Define your generation here. Generation What
“كلب بلدي”: دخول مفاجئ وخروج مفاجئ برضه
 
 

يُقاطع فيلم “كلب بلدي” شلال إعلانات الأفلام الأمريكية المُنتظرة، والتي تُعرض قبل الفيلم، بمشهد استباقي (avant titre) مُفاجئ للغاية، مفاجئ في محتواه وطريقة تصويره والفكرة التي يختتم بها منحناه الدرامي الأنيق مُتقن التنفيذ، مشهد صادم بموقف قوي جدًا من المجتمع الذي تدور فيه أحداثه ومقدساته وتابوهاته والمعايير الأخلاقية التي تحكم موازين القوة والصواب والخطأ فيه. يقتحم المشهد الموقف، ويضع صُنّاع “كلب بلدي” أنفسهم في بؤرة واضحة جدًا تقول بقوة: هذا الفيلم لديه ما يقوله وربما لن يُعجبك كثيراً ما يقوله، ولكن قد يُضحكك كثيراً ما يقوله. تجسيد سينمائي للـMeme “دخول مفاجئ” الذي كان فاكهة كوميديا الإنترنت في عام ٢٠١٤، الإنترنت، الأرض الطيبة الشريرة التي أنبتت أصواتًا وأفكارًا ومواهب شقلبت – ولا تزال تُشقلب – كيان هذا البلد حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

عندما صنع الثلاثي (شيكو، أحمد فهمي، وهشام ماجد) آخر عمل سينمائي يجمعهم كثلاثي “الحرب العالمية الثالثة”، الذي كتب قصته الثلاثي، وكتب السيناريو والحوار له مصطفى صقر ومحمد عز، لاحظ الجميع كيف أن مساحة كبيرة من طزاجة هذا الفيلم وطرافة ما به من كوميديا مدينة للإنترنت ونوعية ما ينتجه مستخدمي السوشيال ميديا في مصر من هزار. هناك مقاطع ڤيديو أُعيد إنتاجها تقريبًا دون تغيير استثمارًا في لغة كوميدية جديدة وسينما مختلفة. إلا أن “كلب بلدي” – الذي اشترك في تأليفه الممثل أحمد فهمي مع الكاتب شريف نجيب – يبدو منتميًا لجيل الإنترنت بشكل مختلف. فلو كنت مشاهدًا من الجيل الذي صدمه فيلم “إسماعيلية رايح جاي”، وأصابك مصطلح “السينما الشبابية” بالكوابيس، فهذا الفيلم غالبًا سيقضي على ما تبقى لديك من أمل في غدٍ يشبه الأمس. لكن لا تحزن أخي المشاهد المحافظ، فمن رحمة الله بالعباد أن الفنان أحمد حلمي لا يزال يصنع سينما نظيفة خالية من القُبل والأفكار يشاهدها الطفل في الثامنة والكهل في الستين ويشعر الاثنان أن كل شئ على ما يُرام.

فيلم “كلب بلدي”، مثل الإنترنت وشبابه، غاضب وناقم وقليل الأدب وذكي ودمه خفيف. في الوقت الذي تُنْفَق فيه الملايين على أفلام تدور أحداثها بين شقق فخمة ومنتجعات وفنادق وشباب يفرح القلب يعاني من مشاكل العالم الأول، اختار شريف نجيب وأحمد فهمي ألا يكون بطلهما شابًا ناجحًا، ربما لأن هذا نموذج غير واقعي في مصر الآن، ولا شابًا فاشلًا، ربما لأن هذا نموذج واقعي زيادة عن اللازم، ولا شابًا أصلاً، ربما لأن مفهوم الإنسانية نفسه يبدو في حاجة لإعادة تعريف. بطل “كلب بلدي” هو نصف شاب ونصف كلب، يعيش بين البشر بحواس الكلاب، وتضعه الظروف في حدوتة قد يستطيع فيها بـ”كلبنته” إنقاذ ما تبقى للمصريين من كرامة يظنون أنها تفرقهم عن الكلاب.

