Define your generation here. Generation What
نهاية «ديربي مانشستر»: الخير 1 | الشر 2
 
 

صديقان عزيزان تجمعهما مدرسة واحدة، يتعرض أحدهما للنفي من الجنة بينما يكمل الآخر مسيرته متربعًا على عرشها بإيعاز من المعلم الذي رفض الأول لأن “طرقُه لا تناسب الفلسفة”، والذي يقرر بدوره الانتقام منقلبًا على كل ما تعلمه هناك يومًا ما.

حبكة درامية ممتازة لا ينقصها سوى فيلم هوليودي يظهر فيه الثنائي ببذلات الكونج فو في حديقة أحد المعابد الصينية مُنحنين أمام كرويف -الذي سيتعين عليه حلاقة رأسه وتربية لحية بيضاء طويلة ليكتمل البوستر التقليدي المُعنوَن بـ “عودة الابن الضال” أو “حدث يومًا في الصين” أو أي عنوان آخر مما تخصص فيه الأمريكان. على الأرجح لن يحتاجوا لإضافة أية تفاصيل أو بهارات للقصة؛ فكلها موجودة بالفعل والخلطة أكثر من مثالية: تيمة تكررت عشرات المرات في السينما العالمية بتنويعات مختلفة، ورغم ذلك لا تزال مثيرة وجذابة وجالبة للأرباح؛ أعلم أني كنت لأشاهد هذا الفيلم عدة مرات وكذلك أنت.

إذن، هل صار العالم مملًا لدرجة تكرار القصة بحذافيرها في الحياة الفعلية؟ والأهم؛ هل نجحت الدراما في تبادل الأدوار مع الواقع وتحويله لنسخة مبتذلة منها بدلًا من العكس، أم أنها اكتفت بالتعبير عن واقع مبتذل ومكرر بالفعل؟

صور ذهنية

دعك من النتيجة والمباراة نفسها، دعك من التكتيك والظهراء الوهميين والأجنحة العكسية والفلسفة والاستثنائية، أغمض عينيك قليلًا. “بيب جوارديولا”.. ما هو أول شيء يتبادر إلى ذهنك؟.. غالبًا ستجد صعوبة كبيرة في تحديد ذلك لأن “بيب” شخص ممل لا يجيد ترك الانطباعات، ربما لا يطرأ في ذهنك أي شيء على الاطلاق، الآن جرّب المثل مع مورينيو وسينفجر رأسك من الزحام.

طبقًا لجوزيه؛ انتقامه من البارسا وفتاها المدلل بيب كان أفضل لحظات حياته، أفضل حتى من الفوز بالبطولة لاحقًا.

طبقًا لجوزيه؛ انتقامه من البارسا وفتاها المدلل بيب كان أفضل لحظات حياته، أفضل حتى من الفوز بالبطولة لاحقًا. (Courtesy Getty Images)

تقول قواعد السينما والحياة إن جوزيه هو الأجدر بالكراهية كونه يمثل الجانب البراجماتي العملي القبيح من اللعبة: كرة دفاعية متحفظة، وتصريحات عدائية، وإهانات دائمة للخصوم، وتشكيك في الجميع، وغرور، واتهامات موسمية لكل أطراف اللعبة بالتآمر، ولسان سليط لم يسلم منه حتى لاعبيه السابقين. القائمة التي تمنح مورينيو دور الشر الهوليودي التقليدي طويلة فعلًا، بينما العكس تمامًا مع بيب الأقرب لدور الفيلسوف الحالم العنيد الذي يدافع عن مبدأه مهما تكلف الأمر، رغم ذلك يتلقى الأول القسط الأكبر من التعاطف الجماهيري دائمًا، ربما لأنهم يشعرون أن بيب امتلك رفاهية التمسك بمبادئه عندما وُلد بملعقة من تشافي وإنييستا وميسي في فمه بينما لم يكن حظ جوزيه بالروعة نفسها.

