Define your generation here. Generation What
سبع ملاحظات عن “تيتانيك.. النسخة العربية”
مواليد التسعينيات قادمون
 
 
 

الأفكار خطيرة للغاية.. لأنها معدية.

في فيلم مارتن سكورسيزي “الراحل” –إنتاج 2006- يقول “جاك نيكلسون” الذي يقوم بدور رجل العصابات “فرانك كوستيلو”: “لا أريد أن أكون منتَجًا من البيئة التي أعيش فيها. أريد أن تكون بيئتي منتَجًا مني”.

الأخطر أن يجري تناول منتجات فكرية مثل الفيلم القصير “تيتانيك النسخة العربية” لشادي سرور وبشرى، من وجهة نظر تحصر النقاش (العراك) في مدى سماجة أداء الممثلين أو قدرتهم على انتزاع الضحك من المشاهدين. صحيح أن الفيلم لم يضحكني بالمرة، لكنه في النهاية منتج فكري أيها السادة، أي أن هناك بشرًا فكروا وأنتجوا شيئًا، أيا كانت ماهيته، وشوهد لما يقرب من مليوني مرة خلال يومين. هل تدركون خطورة ما نتحدث عنه؟ هناك أفلام عظيمة لم تحظ بواحد على عشرين من هذا العدد من المشاهدات، وهناك أفلام عظيمة لم تخرج للنور أصلًا، (رحم الله شادي عبد السلام).

هذا المقال ليس مراجعة للفيلم القصير، ولا يحمل أي أراء تخص سيناريو الفيلم ولا أداء الشخصيات ولا يهتم بالملابس والديكور والإضاءة والمؤثرات والإخراج، وإنما بمجموعة أفكار وجدت طريقها للفيلم (الذي كتبه شادي سرور أيضًا) وتُطرح وسط إطاره الكوميدي (المفترض)، لكنها كاشفة جدًا، لأنها تعبر عن جيل شادي (مواليد التسعينيات، ويطلق عليهم في أمريكا “الجيل زي Gen Z“، ويشكلون 25% من السكان هناك، وتُدرس خصائص هذا الجيل ومحركاته وتطلعاته وتفضيلاته الاستهلاكية والسياسية كشريحة بشرية مهمة، فيما يتجاوز كون أفراده مضحكين أو سمجين أو ما شابه ذلك مما يُختزل فيه النقاش هنا)، وتعبر عن أفكار التصقت بوعيه بشكل واع أو غير واع، أو أفكار يريد هو عمدًا التعبير عنها ونقلها للبيئة التي يعيش فيها، هذا الجيل الذي يضم أيضًا الخليل كوميدي وآية مصطفى ويوسف حسين (جوتيوب) ومئات غيرهم ممن قدموا مئات الساعات من المحتوى، الذي شوهد مئات الملايين من المرات، ويحتاج دراسة حقيقية متعمقة، لنفهم طبيعة هذا الجيل.

يصنع بيئته، أم أن بيئته تصنعه؟

توميتو.. توماتو، فكما غنت إيلا فيتزجيرالد مع لويس أرمسترونج في عصر الجاز الذهبي، مهما اختلفت طريقة النطق، نعرف في النهاية أننا نشير للشيء نفسه (الطماطم). أعتقد أن الفكرة واضحة الآن.

أختار لحضراتكم سبع شذرات فكرية من الفيلم وجدتها مكوَّدة داخل العمل، وأحاول معكم فك شفراتها:

1) الوجهة دبي

في نسخة “جيمس كاميرون” من “تيتانيك” عام 1997 (نعم، منذ 19 سنة.. تخيلوا؟) تكون وجهة السفينة نيويورك، المدينة الكوزموبوليتانية، التفاحة الكبيرة، مدخل أرض الفرص، والواعدة ببداية جديدة. المسافر على متن “تيتانيك” مجهز روحيًا ونفسيًا للبحث عن فرصة، أما في نسخة شادي سرور، فقد تغيرت وجهة السفينة إلى دبي. الخليج ليس أرضًا للفرص، بل لـ”عقود عمل” مربحة ومريحة، مع وعود يومية باللحم والكبسة. تشكّل وجهة السفينة مؤشرًا مهمًا لتطلعات هذا الجيل، الذي يريد أصلًا القفز من السفينة الغارقة، لسفينة أخرى تطفو به إلى أرض يستطيع فيها الحصول على آيفون 7 بسهولة وبأقل مجهود ممكن. هذا غير ممكن في نيويورك 2016، لأن عليك هناك أن تشقى لتعيش وتحقق حلمًا (إذا كان لديك واحد غير الآيفون).

