Define your generation here. Generation What

إسلام كريموف.. ديكتاتور من أرض العتمة

أعلنت الحكومة الأوزبكية رسميًا مساء الجمعة الماضية وفاة رئيس البلاد إسلام كريموف عن عمر يناهز 78 عامًا نتيجة نزيف دماغي في إحدى مستشفيات العاصمة طشقند.

تولى كريموف زعامة الحزب الشيوعي، الأوزبكي خلفًا لرفيق نيشونوف، من عام 1989 إلى عام 1991، ثم تولى رئاسةأوزبكستان التي تعد أكبر جمهوريات وسط أسيا سكانًا، وتضم مدنًا تاريخية كبخارى وسمرقند.

منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي في1991، حكم كريموف البلاد بقبضة حديدية، ففاز في الاستفتاء العام لتمديد حكمه لفترة رئاسية ثانية عام1995 بنسبة تجاوزت الـ90 %، وفي ولايته الثانية استمرت اللعبة الانتخابية بلا مرشح ولا فائز فيها سوى كريموف حتى وإن استدعى هو نفسه بعضًا من الأحزاب الأوزبكية للمشاركة في الانتخابات الرئاسية في 2005، حيث دفعت بعض الأحزاب بمرشح رئاسي منافس، إلا أن تلك الأحزاب، وحتى المرشح المنافس، صوتوا لكريموف ذاته.

شن كريموف في بداية حكمه حملة ضد المعارضة السياسية بدأت بتصفية قياديين في الأحزاب العلمانية المعارضة له، فأجبر قياديين بحزب “بيرليك” على مغادرة البلاد، وأخفى آخرين من حزب “إرك” قسريًا وأطاح بقيادات حزب النهضة الإسلامية وحزب التحرير الإسلامي والحركة الإسلامية الأوزبكية في السجون. حتى أعضاء البرلمان الأوزبكي تعرضوا للسجن بسبب الحديث العلني في الأمور السياسية ضد السلطة. ما نتج عنه أن اختفى النشاط السياسي المنظم إلى حد كبير، بل إن الإجراءات القمعية امتدت للنشاط الديني المستقل، فمُنعت العبادات العامة واعتمدت الحكومة قانون تنظيم النشاط الديني فمنعت الملابس الدينية ووضعت المساجد تحت السيطرة الفعلية للدولة.

الحرب على الإرهاب

“أشخاص من هذا القبيل يجب إطلاق النار على رؤوسهم. وإذا لزم الأمر، وإذا كنتم تفتقرون إلى العزم، فسأطلق عليهم النار بنفسي”.

جاءت كلمات كريموف في البرلمان، والتي بررت كل شئ بحماية البلاد من خطر التطرف والفوضى، لتؤكد أنه يدرك ما يفعله جيدًا.

لولا الوتيرة المتسارعة لظهور الديكتاتوريين الآخرين لاحتل كريموف الصدارة لسنوات، لكن هذا لم يمنع من أن تحظى انتهاكاته ببعض التغطية في الصحف العالمية في بداية الألفية. لعدة سنوات ظلت الصحافة والمنظمات الحقوقية ترصد حالات تعذيب وُصفت بـ”الممنهجة”، واستُخدمت فيها طرق بشعة، منها إلقاء المعارضين في الماء المغلي وإلقاء جثث المعارضين في الأماكن العامة لإرهاب المواطنين، وتمديد فترات السجن لأسباب قد تبدو هزلية، إذ روى أحد السجناء في سجن طشقند أنه قضى تمديدًا لفترة احتجازه لمدة خمس سنوات إضافية، باتهام واهٍ كتقشير الجزر بطريقة غير لائقة.

بالإضافة لهذا، فقد عانت السجون الأوزبكية من التطعيم القسري للمسجونين بالبكتيريا والفيروسات، كما اشتهرت بخنق السجناء بأقنعة الغاز، حيث اعتاد أهالي السجناء الأوزبك استلام ذويهم جثثًا هامدة. وحملت الحملات، التي روجت لها حكومة كريموف لإطلاق سراح المعتقلين، في طياتها الخداع الواضح، حيث كان من يفرج عنهم هم الأموات أو المرضى ممن لا يرجى شفاؤهم.

وفي موسم الحصاد سُخِّر ملايين من الطلبة والموظفين لجمع القطن بدون مقابل لعملهم، وذهبت الأرباح كاملة للحكومة.

رسَّخ كريموف لنظام حكم أقل ما يطلق عليه أنه “ديكتاتورية حقيقية” على غرار كوريا الشمالية والجارة تركمنستان في عهد مراد نيازوف الذي أحاط نظامه بسرية تامة واستبدل بأسماء الشهور أسماء أسرته.

كل اﻷمور في أوزبكستان كانت سرية للغاية، وحتى وفاة كريموف نفسه أحيطت بسرية تامة في الساعات الأولى، إلا أن الحكومة التركية ووسائل إعلام دولية أعلنتها، مما دفع البرلمان لإصدار بيان يعلن فيه وفاة كريموف.

 مجزرة في أنديجان

وثق الصحفي مايكل أندرسون فيلمًا بعنوان “مجزرة في أنديجان. رصد الفيلم أحداث مذبحة أنديجان، التي نالت شهرة عالمية كواحدة من أكثر الانتهاكات الدموية ضد تظاهرات سلمية، ووثقتها عدة منظمات حقوقية، على رأسها منظمة هيومن رايتس ووتش.

