Define your generation here. Generation What
من قتل أحمد مدحت طالب طب عين شمس؟ رواية العائلة والأصدقاء
 
 

ترجمة: محمد حمامة

ذهب أحمد مدحت كامل لشراء بعض المأكولات من سوبرماركت قريب من منزل أخته في حي مدينة نصر قبل الثامنة مساءً بقليل. عاد أحمد،  البالغ من العمر 21 عامًا، بعد عشر دقائق إلى المنزل. وكانت هذه هي المرة اﻷخيرة التي شوهد فيها حيًا. في اليوم التالي، ظهرت جثته في مشرحة زينهم.

اختلفت اﻵراء بخصوص مقتل أحمد. تقول عائلته إنه ألقي القبض عليه ليل يوم اﻹثنين، ومات بعدها بقليل في حوزة الشرطة. وقدمت وزارة الداخلية رواية مغايرة في بيان صدر عن مركز الإعلام الأمني بعد أربعة أيام من ظهور جثة أحمد في مشرحة زينهم، وقالت إنه ألقي القبض عليه في غارة قامت بها الشرطة على نادٍ صحي يعمل كمكان للدعارة. طبقًا لهذه الرواية، فإن أحمد وفتاة أخرى قفزا من الطابق الثاني للهروب من الشرطة، ما أسفرعن مقتل أحمد مدحت، وإصابة الفتاة بعدة كسور.

من جانبها، نفت عائلة أحمد مدحت وأصدقاؤه بشكل كامل تواجده في أحد بيوت الدعارة وقت وفاته، مؤكدين أن تفسير الشرطة، والذي كررته النيابة، هو محاولة للتهرب من المسؤولية عن مقتله.

وأظهر فيديو وصور اطلع عليها “مدى مصر” علامات حروق سوداء متعددة على جثته يبدو أنها نتجت عن حروق سجائر.

وبعد مقتل أحمد مدحت، تصاعد الغضب عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وانتشرت صورة تظهره إلى جوار خالد سعيد وإطار فارغ لصورة ثالثة تسأل “من التالي؟”.

كانت قضية خالد سعيد، الشاب السكندري الذي ضربته الشرطة حتى الموت في 2010، إحدى القضايا المحورية خلال الشهور التي سبقت ثورة 2011، وسلطت الضوء على وحشية أجهزة الداخلية المصرية في عصر مبارك. وادعت الشرطة وقتها أنه كان يقوم ببيع المخدرات.

مشكلات قانونية وحكم غيابي

كان أحمد مدحت مقيمًا مع أخته منذ شهر مايو الماضي بعدما حُكم عليه بالسجن غيابيًا في فبراير الماضي بتهم التظاهر وحيازة سلاح. وعرفت العائلة بالصدفة عن الحكم في شهر أبريل الماضي بعدما سمع محامون اسمه في المحكمة.

بدأت مشكلات أحمد مدحت القانونية في أغسطس من العام الماضي حين ألقي القبض عليه من منزل عائلته بواسطة أفراد شرطة يرتدون أقنعة بسبب شكوك في حيازته ﻷسلحة نارية، والتظاهر دون ترخيص. وفحصت الشركة الكمبيوتر والموبايل الخاصين به دون أن يجدوا أي دليل. واتهم ثلاثة أشخاص آخرون في القضية بينهم طبيب عمره 38 عامًا، ومهندس عمره 48 عامًا، باﻹضافة إلى طفل عمره 13 عامًا. يقول والد أحمد مدحت إن ابنه لم يقابل أيًا من هؤلاء اﻷشخاص أبدًا من قبل.