لكن الحظ ليس كل شيء بالطبع وإلا لكنا نتهم الجماهير بالسطحية والسذاجة، فحتى مع وضع تناقض مورينيو المعتاد في الاعتبار، يبدو الثنائي على درجة مقبولة من الصدق والوضوح في أفعالهما وأقوالهما، لكن قواعد السينما تغيرت ولم يعد قالب بيب واقعيًا أو جذابًا، بل أصبح جوزيه هو الأقرب للحياة الفعلية مع تطور حبكات الدراما من الشر الخام التقليدي -الذي نشأ الجميع على كراهيته، والذي يقضي الفيلم بأكمله في التخطيط لتدمير العالم دون أي سبب مفهوم وكأنه مُسيّر لذلك ولا يملك خيارًا- لنسخة أعمق وأعقد للشرير صاحب القضية الذي يجيد إلقاء الجُمل الأخيرة اللاذعة في كل مواجهة، والذي يتفهم الجميع دوافعه الانسانية المعيوبة، كالطمع والانتقام وغيره، لأنهم يمرون بها يوميًا ويخوضون معاركهم معها بدورهم، بينما لا يفعل بيب سوى تذكيرهم ببلاهتهم الطفولية عندما كانوا يقعون في حب البطل المثالي البلاستيكي من أول نظرة، ومن يريد تذكر ذلك؟ حتى أطفال اليوم لن يقعوا في غرام بيب ولو ظهر في فيلم كارتوني.

حاول أن يبدو خبيثًا، لن تصدق ماذا حدث

حاول أن يبدو خبيثًا، لن تصدق ماذا حدث (Courtesy Bleacherreport.com)

من يتذكر دور الشرطي في The Wolf of Wall Street؟ من يحظى بأغلب الاقتباسات بين الجوكر وبطل جوثام المقنع؟ من هم أبطال Ocean’s Eleven.. كلوني وبيت في دوري داني أوشن وراستي أم جارسيا وباتشينو؟

تخبرك الأفلام الأكثر مبيعًا في العقد الماضي عن تغير كبير في المزاج العام، المثالية صارت تقليدية لدرجة الضَجَر وحل محلها إيمان عميق بأن العالم يسكنه مجموعة من المجرمين على درجات متفاوتة من الفساد، لذا إن لم تقع في إحدى المساحات الرمادية فلست سوى مُدّعٍ آخر على الأغلب، والأخطاء الفنية والتكتيكية ليست كافية لتأهيلك لحظوة أبطال العالم لأنها مملة أكثر من اللازم ويرتكبها الجميع ولا شيء مميز حيالها، فقط الخطايا الكبرى تجعلك مثيرًا للاهتمام لأن الجميع قد نال كفايته من المثاليين والعاديين عبر 50 عامًا من الدراما؛ الشر هو الخير الجديد، ببساطة لأنه أكثر واقعية.

نحو المزيد من زلاتان

بالطبع ليست تلك هي كل الخيارات المتاحة؛ يمكنك أن تكون بطلًا تقليديًا يسحق خصومه بشرط أن تتحلى بكثير من الغرور والعنجهية مدعومًا بقصة كفاح آتية من أعماق الفقر والقهر لتبرر ذلك. كليشيه آخر يبدو بيب أبعد ما يكون عنه، لعب دوره تلك المرة زلاتان: النجم الأسطوري الذي يبدو احتقاره للجميع منطقيًا للكثيرين لأنه -بطريقة ما- أفضل من الجميع بالفعل، والذي يتحين الفرصة للانتقام من مدربه السابق “الجبان عديم الشخصية”، على حد تعبيره، لصالح مدرب آخر قد يموت من أجله. الحبكة نفسها توفرت مع دي بروين ولكن بيب لم يسع لاستغلالها ولم يغذها الإعلام بدوره، حتى بعد تسجيله هدفًا وتألقه في المباراة، ربما لأن دي بروين لا يحظى بنصف حضور إبراهيموفيتش الإعلامي أو لأن بيب أكثر مللًا من أن يسعى لاستغلاله إن وجد، لذا تفهم لماذا يتفوق مورينيو باكتساح في كل ما يقع خارج الملعب؛ لأنه يمتلك كل القوالب الجذابة في جعبته.

زلاتان لمدافع سانت إتيان:من أنت؟ أنا لا أعرفك #قصف_جبهة

زلاتان لمدافع سانت إتيان:من أنت؟ أنا لا أعرفك #قصف_جبهة (Courtesy youtube)

  • “ماتيراتزي يشبهني كثيرًا..الكراهية والرغبة في الانتقام هما ما يحركه دائمًا” – كتاب “أنا زلاتان”.

ستظل شخصيات مثل زلاتان ومورينيو أكثر جاذبية وإغراءً من غيرها، لأنها تخبر الجميع أنهم على ما يرام وأن قليلًا من الغرور والشر لا يضر، بل ولا بأس بكثير منهما كذلك لأن هذا ما يجعل الحياة قابلة للاحتمال؛ لا تصدقوا القصص الخرافية والمثاليات البلهاء عن التواضع والكرة الجميلة، لا تحملوا أنفسكم فوق طاقتها، العالم لا بأس به على الإطلاق، في الحقيقة هو أروع مما يُحتمل، ولن ينصلح حاله إلا بمزيد من التعالي وقصف الجبهات.