يحكي الفيلم الذي ترجم إلى ثلاث لغات؛ الأوزبكية والروسية والإنجليزية، تفاصيل المذبحة، حيث اقتحم مجهولون في الثالث عشر من مايو 2005 سجن أنديجان في ظروف غامضة وسرّحوا السجناء الذين اعتصموا مع ذويهم بعشرات الآلاف في ميدان بابور وسط مدينة أنديجان، منددين بالمعاملة السيئة لهم وتردي ظروفهم المعيشية. انتشرت شائعات بأن الرئيس كريموف سيأتي للتحدث إلى المحتجين والتعرف على مطالبهم. ولكن ما كان من كريموف إلا أن نصب غرفة عمليات بالقرب من الميدان، وأمر قواته بفتح الرصاص على المحتجين ومطاردتهم، ورغم مبادرات سكان المنطقة لوقف الإطلاق العشوائي للرصاص وفتح منازلهم لإيواء المحتجين، إلا أن قوات الشرطة فضَّت الاعتصام بقوة، ولاحقت المحتجين مطلقةً الرصاص بكثافة في الشوارع، وصفّّت عددًا كبيرًا من المحتجين الذين لم يبق من أثرهم سوى بقع دماء وأشلاء وفوارغ الرصاصات والكثير من الجثث.

خرج المدنيون إلى ميدان بابور في صباح اليوم التالي للبحث عن ذويهم ففوجئوا باختفاء عدد كبير من الجثث، التي تخلصت منها القوات عبر إلقائها في نهر كاراسو. ذاعت قصة المذبحة في وسائل الإعلام العالمية وندَّدت الحكومات الأوروبية بقتل المتظاهرين العزل وفض اعتصام ميدان بابور.

امتدت آثار المذبحة إلى مدن أخرى في شرق أنديجان مات فيها عشرات المحتجين على فض ميدان بابور. قدرت هيومن رايتس ووتش أعداد فض الاعتصام وما تلاها من أحداث بمئات القتلى، فيما قدرها إسلاميون بعدة آلاف. إلا أن الرئيس الراحل كريموف خرج في أعقاب فض الاعتصام مصرحًا للإعلام بأن أعداد القتلى لا تتجاوز الثلاثين قتيلًا من المنتسبين للجماعات الإسلامية المتشددة، ثم خرج بعدها مصدر رسمي قائلًا إن العدد الفعلي للقتلى هو 169 قتيلًا من المنتمين لحزب التحرير الإسلامي وجماعات إسلامية متشددة، ومضيفًا أن الاعتصام كان مسلحًا ويهدد الأمن القومي للبلاد.

أن ترتكب مذبحة في أرض منسية

اتخذت الحكومة الأوزبكية مجموعة من الإجراءات القمعية لإخماد أي صوت معارض أو مندد بالمذبحة، فطاردت أهالي القتلى حتى قرغيزيا المجاورة لأوزبكستان، كما لاحقت حكومة كريموف المدافعين المحليين عن حقوق الإنسان، وضيَّقت على عمل هيئات الإغاثة الطبية والصحفيين، وجرى احتجاز النشطاء الذين تعرضوا للضرب والتهديد ووضعوا تحت الإقامة الجبرية. ولإحكام الخناق والتعتيم الكامل اعتقلت الحكومة الآلاف بشكل عشوائي وعذبتهم لتنتزع منهم اعترافات بأنهم خططوا وشاركوا في اعتصام مسلح في بابور.

وجه كريموف انتقادات للحملات المنددة بفض اعتصام بابور مطالبًا الحكومات الأوروبية بالتوقف عن التدخل في الشأن الأوزبكي الذي اعتبره شأنًا داخليًا، رافضًا إجراء أي تحقيق دولي في المذبحة، وأيدته في ذلك حكومة الصين التي تربطه بها علاقات جيدة، بفضل تصدير أوزبكستان النفط إليها، كما أيدت روسيا موقف كريموف، رافضة وصف الفض بـ”المجزرة”، وملقية اللوم فيها على الإسلاميين .

كما أن الموقف اﻷمريكي، الذي طالما انتقد النظام الأوزبكي، تغير جذريًا بعد الحادي عشر من سبتمبر، إذ اعتبرته أمريكا حليفًا إستراتيجيًا لها في حربها على الإرهاب، وأقامت القوات الأمريكية قاعدة “كارشي خاناباد” في أوزبكستان، وقادت منها حربها على طالبان بأفغانستان المجاورة .

مع تزايد حالة الإحباط السياسي في أوزبكستان بعد انتخابات 2015 التي فاز فيها كريموف بأكثر من 90 %، مرت البلاد بحالة من اعتياد القمع، فقد وصفت ابنة الرئيس جلنار كريموفا والدها بأنه يشبه الرئيس الروسي ستالين، ما جعل الأب يأمر بوضع ابنته تحت الإقامة الجبرية ومنع وصولها إلى شبكة الإنترنت .

بعد أن غيب الموت إسلام كريموف وانطوت معه صفحة دموية من صفحات الحزب الشيوعي السوفييتي الذي خلف الملايين من القتلى في المنطقة، يأمل نشطاء ومحللون أوزبك أن يكون حظهم أوفر في تحول ديمقراطي حقيقي للحفاظ على دولتهم الغنية بالثروات الطبيعية، والتي تتمتع بموقع جيو-سياسي على غرار جارتها تركمنستان التي توفي رئيسها نيازوف في 2007، ثم أجريت فيها انتخابات وصفتها منظمات دولية بـ”الديمقراطية”، أو أن تدخل أوزبكستان لهوة الصراع بين الدولة والجماعات الإسلامية المسلحة في المنطقة.

لا يزال المستقبل في أوزبكستان مجهولًا بعد وفاة رجل شغل سدة الحكم لربع قرن وخلف وراءه الكثير من الدماء والسجناء، و قد يكون موته طاقة أمل لآلاف السجناء والمطاردين.

اعلان
 
 
عبد الرحمن رياض