Define your generation here. Generation What
لماذا تفضل المستشفيات الخاصة الممرضات الأجنبيات؟
 
 

تدخل الممرضة الفلبينية، ميشيل فينسنج جيمارانجان، أحد المطاعم في مدينة الشيخ زايد بالقاهرة، تطلب الطعام من النادل باللهجة المصرية، ثم تتابع حديثها بلغة إنجليزية سليمة. سافرت “جيمارانجان” مسافة طويلة لكي تعمل ممرضة في إحدى ضواحي العاصمة المصرية، تسعة آلاف كيلومتر تفصل بين بلدها الفلبين وبين مستشفى دار الفؤاد.

في الوقت الراهن، توظف المستشفيات الخاصة المصرية عددًا كبيرًا من الممرضات الأجانب، من أماكن بعيدة مثل الهند وبلغاريا والجزائر. ثلاثة أرباع ممرضات الوحدة التي تعمل بها “جيمارانجان” من الفلبين.

تعاني مصر من نقص مزمن في عدد الممرضات. وبحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية لعام 2015، هناك 14.8 ممرضة وقابلة لكل 10.000 مصري. هذه النسبة لا تكاد تصل إلى نصف العدد النموذجي الذي يبلغ 28.6. ولا تعاني مصر من نقص حاد في الموارد البشرية إلى هذه الدرجة فيما يتعلق بالأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان. وفي ظل هذا الوضع، لجأ القطاع الخاص الطبي إلى الخارج من أجل سد العجز في وظائف التمريض، رغم ارتفاع أجور الممرضات الأجانب مقارنة بالمصريات.

للوهلة الأولى، يبدو هذا الاتجاه لتوظيف ممرضات غير مصريات مثيرًا للحيرة. إجمالي معدل البطالة نحو 13% في الوقت الراهن، من بينهم 30% من الشباب. وتوفر ثلاث مؤسسات تعليمية تدريبيًا للممرضات، كما يحمي قانون العمل المواطنين المصريين من منافسة الأجانب على الوظائف، ولا يمكن للشركات -نظريًا- توظيف غير المصريين إلا في حالة عدم تقدم مصريين مُؤهلين لنفس الوظيفة. ولهذه الأسباب، لا تعاني الممرضات المصريات من الحصول على وظيفة فور تخرجهن. ويقول محمد فقيه، مسؤول قسم التمريض بمستشفى السلام الدولي: “من الصعب العثور على ممرضة تبحث عن عمل في مصر”.

في ظل ارتفاع معدلات البطالة، وتوفر فرص العمل في هذا المجال، لماذا يحجم المصريون عن العمل في مجال التمريض؟. قام أيمن سباعي، باحث الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وطبيب متدرب، بتعقب حالة النفور الواسعة من الوصمة الاجتماعية.

يقول إن هناك بخس لقيمة التمريض. “يُنظر إليهم باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، لأنهم يقومون بخدمات أقرب إلى الخادمة أو عمال النظافة”. يرى سباعي إن ذلك التحيز الاجتماعي يتضح في تصور الثقافة الشعبية عن الممرضات، اللاتي يظهرن غالبًا في الأفلام والمسلسلات التليفزيونية باعتبارهن شخصيات كسولة وغبية وعديمة الكفاءة. اعترضت نقابة التمريض على هذه الصورة الإعلامية المشينة عام 2010، ولكنها لم تنجح في الضغط على وزارة الثقافة من أجل إلغاء عرض أحد مسلسلات رمضان، لأنه يظهر ممرضة فاسدة ومنحرفة أخلاقيًا.

المرتبات منخفضة كذلك. تحصل الممرضة على أجر يتراوح عادة من 1200 إلى 2500 جنيه مصري (نحو 135 إلى 280 دولار أمريكي) شهريًا في المستشفيات العامة. يؤدي هذا الأجر المتدني إلى عدم تحفيز المصريين على الدخول إلى مجال التمريض. ولم تنفذ الحكومة التزاماتها بموجب المادة 18 من الدستور بتخصيص نسبة 3% على الأقل من الناتج القومي للإنفاق على الصحة، رغم المطالبة بذلك في العام المالي 2016-2017. يرى سباعي أن هذا المزيج من الأمور الاجتماعية والاقتصادية يؤدي إلى عزوف الشباب الطموح عن مجال التمريض.

ترى حسنات نجيب، عميد المعهد الفني للتمريض بالجونة، وهو معهد خاص، أن التصورات المغلوطة عن قطاع التمريض تنبع من “الجهل بدور التمريض”. وتقول إن نقص التدريب الملائم للممرضة أدى إلى تفاقم المشكلة. يتلقى أغلب الشعب المصري علاجه في المستشفيات العامة. يؤدي هذا إلى احتكاك المريض بممرضات تنقصهن الخبرة، حصل أغلبهن على تدريب أوليّ فقط. تضيف حسنات أن ثقة الجمهور في الممرضات لن تزيد إلا عن طريق تحسين مستوى التدريب.