2) الثري عربي

الثري الذي يريد الزواج من الفتاة البرجوازية الفاتنة “روز” ليس الأرستقراطي الأوروبي صاحب المصانع، وإنما هو أيضا شخص قادم من الخليج بـ”فلوس زي الرز”، ليقع في غرام الفتاة الشعبية المصرية بشرى وليصطحبها مع والدتها، المعلمة فاطمة كشري، إلى بلاده. هذه علاقة مثيرة للتساؤل بشدة، ماذا يريد الخليجي من فتاة لا تملك أي نوع من المميزات مثل “روز” شادي سرور، أو ليست بجمال أو لباقة كيت وينسلت على الأقل؟ هذه علاقة فيها إسقاط مباشر على علاقة الخليج الحالية بمصر بعد 30/6. أي تنازلات تقدمها بشري/مصر للرجل الخليجي؟ هل نتصور مدى خطورة الرمزية التي يستخدمها جيل شادي سرور في التعبير عن رؤيته لبلاده؟

3) مافيش قلع

عندما حان وقت المحاكاة الساخرة لمشهد جاك الشهير وهو يرسم روز عارية، نجد بشرى تختطف الأوراق والأقلام من شادي الذي يتموضع أمامها نصف عار لترسمه هي، ثم نجدها تنظر للكاميرا في ثقة قائلة: “قال أقلع هدومي قال!؟” يرفض شادي سرور، كاتب السيناريو، أن تتعرى الفتاة في نسخته من تيتانيك. تجد التقاليد المحافظة للطبقة المتوسطة المحافظة التي ينتمي إليها طريقها إلى مجموعة القيم التي يعبر عنها عبر قراره بخصوص هذا المشهد، لا مشكلة في ظهوره هو بصحبة مشروبات مسكرة أو تدخينه الحشيش، أو في قيامه بدور الفتي الفهلوي الذي يوقع الفتاة في حباله ليستطيع سرقتها في النهاية، بل إنه يبدو هكذا مثيرًا للإعجاب في المنظومة القيمية التي يعبر عنها. أما أن تتعرى الفتاة فهذا عار أخلاقي لا يمكن احتماله. الرجل يفعل ما يحلو له، لكن الفتاة فلا تفعل إلا ما يحلو للرجل.

4) بُمبة الانفجار

في نسخة جيميس كاميرون، يُحتفى بتيتانيك كأكبر سفينة على وجه الأرض، كمعجزة هندسية وصناعية تعبر عن عظمة ما وصل له إنسان ما قبل الحرب العالمية الأولى. وبالتالي ترمز تيتانيك في الأساس للإنجاز البشري الذي يبحث دومًا عن “تحد ما” أو “صراع ما”، ليستطيع التحرك قدمًا تجاه إنجاز المزيد، وإلا سيظل ساكنًا. عند اصطدامها بقمة جبل جليدي قاس، تتحطم تيتانيك على صخرة الطبيعة، لكن هذه ليست نهاية القصة. يتعلم صناع السفن من التجربة أن يبنوا سفنًا أكبر من تيتانيك خمس مرات وأكثر أمانًا منها. في نسخة شادي تتحطم السفينة نتيجة حادث عشوائي تمامًا، فبعد التهامها عشاء دسمًا، تدخل فاطمة كشري الحمام، يحدث تفاعل متسلسل نتيجة تداخل مواسير الصرف الصحي مع مواسير الغاز، مع حدوث تسريب للغاز التقط شعلة سيجارة شخص مهمل وقف يدخن في منطقة غير مسموح بالتدخين فيها، فيقع انفجار يشطر السفينة لنصفين. مرة أخرى يبدو أن السفينة تعبر تمامًا عن مصر، وعن الأحداث العشوائية السوريالية التي تقع فيها طوال الوقت، وتستغرقنا طوال حياتنا. غير مسموح لنا بالتطلع للمشاركة في مصير سفينة حقيقية، غير مسموح لنا بالتطلع لبناء سفينة يمكن توقع مسارها، وبالمشاركة سويًا في وضعها على المسار.

5) قبل الغرق

لا أستطيع نسيان لحظات ما قبل الغرق في تيتانيك الأصلية؛ الفرقة الموسيقية التي ظلت تعزف الموسيقى حتى النهاية، والرجال الأرستقراطيين الذين أصروا على قضاء لحظاتهم الأخيرة بكامل أناقتهم، شربوا السكوتش ووقفوا برؤوس مرفوعة. بعد أن عرفوا ألا مجال للنجاة قالوا: “إذا كنا سنذهب للأسفل، فلنذهب هناك كرجال محترمين Gentlemen”. في نسخة شادي، ينظر “مراد مكرم” – ضيف شرف الفيلم وصاحب برنامج مراجعات المطاعم الشهير “الأكيل”- إلى ساعته، يجد أن أمامه أربع دقائق قبل غرق السفينة، فيجلس بكامل هندامه إلى المائدة العامرة ويبدأ في التهام الطعام. حتى وسط الكوميديا، وحتى وسط المعالجة الساخرة لتياتنيك الأصلية، كان يمكن إعطاء الموت احترامًا أكبر، لكن الرغبة في الاحتفاء بالحياة كانت أكبر لدى شادي، ربما لأنه لا يزال في ريعان شبابه، وفكرة إدراج مشاهد بها درجة من الحزن والتهدج قد تبدو غير مناسبة في مشروعه، أو ربما لأن جيل “شادي” يحيا منذ اللحظة الأولى وسط كوارث ومشاهد يومية للموت، ولديه مقاومة لمزيد من الدراما الكارثية (ولد شادي في نقطة على الخط الزمني الواصل بين لحظة غرقت فيها العبارة المصرية سالم إكسبريس وراح ضحيتها 476 شخصًا، وأخرى غرقت فيها عبارة السلام 98 التي راح ضحيتها 1033 شخص).

