Define your generation here. Generation What
النص الكامل لمشروع قانون الجمعيات..وحقوقيون: انعكاس للوضع السياسي المتدهور
 
 

وافقت الحكومة المصرية أول أمس الخميس على مشروع قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية الجديد، وقررت إرساله لمجلس الدولة لمراجعته قبل عرضه على مجلس النواب الذي كان دور انعقاده الأول قد انتهى قبل يوم واحد. فيما لاقي المشروع انتقادات حادة من منظمات حقوقية وحقوقيين مستقلين رأوا فيه خطوة إضافية على طريق عرقلة عمل المنظمات الحقوقية المستقلة وشل أنشطتها.

ويحتوي المشروع الجديد، الذي حصل “مدى مصر” على نسخة منه، على سبعة أبواب تضم 63 مادة، تتناول عمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية، والمنظمات الأجنبية غير الحكومية، والاتحادات، ودور صندوق دعم الجمعيات والمؤسسات الأهلية، بالإضافة إلى العقوبات التي يتم توقيعها على الجمعيات المخالفة لقواعد القانون.

ويأتي إعداد الحكومة لمشروع قانون جديد للجمعيات الأهلية في ضوء إلزام دستوري بأن يكون تأسيس الجمعيات الأهلية بالإخطار فقط -وفقا لنص المادة 75 من دستور 2014- على عكس قانون الجمعيات الحالي الصادر عام 2002، والذي ينص على ضرورة حصول مؤسسي الجمعية على تصريح حكومي مسبق قبل ممارسة النشاط الأهلي.

إلا أن حقوقيين اطلعوا على مشروع القانون رأوا أن الحكومة التفت على هذا الالتزام الدستوري عبر منح أجهزة الدولة الحق في الاعتراض على تأسيس الجمعية بعد تلقيها إخطار التأسيس، ما يحول الإجراء فعليا إلى تصريح مسبق بالإشهار كما هو الوضع حاليا.

وقال المحامي الحقوقي نجاد البرعي، رئيس المجموعة المتحدة للمحاماة، إن “شروط تأسيس الجمعيات أصبحت أكثر صعوبة وهو ما يخالف الدستور، الإخطار عمليا لم يعد إخطارا، ويشترط القانون تقديم صحيفة الحالة الجنائية لكل من المؤسسين، ودفع ألف جنيه رسوما للتسجيل. كما أنه عمليا لا يمكن للجمعية أن تباشر عملها قبل أن ترسل الجهة الإدارية خطابا للبنك لفتح حساب بنكي للجمعية”.

وتنص المادة الرابعة من مشروع القانون على حق الجهة الإدارية في الامتناع عن قيد الجمعية خلال ثلاثين يوما من تلقي الإخطار بتأسيسها إذا ثبت أن “من بين أغراض الجمعية نشاطا مؤثما وفق قانون العقوبات أو أي قانون عقوبي آخر أو أن بيانات وملحقات الإخطار غير مستوفاة”، وتخطر الجهة الإدارية ممثل جماعة المؤسسين بقرار مسبب وإلا اعتبرت الجمعية منشأة. ويحق للجمعية تصويب الخطأ أو استيفاء البيانات الناقصة أو الطعن أمام المحكمة المختصة خلال ستين يوما من تاريخ قرار الامتناع عن القيد.

ويُفرد القانون مساحة كبيرة لتدخل الجهة الإدارية في الموافقة على العديد من أنشطة الجمعيات. كما تشترط المادة 12 من القانون موافقة الجهة الإدارية والوزير المختص لفتح مقرات أو مكاتب تابعة للجمعية بمحافظات الجمهورية المختلفة. ويمنح المشروع الحق لممثلي الجهة الإدارية في دخول أي من مقار الجمعيات والمؤسسات والاتحادات “لتقديم الدعم الفني ولمتابعة أنشطتها والإطلاع على سجلاتها وفحص أعمالها من الناحية الإدارية والمالية”.

إلا أن الملمح الأبرز في مشروع القانون جاء في استحداث لجنة تنفيذية جديدة تضم للمرة الأولى ممثلين عن المخابرات العامة ووزارة الداخلية ووزارات أخرى لتولي مسئولية الموافقة على أي منح خارجية موجهة لجمعيات مصرية، فضلا عن سلطة مراقبة المنظمات الأجنبية غير الحكومية المصرح لها بالعمل داخل مصر.

وتقضي المادة 48 من مشروع القانون بإنشاء “اللجنة التنسيقية”، وتتشكل بقرار من رئيس مجلس الوزراء برئاسة الوزير المختص أو من يفوضه وعضوية كل من: ممثل من وزارة الخارجية، وممثل لوزارة العدل، ونائب لرئيس مجلس الدولة، وممثل لوزارة الداخلية، وممثل لوزارة التعاون الدولي، وممثل لوزارة التضامن الاجتماعي، وممثل لهيئة الأمن القومي (بالمخابرات العامة)، وممثل من البنك المركزي.

ويلزم مشروع القانون الجمعيات الأهلية بتقديم طلب تلقي كل منحة من خارج البلاد قبل صرف المنحة إلى اللجنة التنسيقية، التي يحق لها الموافقة على المنحة أو رفضها في مدة أقصاها ستون يوما.

ويرى البرعي أن مشروع القانون بشكله الحالي جاء متوقعا للغاية، في ظل الوضع السياسي والحقوقي المتدهور التي تشهده البلاد، وتسائل: “هل نتوقع في البلد التي يحاكم فيها الآلاف بسبب قانون التظاهر ويُحاكم فيها العاملون بالمجتمع المدني أن تنتج قانونا جيدا لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية؟ من حيث المناخ العام السائد، لا يمكننا توقع قانون ديمقراطي على الإطلاق”.

