Define your generation here. Generation What
تحليل: الهدنة الجديدة في سوريا قد تصمد أكثر من سابقاتها
 
 

في الساعات القليلة الماضية تم الإعلان عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار في سوريا، مع توضيح بعض الخطوط العريضة التي تضمنها الاتفاق، والتحفظ على الكشف عن البعض الآخر. وعلى الرغم من كثرة هذه الاتفاقات في السابق خلال الحرب السورية المستعرة منذ خمسة سنوات، إلا أن آمالا كثيرة تبدو منعقدة على الاتفاق الأخير ومتفائلة بنجاحه.

بعد جلسة مفاوضات مغلقة استمرت لـ14 ساعة في جنيف، أعلن كل من وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ونظيره الأميركي جون كيري، توقيع خمسة اتفاقات في سياق المسار السياسي للوصول بالأزمة السورية إلى حل نهائي وكسر الجمود الحاكم لعمليات التفاوض.

ملامح الاتفاق

على الرغم من تحفظ الطرفين على توضيح بنود الاتفاقات الخمسة، والذي برره لافروف بأنها تحتوي على “معلومات حساسة، لا نريد أن تصبح في أيدي أولئك الذين سيحاولون، بالتأكيد، عرقلة تنفيذ الإجراءات المنصوص عليها في البنود المتعلقة بمسألة المساعدة الإنسانية، وفي غيرها من بنود اتفاقنا”، إلا أن الخطوط العريضة للاتفاقات باتت واضحة ومعلنة بشكل رسمي.

تتضمن الاتفاقات بين الطرفين وقف الأعمال القتالية في سوريا بدءا من منتصف ليلة 12 سبتمبر الجاري (بداية عيد الأضحى) لمدة 48 ساعة، ثم تتبع بمدة مماثلة، ثم توضح الأسس التي تمدد بها على الدوام.

وفي غضون سبعة أيام من دخول الاتفاق حيز التنفيذ يتم تأسيس “مركز تنفيذي مشترك” يضم عسكريين وممثلين عن الأجهزة الاستخبارية الروسية والأميركية، هدفه التمييز والفصل بين الجماعات الإرهابية من جانب، والمعارضة السلمية والمعتدلة من جانب آخر.

اتفق أيضا على تحديد المناطق التي ستُخاض فيها الحرب على التنظيمات الإرهابية بمشاركة “حصرية” من سلاحي الجو الروسي والأميركي دون مشاركة طيران الحكومة السورية، مع توضيح الاجراءات الواجبة للرد على منتهكي اتفاق وقف إطلاق النار.

وأخيرا تم الاتفاق على توضيح آليات توصيل المساعدات الانسانية والبعثات الإغاثية للمناطق المنكوبة.

ويعد الاتفاق الروسي الأمريكي غير مسبوق على مستويات عدة، فبداية هو أول اتفاق واضح ومعلن بين الطرفين الروسي والأميركي، واللذين يمثلان طرفي النزاع في الأزمة السورية. ومع قراءة التفاصيل المعلنة للاتفاق يتبين المزيد من الخطوات غير المسبوقة، بدءا من تأسيس جهاز عسكري وأمني مشترك بين الطرفين، ثم ما قدمه أمريكا كبادرة جديدة من اعتبار “جبهة النصرة” تنظيما إرهابيا، بعد أن كانت في الماضي قد قصرت عملياتها- من خلال قوات التحالف الدولي- على تنظيم داعش. ومن ناحية الروس أيضا فإن هذا الاتفاق تضمن الإعلان لأول مرة عن استبعاد الجيش السوري النظامي من عملياتهم في سوريا.

ردود الأفعال

رغم أن من الضروري إدراك استمرار التمايزات في داخل كل معسكر من معسكري الحرب بطبيعة الحال، فإن الأطراف المتناقضة استقبلت الإعلان بالترحيب وعقد الآمال، رغم تحفظ أصوات خافتة أخرى.

وأعلنت الخارجية المصرية عن ترحيبها وتأييدها للبيان الصادر صباح اليوم عن الاتفاق، ودعت في بيان أصدرته اليوم “جميع الأطراف إلى الالتزام به باعتباره خطوة أولى نحو التوصل إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار في كافة المدن السورية، مع استمرار استهداف العناصر الإرهابية”.

