Define your generation here. Generation What
“زيت زيتون”: مطبخ لاجئات سوريات يعتمد شعار الجودة لا التعاطف
 
 
صورة: Basma Fathy
 

لم يتوقف رنين الهاتف طوال شهر رمضان في “زيت زيتون”، المطبخ السوري بالقاهرة الذي تعمل به سبع لاجئات سوريات. تقول لينا كساح، المشرفة على المطبخ، إن العمل كان كثيرًا بدرجة لا تصدق خلال رمضان، خاصة أن ذلك كان الشهر الأول للمشروع. لكن رغم الضغط تبدو كساح سعيدة: “الحمد لله المطبخ ينمو وينمو بشكل جيد”، وتضيف أن أصعب ما في الأمر كان توصيل الطلبات إلى الأماكن البعيدة.

يمثل المطبخ مشروعا عزيزا على مؤسسته تمارا الرفاعي التي تركت دمشق، حيث نشأت، بعد التخرج من المدرسة الثانوية. الأصناف التي يجري تحضيرها في المطبخ هي تنويعات على وصفات أسرتها. تعلمت رفاعي الطهي عن جدتيها، إحداهما في دمشق والأخرى في حلب.

Sheesh Barak from The Syrian Kitchen The Syrian Kitchen

الرفاعي، التي تخصصت في الاتصال والحماية على مدار 15 عاما عملت خلالها مع منظمات إنسانية وحقوقية دولية، توصلت إلى فكرة “زيت زيتون” بعد لقائها مع نساء في مركز للاجئين في منطقة العبور. توجهت رفاعي إلى حي شرق القاهرة لعلمها أنه ثاني أكبر تجمع للاجئين السوريين في العاصمة، ولشعورها أن هذا المركز يلقى اهتماما أقل من نظيره في مدينة 6 أكتوبر، حيث يعيش أغلب السوريين، فبالإضافة إلى مكاتب عدد من منظمات اللاجئين في مدينة 6 أكتوبر، مثل المفوضية الدولية لشئون اللاجئين، هناك أيضا مراكز مجتمعية تقدم دروس محو الأمية والتأهيل المهني للاجئين.

بدأت رفاعي الحديث مع النساء في المراكز المجتمعية بشأن أحوالهن وعدد أطفالهن وتاريخ حضورهن إلى المركز. في الأغلب كانت قصصهن متشابهة، فقد أجبرن على الرحيل ويعشن الآن في مجتمع جديد، حيث المستقبل في حكم الغيب ووضعهن كلاجئات غير مؤكد، حتى من حصلت منهن على بطاقة المفوضية للجوء. المفوضية الدولية لشئون اللاجئين تمنح اللجوء للكثير من السوريين في مصر، لكن ذلك وحده لا يضمن تصريح الإقامة والحق القانوني في العمل في البلاد.

سألت رفاعي النساء في المركز ما إذا كانت أي منهن تعرف الطهي، وهو سؤال لم تتلقاه النساء بصدر رحب، تقول مازحة. “لا تسأل امرأة سورية أبدا ما إذا كانت تعرف الطهي. هذا لا يعني أنهن جميعا يعرفن الطهي، رغم ذلك هذا سؤال لا يُسأل، لأنه أمر يفترض أنه محسوم”.

اقترحت عليهن مشروع خدمة تحضير الطعام، مطبخ يقمن فيه بطهي أنواع من الطعام بمعايير مهنية للتوصيل إلى المنازل. تقول رفاعي أن كل واحدة من النساء في مركز اللاجئين عبرت فورا عن حماسها للمشاركة.

مشروع وليس عمل خيري

عملت رفاعي مع كساح على اختيار النساء المنضمات إلى المطبخ. قامت كساح بالاختيار الأولي، حيث أنها تعرف أغلب النساء باعتبارهن زائرات منتظمات للمركز. كانت أولوية الاختيار لنساء يستمتعن بالطهي وحريصات على أن يتم تشغيلهن، كذلك للنساء اللاتي يعولن أسرهن دون دخل منتظم، والأمهات اللاتي ليس لهن مصدر آخر للدعم.