من كلب بلدي

من كلب بلدي

الكلب حيوان مرتبط في الوعي الإنساني الجمعي بالوفاء والذكاء والإخلاص للبشر، أما في الوعي الجمعي المصري فهو مزيج مرتبك من تلك الصفات، مع فوبيا مرضية من الاحتقار الشعبي والتقزز الديني. لأسباب ربما لها علاقة بمرض السعار، ارتفاع درجة الحرارة وانتشار الأمراض، ربما يكون الكلب هو الحيوان الذي يُذكّر المصريين أنه مهما كانت ظروف حياتك سيئة فعلى الأقل أنت لست كلبًا. إلا أن شخصية “روكي” (أحمد فهمي) في الفيلم – الذي ربَّته كلبة وفية بعد أن ألقت به أمه في الشارع – تحمل طيبة قلب وجدعنة وحبًا للآخرين يصعب تفريقهم عن الكثير من البشر الذين يعيشون في مصر في ظروف مشابهة كثيرًا لظروف معيشة الكلاب. هذا التشبيه في حد ذاته يبدو قاسيًا وغير مريح للمشاهد المصري، إلا أن خفة ظل الفيلم وذكاءه في استكشاف مفارقة وجود هذا الـ (كَلبني آدم) بين البشر سهلّا مرور هذه الفكرة بما تحمله من قسوة إلى عقول المشاهدين. الفيلم أيضًا اختار مشاهديه بوضوح، وبدا من البداية منحازًا لفئة من المشاهدين لديهم نفس الجرأة، ويشتركون مع الفيلم وصنّاعه في غضب ونقمة على قيم كاذبة تحكم هذا المجتمع الذي أصبح فعلًا من الصعب التفريق فيه بين الظروف التي يعيش فيها الكلب والإنسان.

لمشهد تلو الآخر يكيل الفيلم الصفعات واللكمات لتابوهات هذا المجتمع المهترئة واحدًا تلو الآخر، دون أن يكون هذا هو موضوع الأحداث على الإطلاق، بادئاً – ويا للغرابة! – من قمة الهرم، ومنتهيًا بقاعدته. ربما يكون المشهد قبل الأخير والذي ينجو فيه البطل من براثن موت محقق بحيلة غير متوقعة هو أغرب مشهد كوميدي رأيته في حياتي، وحقق حالة من السخرية المزدوجة من القدسية والقدسية المضادة على مستوى شديد البدائية والتجريد. بدا لي وكأن الفيلم وضع نفسه في سلسلة من الاختبارات: هل تمكنني السخرية من هذا؟ نعم/لا، وأن الإجابة دومًا كانت نعم. وكان الرابط بين هذه النعمات طوال الوقت موقف جدير بالاحترام من كل اللاءات التي تحكم عقل المبدع والمتلقي في بلد مثل مصر، خاصة هذه الأيام.

دارت بيني وبين شريف نجيب من فترة محادثة مقتضبة على الإنترنت حول الكوميديا واللياقة السياسية (political (correctness وإن كان يجب أن تكون هناك حدود للسخرية، ولماذا؟ إلخ. اختلفنا قليلًا واتفقنا قليلًا ولكنه في النهاية قال لي: أنا باكتب فيلم دلوقتي لما تشوفه هاتيجي تحدف بيتي بالطوب! و”كلب بلدي” بلا شك تعمّد اقتحام المناطق الملتهبة بين الكوميديا واللياقة السياسية بمشاهد تستقي الضحك من أشخاص قِصار القامة، مفرطي البدانة أو فقراء أو من أعراق مختلفة. إلا أن تناول الفيلم لهذه اللحظات – رغم أنها لم تكن في رأيي أكثر لحظات الفيلم إضحاكًا – بدا مدركًا لهذه الإشكالية وراغبًا في استكشافها والخروج منها بشيء غير متوقع، وغير منصاع للرغبة البدائية لدى المشاهد في الضحك على معاناة الآخرين أو النكأ الوحشي لجراح من هم أقل حظًا من الأغلبية المستريحة وكفى. تعمّد السيناريو قلب الموقف ووضع هؤلاء الضحايا في مواقف بطولية مفاجئة وغير متوقعة. وعند مقارنة هذه الاختيارات بالطريقة التي استثمرت فيها الأفلام الكوميدية في كوميديا العاهات تاريخيًا، أرى أن اختيار شريف نجيب وصنّاع الفيلم لهذا التواجد بدا متشابكًا مع مناقشة تستحق الاهتمام، ومجددًا امتداد لاهتمامات وطموحات جديدة لدى هذا الجيل تنعكس في عمل فني اضطر نفسَه للتشابك بجرأة مع أكثر من مشكلة رغم أنه كان من الممكن ألا يضطر على الإطلاق.

