا، أو دخل بخطأ غير عمدى وبقى بدون وجه حق، أو تجاوز حدود الحق المخول له من حيث الزمان أو مستوى الدخول، أو اخترق موقعًا أو بريدًا إلكترونيًا أو حسابًا خاصًا أو نظامًا معلوماتيًا يدار بمعرفة أو لحساب الدولة، أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة، أو مملوك لها، أو يخصها”.

يوضح أحمد خير أن مشروع القانون يميز في العقوبة على نفس الجريمة التي تقع على أطراف مختلفة، حيث يقر القانون عقوبات مختلفة على اختراق حسابات بريد إلكتروني أو مواقع إذا كانت تابعة لأفراد أو تابعة للدولة أو أحد الأشخاص الاعتبارية.

فيما اعتبر تقرير المنظمات الحقوقية أن القانون، بسبب هذا التمييز، يحمي الأقوياء أكثر من الضعفاء.

ولاحظ التقرير أنه “على الرغم من أن المشرع سعى إلى إضفاء حماية للأقوياء وفرض عقوبات أقسى حال ارتكاب الجرائم على كيانات اعتبارية عامة، فإنه لم يفرض عليها أي التزام أعلى ولم يقرر أية عقوبات أقسى حال ارتكاب أعضاء تلك الكيانات ومن يعملون لصالحهم من تلك الجرائم. مستغلين سلطاتهم أو الأدوات العامة والمال العام في ارتكاب أيّ من تلك الجرائم”.

وتنص المادة 22 أيضًا على أنه إذا ترتب على أي من الأفعال السابقة إتلاف تلك البيانات أو المعلومات أو تلك المواقع أو الحساب الخاص أو النظام المعلوماتي، أو البريد الإلكتروني، أو تدميرها، أو تشويهها، أو تغييرها أو تغيير في تصميمها أو نسخها، أو تسجيلها، أو تعديل مسارها أو إعادة نشرها، أو إلغائها كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة كانت، تكون العقوبة السجن المشدد، والغرامة التي لا تقل عن خمسمائة ألف جنيه ولا تجاوز مليوني جنيه.

إدانة المجني عليه

إذا كنت مديرًا لموقع إلكتروني أو مسؤولًا عن إدارة حساب خاص أو بريد إلكتروني أو نظام معلوماتي، فإن عددًا من مواد القانون تمهد الطريق لحبسك حتى دون ارتكاب جريمة.

طبقًا للمادة 49، يعاقبك القانون بالحبس إذا تعرض الموقع أو الحساب الخاص أو البريد الإلكتروني أو النظام المعلوماتي الذي تديره لأي جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، ولم تبلغ بذلك الجهات الرسمية المختصة وقت علمك بالجريمة.

كما يعاقبك القانون بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا تعرض موقعك لجريمة من الجرائم التي أشار إليها القانون وقمت بالعبث بالأدلة الرقمية، طبقًا للمادة 40.

وإذا تسبب إهمالك في العمل في تعرض الموقع لإحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، ولم تقم باتخاذ التدابير والاحتياطات التأمينية اللازمة المعمول بها في مجال تقنية المعلومات، فإن المادة 42 تعاقبك بالحبس الذي لا تزيد مدته على سنة، وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وإذا كنت مديرًا لموقع غير متاح للكافة، يعاقبك القانون بالحبس الذي لا تزيد مدته على سنة، والغرامة التي لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا لم تقم بوضع رسالة تحذيرية في مستهل الموقع تنبه المستخدم بعدم جواز الدخول إلا للمصرح لهم فقط، وبوجوب مغادرته للموقع على الفور منعًا من الوقوع تحت طائلة القانون، بحسب المادة 41.

وبينما يبدى “خير” استغرابه من إدانة المجني عليهم في الجريمة. اعتبر تقرير “معاداة التقنية” أن هذه المواد تجرم “بشكل عملي مهنة إدارة النظم المعلوماتية، وهي وظيفة صارت ضرورية في أي نشاط اقتصادي حديث، وتورط مديري كل الشركات والمؤسسات في المسؤولية الجنائية لأفعال لا يمكنهم الدفاع عنها في بعض الأحيان”.

لا تتاجر في “الأفكار غير المشروعة”!

بحسب النص المنشور، فهناك عقوبة حبس لما وصفه مشروع القانون بالإتجار غير المشروع في “الأفكار”. وقد جمع المشروع المقترح “الأفكار” بالمخدرات والأسلحة والأعضاء البشرية، فعاقب بالسجن المشدد كل من أنشأ أو أدار أو استخدم موقعًا أو حسابًا خاصًا، أو نظامًا معلوماتيًا، بقصد الإتجار غير المشروع بها، أو سهل التعامل في أي من ذلك، أو الترويج له بأي وسيلة كانت، حسبما نصت المادة 26.

ولا تتعلق الأفكار المشار إليها في المادة السابقة بانتهاكات حقوق الملكية الفكرية، حيث خصص مشروع القانون للأخيرة المادة 33 والتي نصت على أن “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من نشر أو نسخ أو أتاح أو عرض عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات، جزء أو كل من مصنف من المصنفات المحمية وفقًا لأحكام قانون حماية الملكية الفكرية المشار إليها، بدون وجه حق. فإذا كان النشر أو النسخ أو العرض بقصد التسويق أو الربح، تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين”.

يقول محمد الطاهر، المدير التنفيذي لمؤسسة حرية الفكر والتعبير، إنه لا يعرف قانونًا نص على تجريم تجارة “الأفكار” غير المشروعة، مبديًا استغرابه من استخدام اللفظ بهذه الطريقة العمومية.