لذا من المنطقي أن يسيل لعاب الإعلام كلما تحدث أحدهما، لأن المادة الإنسانية الدسمة التي يقدمها الثنائي ستثير خيال أي منتج سينمائي، ولو اجتمع ترنتينو ونولان ودي نيرو وباتشينو لصنعوا عشرات الأفلام الملحمية عن مورينيو وزلاتان، ولقتلهم الملل في الدقائق العشر الأولى من مسلسل بيب.

واقعية المرتدات

ينقلب الحال 180 درجة عندما يتعلق الأمر بكرة القدم الفعلية في الملعب، تتحول إثارة جوزيه لملل سقيم والعكس مع بيب، باص مورينيو في مواجهة ثورة جوارديولا الهجومية، رغم ذلك، وبين الثنائي، يتلقى بيب الاتهامات الأوْفر بالملل والمبالغة في التمرير والاحتفاظ بالكرة. بطريقة ما صار السعي الدائم للهجوم والتسجيل جديرًا بالنقد والسخرية، بيب ليس مباشرًا بما يكفي لأن الكل يتذكر كيف كان كبار أوروبا يفوزون 15-0 و20-0 في ما سبق، وكيف كانت الأهداف تُحرز من ثلاثة لمسات أو لمستين على الأكثر قبل أن يطل علينا الفيلسوف الكتالوني بصلعته اللامعة وتمريراته التي لا تنتهي.

في فيديو نشرته سكاي سبورتس قبيل مباراة الديربي، وصف تشابي ألونسو ما يفعله بيب بأنه الأصعب على الإطلاق؛ فتكتل الخصوم في مناطقهم يمنحهم أفضلية المساحات في الحالتين الدفاعية والهجومية بغيابها في الأولى ووفرتها في الثانية، وعلى العكس، يتعين على بيب بالتبعية أن يهاجم في 20-30 مترًا ويدافع في كيلومترات خلَّفها تقدمه للأمام، كل ذلك يتطلب حلولًا مبتكرة وتعديلات دائمة لمنح فريقه أفضلية المباغتة والمفاجأة، والأهم هو أن أي احتمال تنتهي به الهجمة سوى صناعة فرصة تسجيل محققة سيعني مرتدة خطيرة.

ألونسو وكاراجر

ألونسو وكاراجر (Courtesy Sky Sports)

هنا تنغلق الدائرة المفرغة على بيب؛ المزيد من التمرير في انتظار الثغرة سيعني المزيد من الملل والرتابة، واللجوء لمزيد من المحاولات المباشرة كالتسديد أو العرضيات دون خلق أفضلية عددية واضحة سيعني المزيد من فقد الكرة وبالتالي المزيد من المرتدات على مرماه، وفي الحالتين هو الأجدر باللوم، إما لأنه يحتفظ بالكرة أكثر من اللازم أو لأنه يفقدها أكثر من اللازم معرضًا دفاعه للخطر في كل مرة.

  • “في أي لعبة يسعى الطرفان للفوز حتى لو كانت مباراة بين أب وطفله في حديقتهم الخلفية” – جوزيه مورينيو.

الحل؟ أن يتحول لمورينيو طبعًا، لماذا عليه أن يكون مختلفًا دائمًا؟ لماذا لا يحاول الفوز بطرق مضمونة؟ لماذا لا يجرب المزيد من “الواقعية”؟

الحقيقة أن الوضع لم يكن دومًا هكذا، في الواقع فإن بيب اكتفى بنقطة واحدة من أول مباراتين مع برشلونة -بعد خسارة من نومانثيا الصاعد من الدرجة الثانية وتعادل مع ريسينج، قبل أن ينفجر الكتلان بـ 27 هدفًا في ست مباريات متتالية ليدرك الجميع الحقيقة الجديدة؛ بيب مدمر في المساحات بشكل غير مسبوق، والطريقة الأنسب لمواجهته هي تكوين ألعن التكتلات الدفاعية الممكنة، الباقي للتاريخ بالطبع لأن كل ما فعله كان التأقلم مع الوضع الجديد؛ بالطبع لن يستمتع أحد بـ 137 تمريرة قبل الهدف إلا إذا كان مملًا بدوره، لكن الجميع يصر على لوم الطرف الخطأ في كل مرة متسائلين: لماذا لا يعتمد بيب على المرتدات كالجميع؟ لا أحد يعلم..على الأغلب فإن بيب لا يشن المرتدات لأن أحدًا لا يجرؤ على مهاجمته وليس لأن زر المرتدات معطل.

