Define your generation here. Generation What
ضد قلة الحيلة في المشهد الفني
 
 

على مدار بضعة أيام في إبريل الماضي بدا هدم المبنى الذي يضم جاليري تاون هاوس الرئيسي، مع محلات ومنازل ومرافق أخرى، مؤكدًا.

كتبت ألكسندرا ستوك مقالًا جميلًا ومتعمقًا عن هذا الأسبوع المحموم والمحزن، ويمكن القول إن تاون هاوس لديه على غير العادة عدد كبير من المهتمين ببقائه. ولقد تغنى الكثيرون بأسباب ذلك؛ فقد بنى الجاليري سمعته عالميًا ومحليًا من خلال تواصله اجتماعيًا مع الشارع، ونطاقه الواسع على غير العادة من الجمهور والفن.

لكن بالنسبة للمهتمين منا بالمشهد الفني غير الربحي وغير المرتبط بالوزارة—على الأقل ممن لم تهدد هذه الأحداث مصدر رزقه ومسكنه—فقد كان هذا الانهيار حتميًا. بدا وكأنه لم يبدأ يوم انهار أساس المبنى، وإنما كان هذا جزءًا من مسار أطول بكثير.

إن كنتَ قد حاولتَ العمل في هذا المشهد الفني تحديدًا، فأنت تعلم حال توزيع الدولة غير الشفاف للموارد الثقافية، وعدم فهمها للفن المعاصر، وطريقة عمل القوى الأمنية المتعارضة مع الحريات الثقافية. نعيش مع كل هذا في جو خانق من اليأس، أو في أفضل الحالات شعور (مبرر تمامًا) بحصار تفوقنا الأخلاقي—مشاعر يصعب بشكل استثنائي تجنبها وربما تقف وراء جميع مطالبنا بالدعم الثقافي البديل. مشاعر هي تعريف لوجودنا.

إذا اعتبرنا انهيار مبنى تاون هاوس استمرارًا للتدهور الثقافي العام وعداء الدولة فلن يندرج ذلك بالكامل تحت نظرية المؤامرة وفي نفس الوقت فإنه ليس أمرا بديهيا بالكامل. لكن في الظروف ضيقة الأفق للثقافة المعاصرة المستقلة، فمن الصعب أن نراه بطريقة أخرى، على الأخص مؤخرًا، حيث زادت حدة اعتداءات الدولة على الفنون. ومع أن سوء ترميم المبنى ناتج عن إهمال فردي، إلا أن الحكم المتعجل وتخريب الشرطة يرجح نسبهما إلى هذا التاريخ الطويل من تحكم الدولة، والاستيلاء الليبرالي الجديد على الأراضي، والمسارات السياسية التي لا تثق فيما يقدمه الفن من حق تقرير المصير وحرية الأفكار. وإن كان المناخ السياسي يسمح لانعدام الثقة الشرس هذا بالوصول إلى نطاق غير مسبوق، فهو بطبيعة الحال لا يقارن بأي شكل مع انتهاكات حقوق الإنسان الصريحة.

هذه الرواية منطقية. ومع ذلك، فأنا اقترح أن جذور المشكلة الطارئة الأخيرة في تاون هاوس ترجع إلى وقت آخر تمامًا: يوم 31 ديسمبر عام 2012.

في هذا اليوم صدر باسم الباروني ومحمود خالد ومنى مرزوق تصريح هادئ يعلن إغلاق منظمتهم، منتدى الإسكندرية للفنون المعاصرة (ACAF).

“وصلنا إلى استنتاج مفاده أن هذا الدور [دور المنتدى] في الموازنة بين تقديم نهج نحو تعليم منفتح الأفق وتقديم الفنون المعاصرة بشكل قائم أساسًا على جودتها بالإضافة إلى تفعيل بيئة مناسبة للتفكير النقدي المرتبط بالسياق المحلي لم يعد ملائمًا في مصر والإسكندرية في ضوء التحولات والتقلبات الإيجابية والسلبية في تلك الفترة الانتقالية على الصعيدين السياسي والاجتماعي.”

وذكر التصريح أنهم يأملون أن يكون ذلك توقفًا مؤقتًا، لكنهم لم يفتتحوا المنتدى مرة أخرى منذ ذلك الحين، (وفي منشور حديث أعلنوا أيضًا أن الأرشيف الإلكتروني لم يعد متاحًا). بعيدًا عن أهمية أعمال المؤسسين الشخصية (والتي أثرتنا بقدر ما أثرانا عملهم المؤسسي)، كان أحد التفسيرات القائمة أنهم قد استسلموا أمام الإرهاق الاستثنائيالناتج عن محاولات الحفاظ على مكان فني في مصر.

أخبرني صديق لاحقًا أن أكثر ما فاجأ المؤسسين كان عدم الاستجابة من المجتمع الفني الأوسع نطاقًا. وكنت أنا واحدة من هؤلاء الصامتين. أتذكر جلوسي وأنا أشعر بالضيق، أفكر في مدى صعوبة الوضع، وأتساءل عما ينتظرنا في المستقبل. لكني لم أفعل أيًا من ذلك بصوتٍ عالٍ، ومن الواضح أني لم أكن الوحيدة. وكما أتذكر، عندما صدمنا أيضًا بسبب موت المتظاهرين في شارع محمد محمود بالقاهرة، لم تكن هناك ردة فعل جماعية تذكر.

نفس الخرس تكرر عندما أغلقت المساحة الفنية “بيروت” بالقاهرة في مايو عام 2015. وإذا أضفنا إلى الحسبان مدى تأثير رأس المال الليبرالي الجديد على المشهد الفني، سنجد أنه تكرر أيضًا عندما أغلق “فينت” في يونيو 2015، وكذلك حين اضطر مركز الصورة المعاصرة للبحث عن مقر جديد.