يتذكر الوالد مدحت كامل أن ابنه قضى ثمانية أيام في قسم أول مدينة نصر في صيف عام 2015،  تعرض فيها للضرب والركل والصعق بالكهرباء في مناطق مختلفة من جسده. أخبر أحمد الشرطة أنهم قبضوا على الشخص الخطأ، وأن والده كان يعمل لصالح حكومة حسني مبارك لبناء أماكن للتخلص من القمامة، وأن عمله في قطاع الهندسة يرتبط بعقود عمل مع الحكومة الحالية، وأن أحمد ما زال طالبًا، مؤكدًا أن أيًا منهما لم يشترك في أي عمل سياسي أو مظاهرات احتجاجية من قبل.

وتحدث “مدى مصر” إلى عدد من زملاء أحمد مدحت في جامعة عين شمس. ترسم شهاداتهم صورة لطالب مهذب ومجتهد، معروف بدرجاته المرتفعة وعدم اهتمامه بالسياسة أو التظاهر.

بعدما أطلق سراحه في ظل غياب أدلة مادية، شعر أحمد بالارتياح وظن أن القضية انتهت. وعاد إلى منزل عائلته حتى عرفوا بالحكم الذي صدر ضده.

تقول عائلة أحمد إنه لم يكن لديه استعداد لتنفيذ حكم على جرائم لم يرتكبها. وفي عامه الخامس في دراسة الطب، أخبر أحمد عائلته أنه يود التخصص في جراحة اﻷعصاب، وقام بالتقدم لمنح دراسية ﻹنهاء دراسته الطبية بالخارج. تم قبول أحمد ﻹنهاء تدريبه في بنسلفانيا بالولايات المتحدة للحصول على رخصة ممارسة الطب في الولايات المتحدة. وفي هذه اﻷثناء، أقام أحمد عند أخته على سبيل الاحتياط، بينما استمر في محاولة إيجاد حل قانوني لمعضلته.

ليلة الاختفاء

في الليلة التي اختفى فيها أحمد، قامت أخته بزيارة والديهما في منزلهم القريب في مدينة نصر. حين غادرت، كان أحمد يذاكر من أجل امتحان معادلة اللغة اﻹنجليزية “تويفل”، وهي الشهادة المطلوبة ﻹنهاء تدريبه في الولايات المتحدة. كان قد خطط لمقابلة أحد زملائه لكنه قررلاحقا  المكوث في المنزل وإكمال مذاكرته.

حين وصلت أخته إلى البيت في حوالي الساعة الثامنة والنصف مساءً، لم تجده هناك. اتصلت به للإطمئنان عليه لكنه لم يرد. بعدما حاولت التوصل إليه لبعض الوقت دون نتيجة، اتصلت أخته بأخيهما الثالث، محمد، والذي حاول بدوره الاتصال به عدة مرات.

بينما كان الوالدان نائمين، بدأ الشقيقان في اﻹحساس بالذعر. حاولا الاتصال بأصدقاءه لمعرفة ما إذا كان أيٌ منهم سمع منه. وقبل منتصف الليل بقليل، تم إغلاق هاتف أحمد.

رحلة البحث عن الابن الغائب

في صباح الثلاثاء، كانت قد مرت ساعات طويلة على اختفائه. وحين استقيظ الأب لصلاة الفجر، وجد ابنه محمد مرتديًا ملابسه ويجلس متحفزًا في انتظار استيقاظ والديه. أخبر محمد والده أن أحمد مفقود.

بناءً على افتراض أن الشرطة ألقت القبض على أحمد بسبب أمر الضبط الصادر بناءً على الحكم، توجه الاثنان إلى قسم أول مدينة نصر بعد الفجر بقليل. هناك، تلقى الاثنان النصح بالبحث عن أحمد في المستشفيات المجاورة، وتم إخبارهما أن شخصين قد ماتا بعد القفز من  سطح أحد المباني قبل ساعات.

وأخبر الضابط الأب بالعودة مرة أخرى إلى القسم بعد ساعتين حين تبدأ الوردية الصباحية. وحين عاد إلى القسم، كان ضابط الاستقبال في القسم جاهزا بالمعلومات وتفاصيل أمر الضبط وأخبره أن قوات الشرطة ألقت القبض على أحمد، وأنه حاول الفرار بالقفز من سيارة الشرطة إلا أنه رأسه ارتطمت باﻷرض مما أدى إلى مقتله.