كما يرى البرعي أن مشروع القانون، على عكس القوانين السابقة، يضع الجهات الأمنية في الواجهة رسميا، من خلال عضوية ممثلي الأمن القومي ووزارة الداخلية في اللجنة التنسيقية، بعد أن كان التدخل الأمني في عمل الجمعيات الأهلية “شبحا” غير مرئي في السابق، واستدرك: “تعمل الحكومة خلال العامين الماضيين على إعادة هيكلة النظام التشريعي المصري لمأسسة انتهاكات الدستور في سابقة هي الأولى من نوعها، حتى في عصر مبارك لم نر ذلك”.

وعن علاقة مشروع القانون الحالي بقرار إعادة فتح التحقيق في مطلع السنة الجارية مع عدد من قيادات منظمات حقوق الإنسان في القضية رقم 173 المعروفة باسم “قضية التمويل الأجنبي” والمجمدة منذ 2012، قال محمد زارع من مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان إن مشروع القانون هو أحد مسارين وضعتهما الدولة لمواجهة وعرقلة عمل المجتمع المدني: “المسار الأول هو مسار القضية 173 ضد عدد من العاملين في الجمعيات الحقوقية ومن الواضح أن الدولة عازمة على المضي في هذا المسار حتى النهاية، ومشروع القانون الحالي هو المسار الثاني الذي سيتم تطبيقه بعد الانتهاء من المسار الأول وفيه تضمن الحكومة السيطرة الكاملة على العمل المدني من خلال إتاحة المجال لتحكم الأمن في عمل الجمعيات”.

كان قضاة التحقيق المكلفون من النائب العام بإجراء التحقيقات في القضية رقم 173 قد أصدروا منذ مطلع العام عددا من قرارات منع السفر وطلبات التحفظ على أموال وممتلكات عدد من الشخصيات والكيانات الحقوقية المستقلة، فضلا عن إصدار استدعاءات لعدد من العاملين في منظمات حقوق الإنسان لسماع أقوالهم بشأن اتهامات بإنشاء منظمات غير قانونية وتلقي أموال دون ترخيص واستخدامها في أنشطة مضرة بالأمن القومي. ولم يتم حتى الآن توجيه أية اتهامات في القضية أو إصدار قرار بإحالتها للمحاكمة الجنائية.

ويتفق زارع مع الرأي القائل بأن مشروع القانون يتعارض مع المادة 75 من الدستور، التي تنص على تسجيل الجمعيات بالاخطار وعلى عدم جواز تدخل الجهة الإدارية في عمل الجمعيات إلا بأمر قضائي. حيث يرى أن مشروع القانون الحالي يفرغ فكرة الإخطار من مضمونها، ويضيف: “شروط التمويل الأجنبي تعد تدخلا سافرا من الجهة الإدارية في عمل الجمعيات بدون أمر قضائي، كما أن الأمن سيتدخل من خلال عضويته في اللجنة التنسيقية في شل حركة الجمعيات المستقلة من خلال التحكم في تمويلها”.

ورغم غياب العقوبات السالبة للحرية في مشروع القانون، على عكس القانون الساري حاليا والذي يقضي بالحبس على منتهكي عدد من نصوصه، إلا أن زارع انتقد الغرامات المالية الباهظة التي تصل إلى مليون جنيه طبقا للمادة 63 من القانون في حال ارتكاب الجمعيات أخطاء مالية أو إدارية، حيث يرى أن الغرامات المالية مبالغ فيها بشدة، ولا تتناسب في كثير من الأحوال مع حجم المخالفات.

ويتذكر زارع مشروع قانون الجمعيات الأهلية الذي أعدته لجنة من ممثلي المجتمع المدني بتكليف من وزير التضامن الاجتماعي السابق الدكتور أحمد حسن البرعي في 2013، والتي كان زارع أحد أعضائها، واصفا إياه بأنه من أفضل مشروعات القوانين التي خرجت عن الحكومة، متسائلا: “لماذا لم ير هذا المشروع النور أبدا؟ الأرجح أن يكون المشروع سبب الإطاحة بالبرعي بعد ذلك…تم سحب القانون بمجرد تولي الوزيرة [غادة والي] الوزارة”.

كما انتقد حافظ أبو سعدة، عضو المجلس القومي لحقوق الانسان- التابع للدولة- ورئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، مشروع القانون والتسرع في الموافقة عليه، حيث قال على حسابه الرسمي على موقع تويتر إنه كان من المقرر تقديم ملاحظات على مشروع القانون للحكومة في موعد أقصاه 20 سبتمبر الجاري، إلا أن الحكومة “ضربت الحوار المجتمعي” على حد قوله. وأشار سعدة لتمسكه بمشروع القانون الذي أعده ممثلو المجتمع المدني في 2013: “نحن ملتزمون بالمقترح بقانون للجمعيات الذى اعددناه نحن والاتحادات الاقليمية والنوعية والاتحاد العام والمنظمات الحقوقية”.

فيما قال محمد زارع: ” “في المجمل، مشروع القانون تمت صياغته بعقلية وثقافة أمنية قائمة على الانتقام مما حدث في ثورة يناير لضمان أن ما حدث في الثورة لن يتكرر، وهو مسار رأيناه في كل مشاريع قوانين العمل الأهلي السابقة إبان حكم المجلس العسكري والإخوان وصولا إلى العهد الحالي”.

ويمكن الاطلاع على النص الكامل لمشروع القانون هنا.

اعلان
 
 
مي شمس الدين