من جهتها، لم توفر الدولة التركية وقتا لإعلان ترحيبها بالاتفاق، وقالت الخارجية الروسية في بيان لها: “بمبادرة من الجانب التركي جرت مكالمة هاتفية بين وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ووزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو. وقد ناقش الوزيران الموضوع السوري في ضوء المباحثات الروسية الأميركية في جنيف (..) تم التأكيد على الفهم المشترك لأهمية التزام كافة الأطراف المعنية بنظام وقف إطلاق الأعمال العدائية، واستئناف عملية التفاوض بين الأطراف السورية”.

الترحيب واعلانات التأييد جاءت من أطراف أخرى عديدة شملت الاتحاد الأوروبي وفرنسا، اللذين عبرا مرارًا عن الاختلاف مع السياسة الروسية في الأزمة السورية بشكل جذري.

المبعوث الأممي في سوريا ستافان دي ميستورا أصدر أيضا موقفا مؤيدا، وأعرب في بيان له عن “أمله في استمرار الإرادة السياسية التي أدت إلى التفاهم، تلك الإرادة تخلق فرصة حقيقية يجب اغتنامها من قبل جميع الجهات الفاعلة ذات الصلة في المنطقة وخارجها لوضع الأزمة في سوريا على مسار مختلف وتخفيف العنف والمعاناة التي يعيشها الشعب السوري”.

على مستوى المعارضة السورية، تضمنت مواقف الدعم تحذيرا من احتمالية خرق قوات نظام الأسد للاتفاق، حيث عبرت عن هذا عضوة الهيئة العليا للتفاوض في المعارضة السورية بسمة قضماني، التي قالت: “نرحب بالاتفاقية في حال سيتم الالتزام بها فعلا، لكن ماذا لو لم تمارس روسيا الضغط على النظام؟ إنه السبيل الوحيد لجعله يمتثل. نحن ننتظر ذلك بكثير من القلق”.

الكاستيلو؟

تصريحات الطرفان كانت عامة وتتحدث عن خطوط عريضة وتحفظت عن توضيح الاتفاقات التفصيلية، إلا في ما يخص طريق الكاستيلو، وهو الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في حلب.

 وعلى مدار شهور طويلة استخدمت المعارضة السورية طريق الكاستيلو في استلام الإمدادات. ودارت معارك ضارية بين قوات النظام السوري من جهة، وقوات المتطرفين الإسلاميين من جهة أخرى، منذ شهر يوليو الماضي في محيط طريق الكاستيلو، انتهت بسيطرة قوات النظام عليه بعد أيام، ما جعل مدينة حلب برمتها تحت حصار الجيش النظامي.

ربط كيري بين الالتزام بوقف الاقتتال في طريق الكاستيلو، الذي سينسحب ويمهد للالتزام بوقف الأعمال القتالية عموما، وبين فتح الآفاق لاستئناف المفاوضات.

وقال كيري إن الاتفاق مع الروس حقق إنجازا بشأن سحب أطراف النزاع قواتهم من طريق الكاستيلو لإنشاء منطقة خالية من السلاح حول مدينة حلب. مشيرا إلى أن هذا الإجراء سيضمن تنفيذ البند الخاص بإيصال المساعدات إلى المدنيين المحاصرين، كما أنه يمهد لاستئناف محادثات جدية للسلام في سوريا.

على مدار سنوات الحرب الأهلية في سوريا، أُعلنت الكثير من اتفاقات وقف إطلاق النيران، وإعلانات الهدنة الإنسانية. السواد الأعظم من هذه الإعلانات خيب آمال كل الأطراف التي راهنت عليها، خاصة المواطنين الذين انتظروها لتمرير مواد غذائية أو لإخراج مصابين وجرحى من المناطق المنكوبة للعلاج. إلا أن هذه المرة، ومع توضيح الظروف المباشرة هذه، يبدو السياق العام مبشرا أكثر. إذ يرى الكثير من المراقبين أن الظروف الإقليمية تصب في مصلحة الحل السياسي للأزمة. وربما تكون أهم هذه الظروف إعادة التموضع التركية في المعادلة السورية، باتخاذها الخطوات الأخيرة في اتجاه التقارب والتعاون مع روسيا من جهة، وإعادة تطبيع العلاقات مع إيران ومصر وسوريا من جهة أخرى.

اعلان