وإن كانت حادثة تاون هاوس وحبس الكاتب أحمد ناجي قد صاحبتهما احتجاجات عالمية، فهذا لأنهما حدثان دراميان للغاية ولم يتطلبا من الموجودين خارجهما الكثير من التعمق في فهم سياقهما لاستيعاب مدى قسوتهما. لكن القرار الأطول أمدًا—فيما يخص كيفية التواجد والعمل ونشر هذا العمل—غائب، خصوصًا على الصعيد المحلي.

سبب هذا الصمت الحالي واضح وجاد: كون الكلام من شأنه تعريض الناس للخطر، وخصوصًا المسؤولين عن منظمات المجتمع المدني أو من يكتبون أعمالًا تنقد الوضع، ولو قليلًا. يدفعنا هذا، بالإضافة إلى تكلفة الأماكن وقلة موارد الإنتاج، إلى إقامة المعارض واللقاءات وإطلاق الكتب الجديدة وتجمعات الموسيقى التجريبية في شقق خاصة. ننزوي، وندخل جحر الاكتئاب والحفلات. أحيانًا لا نشعر بالضيق من ذلك على الإطلاق. فالتخلي عن الانشغال باللغة المؤسسية أو الجوانب الأساسية للاستدامة قد يعطيك شعورًا عميقًا بالتحرر. وهناك مجموعة كبيرة من النقاشات المؤسسية الفنية عن تضييق النطاق بحيث لا يتعدى اللقاءات الحميمة ودمج التجارب الشخصية والتي تجمع بين الأفراد. لكن ذلك وحده لا يشكل مشهدًا فنيًا، خصوصًا عندما يجري تحت الإكراه. ما لا يمكن تجاهله أننا جزء من المجال العام، وأن من حق الآخرين علينا وحقنا عليهم أن نظل هكذا.

ما البديل؟ هذه ليست دعوة للنشاط السياسي، ولا هي دعوة لأي تحرك حتى، وإنما لإدراك أن نهايتنا تبدأ عندما نكف عن التفاعل بشكل جماعي. ويعني هذا أن نرى أنفسنا كمجتمع بحق، ونفكر على هذا الأساس، وعندما يكون الوضع آمنًا علينا أن نتحدث ونتصرف على هذا الأساس.

لم نكتفِ بـ”العودة إلى الهامش“، حسب قول لينا عطا الله في منتصف عام 2013. فكما ذكرتُ، لقد ارتدينا قمصان التوبة بما يكفي منذ زمن، وفي ذروة أيام “التمويل الأجنبي”، بل وحولنا الأمر إلى صالحنا أيضًا. لكن في ظل زيادة العنف أصبحنا الآن أمام الخط الفاصل بين التهميش والاختفاء، ومع غياب أي مساحة للتعبير عن ذلك حاليًا، قد يكون الفارق الوحيد هو رؤيتنا لأنفسنا. كان يمكننا كمجتمع إغراق منتدى الإسكندرية للفنون المعاصرة بالرسائل الإلكترونية والمكالمات بعد هذا التصريح يوم 31 ديسمبر 2012، أو إرسال الأموال لهم لاحقًا ليظل الأرشيف متاحًا على الإنترنت، أو الذهاب إلى موقع تاون هاوس ومساعدتهم في نقل أغراضهم في تلك الليلة من شهر أبريل عندما ظنوا أنهم بلا مأوى، لأني بصراحة فوجئت بضآلة عدد الحاضرين.

لا تحظى جميع الشخصيات والمؤسسات الثقافية المذكورة في هذا المقال بدعمي غير المشروط، ولقد اختلفت معهم جميعًا ولو قليلًا، وانتقدت ممارساتهم المؤسسية أو تنسيقهم الفني نقدًا لاذعًا. وأظن أن هذا هو نفس منظور أي شخص مهتم بالفن يقرأ هذا المقال، وهذا أمر جيد وطبيعي وضروري. فكل المؤسسات المستقلة بطبيعتها هي انتقادية بفضل حقيقة أنها تقدم بديلًا عن الموجود على الساحة. وعندما أنتقدهم، فأنا لا أفعل ذلك نيابة عن نفسي وحسب، بل عن مجتمع مفترض أنه أكبر. فقد اتضح أنه بغض النظر عن شكل المؤسسات أو المبادرات، أو عن أخطائها أو نفاقها أو إنجازاتها الرائعة، يظل المجتمع الذي ترعاه أهم عمل على الإطلاق.

أتحدث عن المجتمع الذي ينظم جلسات قراءة من أعمال ناجي، كما فعلت مارشيا لينكس كويلي مؤخرًا كي لا ينسى أحد أنه في السجن، والمجتمع الذي يحرص على استكمال جمع المساعدات لترميم مبنى تاون هاوس، ودعم الفنانين، وتأجير مكان جديد لمركز الصورة المعاصرة، وإبقاء أرشيف منتدى الإسكندرية على الإنترنت، مجتمع ينظم لقاء، كما فعل مركز الصورة المعاصر في يناير، لتبادل المعلومات حول الهجمات والضغوط التي نواجهها—حتى وإن انتهى هذا اللقاء بأن الحل الأكثر أمنًا هو ألا نقدم على تحرك كبير. هذا لا يهم: فمجرد عقد لقاء كهذا أكد لي أن المجتمع مستمر رغم انهيار المباني وطرد المؤسسات وحبس الأشخاص.

نظن أننا عاجزون للغاية، وأن ليس في وسعنا فعل شيء يذكر، لكن بمجرد استسلامنا لفكرة أننا لسنا سوى مواطنين فرديين نكون قد تخلينا عن 99 % من المعركة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ترجمة: أميرة المصري

اعلان
 
 
ميا جنكوفيتس