ذهب كامل بعدها إلى الضابط النوباتجي المسؤول لسؤاله عن مكان جثة ابنه، وقيل له إن ابنه كان في أحد بيوت الدعارة حين هاجمت الشرطة المكان وأنه قام بالقفز من الشرفة في محاولة للهروب. وأخبره الضابط أن الجثة في مشرحة زينهم.

يحاول كامل حبس دموعه وهو يصف أنه حين سمع أن جثة ابنه كانت في المشرحة عرف أن الشرطة قتلت ابنه.

بعد التعرف على جثة ابنه في المشرحة، ذهب كامل لتقديم شكوى في مكتب النيابة في العباسية بدعوى أن ابنه قتل وهو في حوزة الشرطة. هناك، قابل وكيل النيابة المسؤول عن أوراق قضية ابنه، والذي أخبره أن ابنه كان في مكان سئ للغاية، وأنه قفزمن المبني كي لا تلقي الشرطة القبض عليه في وضع كهذا.

يقول كامل إنهم نصحوه بالحصول على تصريح الدفن وعدم إثارة أي ضوضاء حول القضية.

رفض كامل التراجع، وكرر قناعته بأن ابنه قتل وهو في حوزة الشرطة، إلا أن وكيل النيابة رد عليه قائلًا “تريد أن تجعل من هذه قضية سياسية وتفتعل المشاكل بعدما قضيت الليل بأكمله في إعداد اﻷوراق ﻹغلاق هذه القضية”.

وبفعل إصرارهم على التحقيق في مقتل ابنهم، أرسل محامي العائلة طلبًا إلى مكتب النائب العام يطلب فيه حضور طبيب شرعي مستقل تشريح الجثمان. وتطوع أحد أساتذة كلية الطب بجامعة عين شمس، حيث كان أحمد يدرس، لحضور التحقيق الشرعي دون مقابل تدفعه الدولة. لكن الطلب قوبل بالرفض. وفي صباح اليوم التالي، أجري تشريح في غياب المحامي أو طبيب شرعي مستقل، وتحدد سبب الوفاة بكسر في الجمجمة.

لسنا آمنين

طبقًا لمحامي العائلة، علي عبد الفتاح، فإن التقرير المفصل للتشريح لم يصدر بعد، كما أوضح أن التحقيق سيتم إنهاؤه من قبل النيابة.

ويعتبر كريم عنارة، الباحث في العدالة الجنائية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن التفسير الذي قدمته الشرطة حول ملابسات حادث مقتل أحمد مدحت يتبع نمطًا متكررًا.

“لدى الشرطة عادة إعطاء تفسيرات غريبة للطريقة التي يموت بها اﻷشخاص وهم في حوزتها، وهو ما يحدث في الغالب لتفادي تحمل الضباط اﻷفراد الذين يعملون في هذه القضايا للمسؤولية”، يقول عنارة.

يلاحظ كامل أمورًا مشتركة مع حادث مقتل خالد سعيد. “لقد ارتكبوا خطأ كبيرًا بقتل أحمد”، يقول كامل، “لقد مل الناس من هذا. على شبكات التواصل الاجتماعي يقارنون أحمد بخالد سعيد فعلًا. ليس فقط في مصر وإنما في الخارج، الناس يراقبون هذا”. وكانت قضية مقتل طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني والعثور على جثته وعليها آثار تعذيب في فبراير الماضي قد أعادت الانتباه لقضية عنف الشرطة في مصر.

ويضيف كامل أنه يحضر نفسه هو وعائلته لمغادرة البلاد قريباً. “لسنا آمنين في مصر”، يقول كامل، “حين تلقي الشرطة القبض على ابنك ويقتلونه.. أي قيمة للبلد إذا لم يكن أولادي آمنين؟”.

اعلان
 
 
ماديسون سول