منذ البداية، كانت الرؤية وراء مشروع زيت زيتون أن يصبح مشروعا عمليا وليس عملا خيريا. بمعنى أن يصبح مشروعا يدر دخل للنساء اللاجئات، وفي نفس الوقت مشروع يعتمد في استدامته على جودة منتجاته وليس على التعاطف.

Kibbeh from The Syrian Kitchen

بدأت رفاعي مشروعها ببعض المساعدة من صديقة سورية تملك شركة علاقات عامة، صممت للمشروع شعار وصفحة على الفيسبوك، كما تم تجميع بعض الأموال الأولية للمنتجات ولشراء أدوات المطبخ من بين الأصدقاء، وتطوعت والدتها وأصدقاءها بالمساعدة في التدريب.

منذ بداية المشروع تقول رفاعي إن “زيت زيتون” تمكن بدرجة ما من تغطية تكاليفه. يعتمد المشروع في الأغلب على تبادل الأخبار من شخص إلى آخر ووجود قوي على وسائل التواصل الاجتماعي.

“لدي شبكة علاقات تثق في حكمي على الطعام. الأصدقاء يعلمون أنني أجيد انتقاء الطعام، لذلك فحين أوصي بمكان يكونون على ثقة أنني اختبرته وأعجبني. أعتقد أنه لا يجوز أبدا أن نقلل من تأثير التشبيك الاجتماعي في الترويج لمشروع ما”، تقول رفاعي.

ولأن هامش الربح قليل، فإنه يستخدم في الأغلب في تغطية أجور الطاهيات وشراء مكونات الطهي وتغطية بعض تكلفة التوصيل. حين ينجح المشروع في تحقيق ربح أكبر، تنوي رفاعي التوسع، مما سوف يمنح النساء العاملات في المطبخ بعضا من وقت الراحة الذي يحتجنه بشدة. تقول الرفاعي: “في أحيان كثيرة أشعر أن النساء يعملن معا مثلما يفعلن تحضيرا لتجمع كبير في العيد أو لحفل زواج”.

وتضيف: “عدد القصص التي تروى في المطبخ أثناء العمل لا يصدق. كل شخص في سوريا تأثر بالنزاع بطريقة ما. كل امرأة في ذلك المطبخ لديها مئات القصص لترويها عن نفسها وشريك حياتها وأطفالها، ومن بقوا في سوريا ومن نزح معها. هناك شعور بالاشتراك في المحنة في ذلك المطبخ، مما يجعل الأمر عاطفيا للغاية”.

لكن هذا الشعور الجماعي يجعل من الصعوبة الانتقال إلى أن يصبح مشروعا، كما تقول الرفاعي: “هناك دائما حاجة إلى العودة إلى النظام وأن نقول: دعونا نتوقف عن الحديث عن ذلك، ولنحاول أن ننتهي من 2 كيلو من الكبة المطلوبة مننا اليوم”.

تفسر رفاعي: “هناك مجتمع حقيقي من الأسر والأصدقاء وهناك أيضا المهنيين. أعتقد أن هذا هو لب المشروع، إنه مشروع لتوليد الدخل، لكن هناك أيضا المساحة التي تسمح بالدعم المتبادل والعمل كجماعة”.

اختيار أصناف الطعام

Maqlouba

وصفات الطعام المستخدمة تخص والدة رفاعي وصديقة والدتها اللتين تعملان في المطبخ وتشرفان على العمل وتتأكدان من صحة اتباع الوصفة.

“السبب الذي يدفعني إلى الإصرار على وصفات محددة، أنك إذا جمعت عددا من النساء السوريات معا سوف ترغب كل واحدة منهن في استخدام طريقتها في الطهي وسوف تصر كل واحدة منهن أن طريقتها هي الأفضل ولن تتزحزح واحدة منهن عن رأيها. هذه حقيقة وليست مبالغة”، تقول رفاعي.

في محاولة لاحتواء ذلك جاءت والدة رفاعي وصديقتها بقائمة من أصناف الطعام التي توافقا مع رفاعي أن تشملها القائمة، ثم أمضين بضعة أسابيع في موازنة هذه القائمة مع اقتراحات أخريات من المطبخ. لقد استدعى الأمر عدة محاولات إلى أن تم الاتفاق على قائمة الأصناف.