تجاريًا، يعرف أي منخرط في سوق السينما أن وصول فيلم للنور هو نهاية رحلة طويلة من التفاهمات والمفاوضات والمناورات بين المؤلف، المخرج، المنتج والنجوم. هناك أكثر من طرف يساهمون في أن تنال فكرة على ورق فرصة العرض على شاشة سينما في قمة موسم المنافسة السينمائية، ولدى كل طرف من هؤلاء تصور عما يُعجب الجمهور، ويناسب الظروف، ويمكن تنفيذه، ويحقق الطموح الشخصي لكل طرف. العمل الفني في النهاية يخرج كخليط من هذه التصورات ويتأرجح عرضه طوال دقائق بين أذواق الأربعة السابق ذكرهم التي إن تشابهت منحت الفيلم أرجحة ناعمة مريحة للمشاهد، وإن تباينت بدا الفيلم كمجموعة أفلام محشورة في بنطلون فيلم واحد يريد كل منها الانطلاق في اتجاه غير الآخر. الحقيقة أن فيلم “كلب بلدي” نجح في الاستحواذ على انتباه المشاهدين وانتزاع ضحكاتهم المجلجلة معظم الوقت، وهو هدف صعب التحقيق بلا شك، إلا أنه في رأيي ضيَّع على نفسه فرصة امتلاك هوية سينمائية مميزة كانت قد تمنحه مكانة فنية وعمرًا أطول أعتقد أنه كان يستحقه، وهذا بسبب إخفاقات تقنية بحتة على مستوى الكتابة والإخراج.

عرّف السيناريو نفسه من خلال مشهد البداية الأسطوري، بطريقة كلاسيكية أنيقة كسيناريو خطي قائم على حبكة محددة. كل لقطة وكل جملة حوار يُفترض أن يقرّبانا خطوة من لحظة الحل، على الأقل هكذا كان بناء المشهد الأول والذي تمنيت أن يستمر الفيلم بنفس مستواه. بدأ الفيلم بموقف مُركّب، وخلق حالة من التوتر والصراع بين البطل وشخصية أُخرى، وقدّم شخصية ثالثة مهمة للغاية وذات ملامح محددة طوّرت معرفتنا بالبطل ومنحته فرصة لسرد من هو وماذا حدث في حياته قبل بداية الفيلم، ثم انتهى المشهد بتحوّل مفاجئ يُلخّص علاقة البطل بالعالم الخارجي ويمهّد للطريقة التي يُتوقع للحياة أن تتعامل بها معه من خلال الفيلم. إلا أن الفيلم بعد دقائق قليلة بدأ ينشطر ويتشظى وينقسم ميتوزيًا لفقرات مشتتة أو إسكتشات صغيرة يمكن بسهولة فصلها عن بعضها البعض أو التلاعب بترتيبها دون أن يؤثر هذا على مسار الأحداث أو تطور الحبكة على الإطلاق. هناك خط بالكامل يقع فيه البطل في غرام طبيبة بيطرية ظهرت في الأحداث بشكل مفاجئ وتطورت علاقتها به أيضًا بشكل مفاجئ، دون أن يكون وجود هذا الخط مبررًا لشيء أفضل من فاصل من المفارقات الكوميدية الطبقية المستهلكة عندما يدخل الـ” كلبني آدم” وأسرته العرَّة إلى النادي الاجتماعي الراقي لمقابلة الفتاة.

من كلب بلدي

القصة الرئيسية يُحرّكها شرير كوميدي تقليدي غريب الأطوار أدى دوره أكرم حسني بشكل جيد، إلا أن القصة نفسها كانت مُبسّطة وطفولية أكثر مما يجب وأضاعت فرصة استكشاف شخصية الشرير الغرائبية ودوافعها أو انفعالاتها المتنوعة، بسبب تكرارية المشاهد وفقدانها لأي خط درامي أو تطور تقني تدريجي للخطة الشريرة. كذلك العلاقة بين الشرير والبطل وضرورة المواجهة المباشرة بينهما جاءت بشكل مفاجئ، وكأنه هكذا لابد أن تنتهي الأفلام وخلاص. الفيلم ساخر بالطبع ولا يأخذ هذه القصة على محمل الجد، ويسخر من طريقة تطور الأحداث والمبررات الدرامية السينمائية نفسها، مثلما يُعلّق مساعد البطل العجوز بشكل مشابه لتعليق محمد شاهين في “لا تراجع ولا استسلام” عندما كان يفضح بشكل متكرر للُمشاهد سذاجة العقدة الدرامية في تفاصيل الخطة. إلا أن هذه اللعبة لم تعد مسلية لي على المستوى الشخصي، خاصة بعد أن وعدني الفيلم بمستوى من الطزاجة والغرابة فتح شهيتي لكتابة أكثر تعقيدًا.