تختلف التصورات الاجتماعية عن التمريض بشكل ملحوظ في الفلبين عنها في مصر. تصف “جيمارانجان” الاحترام العميق للممرضات في وطنها. كانت والدتها تحلم أن تراها ممرضة، وساعدتها ماليًا لفترة طويلة حتى أصبحت ممرضة معتمدة. يجب أن يدرس الطلبة في الفلبين أربع سنوات في مدرسة تمريض قبل إكمال العديد من الدورات التدريبية الطبية من أجل الحصول على الترخيص، وعليهم أن يدفعوا مصاريفها. ولا يتم اعتماد الممرضة قبل اجتياز اختبار موحد. وعند سؤالها لماذا تخوض العائلات الفلبينية هذا المسار الطول؟، قالت “جيمارانجان”: “حين ترتدي الممرضة الزي الأبيض، تنال احترام الجميع”.

على عكس مصر، لدى الفلبين زيادة في عدد ممارسي مهنة التمريض المؤهلين. ونتيجة المنافسة القوية، تبدأ الممرضة في الفلبين حياتها العملية بدفع مبلغ لمستشفى محلي لكي تحظى بفرصة العمل كممرضة متطوعة. عملت “جيمارانجان” في ظل هذه الظروف في بلدها لمدة عشرة أشهر. مكنتها الخبرة في عملها غير مدفوع الأجر إلى الحصول على وظيفتها الحالية بمستشفى دار الفؤاد. وهي تعتبر عملها في مصر خطوة أولى في سبيل حصولها على فرص عمل أفضل في دول أخرى، وتتمنى العمل في الولايات المتحدة الأمريكية أو استراليا.

تؤكد “حسنات” على أن تحسين مستويات التدريب هي الطريق الأمثل لتغيير النظرة المجتمعية للممرضات. لقد تم إنشاء المعهد الفني للتمريض بالجونة عام 2010 بهدف توفير تدريب نظري على التمريض وفق المعايير الدولية. وتشجع “حسنات” بقوة خريجات المعهد على العمل في القطاع الخاص، حيث تحرص المستشفيات على توفير تدريب مستمر لأطقم التمريض، بينما تتمسك المستشفيات الحكومية بطرق تدريب قديمة.

يرى “فقيه” أن المستشفيات الحكومية والجامعية يجب أن تتجاوز التدريب على أساليب “المدرسة القديمة” في التمريض. إلا أن سبب المشكلة هو نقص الموارد المالية، خاصة في المستشفيات الجامعية المسؤولة عن تدريب أغلب ممرضات مصر. يقول “فقيه” إن الطلبة في هذه المؤسسات لا يتعلمون باستخدام أجهزة حديثة، ويقتصر التدريب على ما يمكن أن توفره الممرضة للمريض في المستشفيات الحكومية.

يعتقد “فقيه” أن هناك الكثير من الأشياء التي تتميز بها الممرضة الفلبينية: الاحترافية، وسرعة الاستجابة للمريض، وإتقان اللغة الإنجليزية. مثل هذه المهارات تجعل الممرضة الفلبينية لا تُقدر بثمن في المستشفيات التي تقدم الخدمة لمرضى لا يتحدثون اللغة العربية. طلاقة “جيمارانجان” في التحدث باللغة الإنجليزية جعلتها مرغوبة بشدة في مستشفى دار الفؤاد. يسعى البرنامج الذي تقدمه “حسنات” في معهد الجونة إلى علاج عيوب الممرضات المصريات، يلقي المحاضرون جميع المحاضرات باللغة الإنجليزية، ويجب على الطالبات حضور محاضرات مخصصة لإتقان اللغة الإنجليزية.

امتدح “فقيه” و”حسنات”، على الرغم من ملاحظاتهما، دور نقابة التمريض في محاولة الارتفاع بمستوى التدريب. وعلى مدار العقد الماضي، وفرت الجامعة البريطانية في مصر أحدث التقنيات في كلية التمريض، ولدى “دار الفؤاد” خطة لإنشاء أكاديمية للتمريض في المستقبل. أشاد سباعي بجهود المنظمات غير الحكومية، مثل جمعية مصر الخير، التي تهدف إلى توفير دعم تعليمي للممرضات العاملات بالمستشفيات الجامعية والحكومية.

في دولة تعاني من البطالة، يبرز التمريض كمجال قادر على توفير فرص للعمل. ولكن دون تمويل واستثمارات بشكل ملحوظ، ستظل ندرة الممرضات قائمة. يعترف فقيه بهذه الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، قائًلا: “لن تتردد أي مستشفى لديها الموارد في استقدام ممرضات أجانب”.

اعلان