حتى هذه اللحظة تظل قائمة الطعام محدودة بعض الشيء، لكن رفاعي تقول إنها ترغب في إضافة أصناف جديدة في كل موسم بما في ذلك بعض الأصناف النباتية والمعجونات. “أردنا البدء بقائمة أساسية، ولكن ممثلة (للمطبخ السوري) بعدد محدود من الأصناف الغنية في طعمها”، توضح رفاعي.

تقول رفاعي إن أكثر الأصناف طلبا على القائمة هي الأطعمة سريعة التناول، مثل الفطائر والكبة المقلية. كذلك تشير إلى الأوزي، الذي هو لحم متبل، وفطائر الأرز باعتباره وصفة شديدة الخصوصية، حيث تصفها بأنها “طبق خاص لذيذ وشهي المنظر حتى أنه تصعب مقاومته”.

يقدم الطعام بشكل جيد، الأمر الذي تعتبره رفاعي أمرا هاما. وتقول إن بعض مما يجعل الطعام السوري طعاما خاصا هو شكله “الطعام السوري هو مطبخ متنوع، كثير الألوان، إنه مطبخ مبهج، إن نظرت إلى المائدة السورية سوف تجد ألوانا كثيرة وأطباقا كثيرة. السوريون من جيل جدتي كانوا شديدي الحرص على شكل الطعام. كان لابد أن يكون عليها شيء ما أحمر، وآخر أخضر وآخر أبيض”.

أفكار ونصائح لإعداد الطعام السوري

شاركت رفاعي بعض نصائحها في طهي الطعام السوري مع “مدى مصر”، إضافة إلى تصوراتها عما يميز المطبخ السوري:

* قد يكون أكثر ما يميز المطبخ الشامي هو التنوع الشديد في فواتح الشهية، مجموعة من الأطباق الصغيرة متعددة الألوان والمكونات التي يتشارك فيها المجتمعون، مثل التبولة والحمص والمتبل وبابا غنوج. كذلك هناك المكونات الطازجة مثل الزبادي والطحينة وزيت الزيتون ودبس الرمان، كلها أطباق أساسية بين هذا النوع من الطعام.

Tabbouleh from The Syrian Kitchen

* كذلك تتنوع الأطباق الرئيسية، وإن كان أكثرها شيوعا الأنواع المختلفة من الكبة، إما مقلية (مثل كرات اللحم) أو غير مطهية أو حتى مطهية في الزبادي (كبة لبنانية).

Kibbeh from The Syrian Kitchen

* استخدام الزبادي في العديد من الأصناف الشهية أمر آخر خاص بسوريا ولا نراه كثيرا في مصر. طهي الكبة على نار هادئة في الزبادي أو اللحم في الزبادي (الشكرية) أو حتى الكوسة المحشية في الزبادي (صنف يطلق عليه شيخ المحاشي) يميز المطبخ السوري/الشامي وفي بعض الأحيان يستدعي بعض التعديل ليناسب الذوق المصري.

* التوابل عنصر هام جدا في كل مطبخ سوري، مع التركيز على ألا يطغى مزاق أي منها على الآخر، وإنما الحصول على خليط متوازن من التوابل المطحونة حديثا التي يشتريها السوريون عادة من سوق التوابل، وليس في علب من السوبرماركت. الخلطة الأساسية تشمل الفلفل الأسود والفلفل الأبيض والكزبرة الجافة والقرنفل وجوزة الطيب وأحيانا القرفة.

* مهما قلت لن أستطيع أن أؤكد بما فيه الكفاية على أهمية دبس الرمان في أغلب الأصناف التي تحتوي على طماطم أو صلصلة أو معجون الطماطم.

* في كثير من الأحيان يتم إضافة التمر الهندي ليعطي مذاقا حامضا يعادله ملعقة من السكر بمذاق سكري، وهو أيضا أمر سوري للغاية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ترجمة: عايدة سيف الدولة

اعلان
 
 
بِشا ماجد