Define your generation here. Generation What

صندوق أزرق خانق اسمه “عربة الترحيلات”

كائن ضخم مُرتخ علي أربع عجلات كبيرة وكأنه ظل الشيطان أو وحش تزداد شراسته كلما زادت ضحاياه، صندوق حديدي أزرق قاتم اللون يجمع بين جنباته أشلاء حية من البشر تتراص فيما بينها ككتلة بشرية واحدة، أقرب في صورتها إلي عجينة من الصلصال تتشكل حسبما أراد السائق المختل القابع خلف عجلة القيادة.

لا أحد عاقل يذهب إلي القبر بقدميه ليدفن نفسه ويهيل التراب علي جسده، ولكنك ستفعل هذا مجبرًا. كل ترحيلة تأخذ خطوات بطيئة ثقيلة، وما هي إلا دقائق معدودات وتجد جسدك محشورًا حشرًا داخل هذا الصندوق الخانق.

تأخذ مساحتك بين الأشلاء المتكدسة. تجمع بقاياك من داخل العربة فأنت وحدك تراها، لا يراها غيرك، فالقلب لا جبيرة له والروح لا تُضمد. سيارة الترحيلات تفصل بين روحك وجسدك. الروح واهنة ضعيفة كخيوط العنكبوت والجسد متهالك مرتخ في جو قميء، يسبح في عرقه وعرق الآخرين.

يتملكني هاجس واحد طوال وجودي داخل هذا الصندوق البائس، وتترابط أمامي خيوط لمشهد من أكثر المشاهد دلالة علي مدى قمع وعدوانية ووحشية هذا النظام، كارثة بشرية ومذبحة بفعل فاعل، مجزرة عربة “ترحيلات أبو زعبل “التي راح ضحيتها 37 إنسانًا.

تخيل معي صندوقًا ضيق المساحة، مكتظًا بالبشر، ينعدم فيه الهواء، لا مساحة به لقدم زائدة، مع حر أغسطس، و برك العرق، وقاذورات متنوعة. أضف إلي ذلك رائحة نتنة تفوح من كل شئ وأي شئ، فما بالك وقد تسرب إلى هؤلاء البشر غاز مسيل للدموع؟

أطرد الهاجس بعيدًا وأنتبه علي رجرجة وصراخ مصحوبين بلعنات وسب للسائق المختل، فقد عبر مطبًا منذ قليل. نحسبه في الداخل حادث تصادم، فنتشبث سريعًا بكل ماهو بارز أمامنا من أياد وأكتاف، كنتوءات تحمينا من السقوط بعضنا فوق بعض. نجلس أو نقف كقوالب الطوب النية، ونتمنى لو تدخل القدر وأسقط أحد جوانب الصندوق، طمعًا في ذرات قليلة من الهواء الذي ينعم به البشر في عالمهم خارج الترحيلة.

تهدئ روحك وتشغل تفكيرك بالحافز المنتظر. بعد قليل ستبطئ عجلات الترحيلة وتنعم بصوت الترباس الضخم والأقفال وهي تنفتح. تزداد ضربات قلبك شغفًا وفرحًا.

بعد لحظات ستري المتسع خارج الترحيلة.

حان الوقت. الآن سُتشفى روحك المتعبة ويستريح جسدك المُتهالك. الآن ستتحرك وتتكلم وترى الحياة لساعة أو اثنتين علي الأكثر تقضيها وسط من تحب، لتكتشف أن تلك الشرنقة ماهي إلا فقاعة لا تتحمل ضوء الشمس.

ستجد الحياة في أعين أهلك وأصدقائك. لن ننسى أن ذلك الصندوق الأزرق الحديدي رمز خرب لمعاناة المعارضين في دوامة قمع سجناء الرأي.

ذلك الصندوق هو الجزء الأقبح من وجه السلطة والمساحة الأسوأ بين مساحات التنكيل والقمع.

اعلان