وفي مادة أخرى نص مشروع القانون على أن “يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن ثلاثمائة ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من حاز أو أحرز أو جلب أو باع أو أتاح أو صنع أو أنتج أو استورد أو أصدر أو تداول بأي صورة من صور التداول، أي جهاز أو معدات أو أدوات أو برامج مصممة أو مطورة أو محورة، أو أكواد مرور أو شفرات أو رموز أو أي بيانات مماثلة، بغرض استخدام أي منها في ارتكاب أو تسهيل أو ارتكاب أي جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون أو إخفاء أثرها أو أدلتها”، وهي المادة التي اعتبرها تقرير المنظمات الحقوقية “تجرم استخدام التقنية وتعوق دراسة النظم المعلوماتية وتثبط من صناعة المعلوماتية وتهدد المبرمجين وطلاب العلم والباحثين والمهندسين، فهي تجرِّم دراسة تأمين النظم المعلوماتية كما ينبغي أن تكون، بما يستدعيه ذلك من قراءة ودراسة وكتابة برمجيات إدارة وأمثلة ومراجعة الأنظمة المعلوماتية والشبكات أمنيًا”. وبالنسبة لأحمد خير، فإن هذا التضييق يهدد صناعة الأمان الرقمي في مصر.

No more Parody

إذا كنت من هواة إنشاء الحسابات الساخرة على شبكات التواصل الاجتماعي، فإن القانون لم يغفل ذكرك. تنص المادة 31 على عقوبة الحبس وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز عشرين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، لكل من اصطنع بريدًا إلكترونيًا أو موقعًا أو حسابًا خاصًا، ونسبه زورًا إلى شخص طبيعي أو اعتباري. وإذا استخدم الجاني البريد أو الموقع أو الحساب الخاص المصطنع في أمر يسيء إلى من نسب إليه، تكون العقوبة الحبس الذي لا تقل مدته عن سنتين والغرامة التي لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تتجاوز ثلاثين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

من جانبه، اعتبر محمد الطاهر أن هذه المادة يقصد بها إغلاق الحسابات التي ينشئها مستخدمو اﻹنترنت للسخرية من شخصيات سياسية وعامة.

لا تخرج على الآداب العامة

كما يهتم القانون بالحفاظ على ما سماه “الآداب العامة” دون أن يحدد لها تعريفًا واضحًا. إذ تعاقب المادة 37 بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، كل من أنتج أو أعد أو هيأ أو أرسل أو خزن بقصد الاستغلال أو التوزيع أو العرض على الغير، عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات، ما من شأنه المساس بالآداب العامة أو أدار مكانًا لذلك.

وعلى شاكلة عدد من القوانين الأخرى التي صدرت في الآونة الأخيرة، يعاقب القانون كل من ارتكب جريمة بـ”غرض الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، أو الإضرار بالأمن القومي للبلاد أو بمركزها الاقتصادي”، أو “عرقلة ممارسة السلطات العامة لأعمالها، أو تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو اللوائح، أو الإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي” بالسجن المؤبد أو المشدد، دون أن يحدد تعريفًا واضحًا لما يعنيه بالأمن القومي أو الوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي.

وفي حين اعتبر تقرير المنظمات الحقوقية أن أغلب مواد القانون “جزائية” تعاقب على جرائم بدلًا من تناول المعضلات الإجرائية كمشكلات الاختصاص القضائي والولاية الجغرافية، وهي معضلات فرضت نفسها “نتيجة انتشار الإنترنت باعتبارها وسيط الاتصال الجديد والرئيسي، ومصدر المعلومات الأكبر، وميدان التنظيم والتجمع الأهم، خصوصا في البلاد التي تفتقر إلى حريات التعبير والتنظيم والتجمع السلمي”، أكد المهندس ياسر القاضي، وزير الاتصالات، أن القانون يقوم على حماية حقوق وواجبات مقدم الخدمة والمستخدمين، ومنع الاستخدامات غير المسئولة لتكنولوجيا المعلومات للحفاظ على الحريات وضبط آثار تطورها على الحياة اليومية، مع منع التجاوزات التي من شأنها المساس بحقوق الأفراد أو المؤسسات والخصوصية، وتغليظ العقوبات الخاصة بالجرائم الإلكترونية وتعزيز التعاون الدولي في هذا المجال من خلال تبادل المعلومات لمنع ارتكاب الجرائم الإلكترونية، والمساعدة على التحقيق فيها وتتبع مرتكبيها.

في حين يعقب محمد الطاهر على مشروع القانون قائلًا إنه يتسق مع السياق العام، حيث تحاول الدولة السيطرة على كل المنافذ المفتوحة من مجتمع مدني وإعلام.

وهو يرى أن الدولة تحاول إحكام سيطرتها على الفضاء الوحيد الذي ما زال مفتوحًا أمام المواطنين وهو فضاء اﻹنترنت، “على سبيل المثال، كثير ممن خرجوا من السجن خرجوا بسبب ضغوط تسببت فيها شبكات التواصل الاجتماعي”، يقول الطاهر، مضيفًا: “لو أغلق هذه المجال فلن يتبقى أي شيء”.

لكنه يستدرك معتبرًا أن محاولة السيطرة هذه محاولة مستحيلة، يقول: “حتى إذا تمكنوا من إغلاق كل المواقع اﻹلكترونية، فلن يعني هذا سوى إنشاء مواقع أخرى بديلة، لكن هذه المرة سترتفع المعرفة التقنية للمستخدمين بدافع الحاجة للهروب من قبضة السلطة، وهو ما سيجعل محاولات السيطرة هذه أكثر استحالة”.

اعلان