على مستوى الإخراج، كنت أتصور أن تصوير الأفلام لا يمكن أن يكون أسوأ من الشكل الذي خرج به “كلب بلدي” حتى رأيت “حملة فريزر”. لم تضف اختيارات المخرج معتز التوني الإخراجية للنص أي شئ على المستوى الجمالي، بل حتى فشلت أحيانًا في توضيح ماذا يحدث بالضبط. هناك بعض المشاهد التي تطلبت بعض الوقت والتفكير لإدراك ما إذا كانت داخلية أم خارجية، والبعض الآخر بدت إضاءته نهارية أحيانًا وليلية أحيانًا أخرى، رغم ذلك خرجت مشاهد الخدع والمؤثرات بشكل أقل كارثية بكثير مما كنت أتوقع، بينما كان الديكور شديد الفقر والكسل ولم يسمح لنفسه بالهزار على نفس مستوى هزار النص.

أحمد فهمي في كلب بلدي

كان أحمد فهمي، في أول بطولة مطلقة له دون زملاء المشوار، قادرًا على تحمّل مسئولية الفيلم، ولو أنه يبدو محصورًا في نفس المنطقة التي أتت منها شخصية عصفور في “الرجل العنّاب” والتي لاقت نجاحًا كبيرًا. إمكانيات فهمي الجسمانية، والتي تمكنه من تنفيذ بعض مشاهد الأكشن البسيطة، تساعده على ملئ الكثير من دقائق الفيلم بالتنطيط، إلا أن حضوره وقدرته على اقتحام المشهد لا يزالان معتمدين بشكل كبير على الإفيهات اللفظية التي يشترك في كتابتها. على مستوى الأداء يبدو زميله شيكو أكثر تحررًا وجرأة أمام الكاميرا وأكثر استعدادًا لدفع الشخصية التي يؤديها لمناطق غير آمنة وغريبة. إجمالًا، أعتقد أن اختيار فهمي الأول للبطولة المطلقة يبدو مبشرًا وجريئًا، وغالبًا ستكون أفلامه القادمة أكثر لفتًا للانتباه من أفلام المنافسين القدامى والمعاصرين. هو بكل تأكيد من جيل مختلف.

الحالة العامة التي وصلتني من هذا الفيلم هي أنه فيلم يختبئ بداخل فيلم. فعلى السطح هو عمل يبدو ظاهريًا معتادًا ويتحدث اللغة الكوميدية المتوقعة من أفلام ترفيه العيد، حيث هيستيريا الصراخ والألوان واللا واقع والإفيه كل ٣٠ ثانية، إلا أنه بين الحين والآخر تنكشف من بين ثناياه فكرة غريبة أو لحظة إبداع فني حقيقي تقول بوضوح إن صناع هذا الفيلم ربما لا يأبهون لهذا النجاح التجاري المنشود بقدر إخلاصهم للحظة فنية جديدة، وربما لو كانت لديهم الفرصة أو الرفاهية لصنعوا فيلمًا لا يقول إلا ما يريدونه هم، ولا يستجيب إلا لخيالاتهم وهواجسهم. لكن ربما لو فعلوا هذا فلن ينتجه أحد، أو لن يُشاهده أحد، ربما إذن لا يجب أن ينتجه أحد؟

أتمنى أن يمارس صنّاع “كلب بلدي” في المستقبل نفس مستوى التمرّد الذي مارسوه على توقعات الجمهور في نكاتهم ومواقفهم السياسية والاجتماعية، وأن يمدوا الخط على استقامته ويتمرّدوا أيضًا على النموذج الإنتاجي نفسه أو الـ business model، فلا يضطروا في المستقبل لإرضاء توقعات ترفيهية مبتذلة أو إنتاجية رخيصة وأرقام إيرادات خيالية على حساب ما يريدون أن يقولوه حقًا، حتى لو كان ما يقولونه هذا هو في النهاية مجموعة من الهموم الشخصية والتساؤلات الوجودية العدمية التي من حق الفنان والجمهور أن تدور بينهما مناقشة حولها. التكنولوچيا ووسائل الإنتاج أصبحت اليوم أكثر مرونة بكثير عمّا سبق، والإنترنت خلق عادات مشاهدة وتوقعات شديدة الحداثة وسريعة التطور. لن يكون التجريب جديدًا على كاتب مثل شريف نجيب ولا ممثل مثل أحمد فهمي، الذي كان أول عمل يقدمه للجمهور مصورًا بكاميرا ڤيديو رخيصة في شقة، حيث يتظاهر مجموعة من الشباب المضحكين بأنهم “رجال لا تعرف المستحيل”.

اعلان