6) تشريح المجتمع

في الفيلم الأصلي يبدو هناك تمثيل لجميع شرائح المجتمع الأوروبي داخل السفينة بدرجاتها المختلفة (الدرجة الأولى، الثانية.. إلخ)؛ الطبقة الأرستقراطية، والبرجوازية، والطبقة المتوسطة بشرائحها، والطبقة الدنيا، رجال أعمال وفنيين وعسكريين وعمال، لصوص وحالمين، فنانين وحمَّالين. لكن يبدو أن المجتمع الذي يقدمه شادي وحيد النكهة تقريبًا، نكهة شعبوية تمثل المصريين القادمين على تكاتك، الراقصين على أنغام المهرجانات، الذين يقتسمون الحشيش ويغضون النظر عن أي مخالفات طالما قدمت “اللي فيه النصيب”، مصلحجية، يحاول كل منهم أن يبيع شيئًا، حتى لو كان وهمًا، يبيع لايف جاكت، أو عوامة –تعمل مكان اللايف جاكت- يبيع زوجته أو ابنته، يتحدثون بلكنات مضحكة، ويطلقون ضحكات عالية مصطنعة. في حقيقة الأمر يبدو مجتمعًا كابوسيًا مخيفًا، ويبدو أن شادي قد قرر اصطحابه على السفينة ليتخلص من أفراده غرقًا، في أمنية تنتمي لأسوأ أنواع الأبوكاليبس على الإطلاق. أرى أن الفيلم، ورغم محاولاته الكوميدية، إلا أنه يعبر عن شعور عميق بالرفض للمجتمع كما يراه شادي، ومحاولة الهجرة السريعة والمتسرعة لأي مجتمع آخر، آخر وكفى.

7) المهنة صعلوك

وضع “جيمس كاميرون” جزءًا من نفسه في بطل فيلمه جاك، وهو فنان في الأصل، يرسم إسكتشات غاية في الروعة، وربما كان ينتظره مستقبل فني رائع في أمريكا، إذا كان قد قُدِّر له وأكمل رحلته سالمًا. كذلك يحمل جاك، بطل شادي سرور، جزءًا من صانعه. هو شاب قادم من لا مكان بلا أي إمكانيات وتضعه الصدفة فقط في بؤرة الأحداث، محاولًا استخدام خفة ظله في الحصول على أعلى قدر من المكاسب. أي مستقبل كان لينتظر جاك المصري إذا كان نجح في الوصول إلى دبي؟ صفر.. زيرو. كان سيشتري الآيفون 7، ويظل يشتري النسخة الجديدة من الآيفون كل عام. لا أقصد أن أكون قاسيًا على شادي سرور، ففي النهاية توميتو هي توماتو. شادي صنيعة بيئته، وهو يصنع شيئًا في المقابل لنفس البيئة. الموضوع متوقف على مدى إدراكه وجيله لموقفهم الصعب في هذه الحقبة الصعبة من تاريخ مصر، مع كل كوارث التعليم والثقافة والوعي، التي لا تقدم لهم أي مساعدة، وعلى مساءلة أنفسهم الأسئلة الخمسة الشهيرة: من نحن؟ ماذا نريد؟ كيف سنحقق ما نريده؟ متى؟ وأين؟

* * *

من المفارقات أن يشترك ليوناردو دي كابريو في بطولة فيلمي “تيتانيك” لكاميرون و”الراحل” لسكورسيزي. في نهاية فيلم “الراحل”، يقرر “بيلي” – دي كابريو- الذي تربى طوال حياته وسط مجتمع العصابات، أن يصبح شرطيًا، وأن يكرس حياته للإيقاع بملك المخدرات والجريمة “كوستيلو”، وهو ما يحدث بالفعل. صحيح أن بيلي فقد حياته في سبيل هذا، لكنه أوقع بكوستيلو كذلك. لقد وضع هدفًا لحياته ببساطة. رفض أن يكون صنيعة آخرين، وضحى من أجل تحقيق هذا الهدف، الذي يمثل قيمة ما من وجهة نظره.

ما هي القيم التي يعبر عنها شادي سرور والآخرين من المؤثرين من جيله، من منتجي الأفكار والمحتوى؟ هل يودون أن يصبحوا جزءًا من ماكينة صناعة جيل تائه بلا بوصلة، أم أن يتوقفوا للحظة ليدركوا خطورة كونهم “مؤثرين” وأن أفكارهم قد تصنع فارقًا حقيقيًا، وقد تكون جزءًا من الحل لأزمة الوعي والهوية التي يشهدها جيلهم وأجيال أخرى سابقة وتالية.

هل يكتفون بكونهم ناتج مجتمعهم، أم سينتفضون لينتجوا مجتمعًا؟

توميتو.. توماتو.

اعلان