أول فوز كبير لبيب مع البارسا 6-1 أمام الأتليتي، صدق أو لا تصدق؛ نصف هجمات الكتلان أتت من مرتدات، الأتليتي يلعب بخط دفاع عالٍ، و5 هو أقصى عدد من التمريرات قبل الوصول للمرمى. الفيديو من BARCA TV

سؤال خوليت

في أبريل 2015 التقي أرسنال “فينجر” وتشيلسي “مورينيو” على ملعب الإمارات قبل نهاية البريمييرليج بأربع جولات، وشهد اللقاء تحفظًا دفاعيًا من جوزيه -رغم تصدره الجدول بفارق ثمان نقاط- لينتهي بالتعادل السلبي، بالطبع غلب على الاستوديو التحليلي بين الشوطين العبارات البائسة المعتادة عن الواقعية واللعب “وفقًا للإمكانيات” قبل أن يسأل خوليت الحاضرين:”أي إمكانيات بالضبط نتحدث عنها هنا؟ إمكانيات بطل الدوري أمام أرسنال؟ ماذا تبقى لهال وبيرنلي وستوك إذن؟”.

لم يكن فيلم جوزيه ليكتمل من دون لمسة الشقاء المصطنعة، التظاهر الدائم بأنه الطرف الأضعف حتى أمام فرق تبلغ ميزانيته أضعاف ميزانيتها، نحن ندافع لأننا واقعيون نلعب في حدود إمكانياتنا، أسطورة مورينيو الأندردوج التي لا تموت ولا تفرق بين أموال بورتو وإنتر أو الريال وتشيلسي، وبطريقة ما نجح الرجل الذي تصدر قائمة أعلى المدربين إنفاقًا في آخر 10 سنوات في إقناع العالم بضعف إمكانياته، لا نتحدث هنا عن جمهور الكرة التقليدي بل حتى أعتى محللي اللعبة في أشهر الشبكات وأبرزها، ربما لم يقتنعوا بدورهم وما زالوا يسألون أنفسهم السؤال نفسه كلما اضطروا لتكرار الكذبة، ولكن بالطبع لن يجرؤ أحدهم على هدم الأسطورة حتى لا يُغضب من صدقوا أنه ينحت في الصخر، هؤلاء الذين يؤمنون بعمق أن ليس في الإمكان أفضل مما كان لأن هذا ما أخبرهم به جوزيه، والذين لم يستطيعوا مقاومة رسالته التي تُمجد الواقع وتحذر من طلب المزيد وتؤكد أن أي تغيير لن يجلب إلا الخراب، لأنها رسالة مغرية كما ترى وتحتاج لشخصية كاسحة لمواجهتها.

العالم ضد مورينيو؛ فيلم آخر سيود الجميع مشاهدته

العالم ضد مورينيو؛ فيلم آخر سيود الجميع مشاهدته (Courtesy Getty Images)

أذكى الرسائل هي تلك التي تخاطب نوازع الكسل والاستسلام تحت قناع الضعف وقلة الحيلة، عبقرية جوزيه أنه نجح في عقد اتفاق ضمني مع جمهوره يقضي بألا يطالبوه بأي شيء مقابل أن يوفر لهم تيارًا ثابتًا من الألقاب يسمح بدوره بمزيد من قصف الجبهات.

  •  “يمكنني أن أشاهد مباراة ممتعة بين فريقين يسعيان للهجوم ولكن دعوني أسألكم سؤالًا واحدًا ولتفكروا جيدًا قبل الإجابة؛ ماذا سيحدث لكرة القدم لو قرر الجميع الاقتداء بمورينيو؟” – رود خوليت.

المفارقة أنك بقليل من التركيز ستجد ما يكفي من الأسباب لينال بيب عدة مشاهد شريرة في الفيلم: إيتو، وهارت، وتوريه، وزلاتان نفسه، ناهيك عن أنه فضّل قيادة مشروع السيتي الجشع للسيطرة على العالم بدلًا من إعادة المجد لفريق جماهيري كاليونايتد، ربما لو كان قد أضاف عدة عبارات حارقة لما سبق لحصل على دور ثانوي مهم، لكنه استفاد من قواعد لعبة جوزيه التي حصرته في قالب الفتى المهذب الساذج الذي يتسلي مورينيو بإثارة غيظه والسخرية منه طيلة الفيلم، ومبالغة الأخير في إجادة دوره لم تمنح الجمهور الفرصة للتعمق في أخطاء الأول إلا تلك التي قرر جوزيه أنها تستحق تسليط الضوء عليها دونًا عن غيرها، فرغم كل شيء ما زال هو المخرج.

اعلان