Define your generation here. Generation What
هل أفسد الـ “ميركاتو” متعة كرة القدم؟
 
 

عُد إلى الموسم الإنجليزي المُنصرم، اضغط على قائمة لاعبي “أرسنال”، استبدل “كافاني” بـ “جيرو”، وأردا توران بـ “تشامبرلين” أو “وولكوت”، اذهب لقائمة “مانشيستر يونايتد”، ضع أدريان رابيو بدلًا من “فيلايني”، و”فاران” بدلًا من “بليند”، ولوكاس مورا بدلًا من آشلي يانج، انتقل لنهائي الـ “يوروبا ليج” وضع “مورينو” بدلًا من “كوينتراو” أو “كورزاوا”، و”كوفاسيتش” و”خيميس” بدلًا من “هندرسون” و”لالانا” على الترتيب، وأخيرًا حاول إنقاذ موسم الـ “بلوز” المنكوب بـ “ماركينيوس” في موقع “إيفانوفيتش”، “إيسكو” مكان “أوسكار” أو “فابريجاس”، و”خيسي” بدلًا من “هازار”؛ بقليل من الخيال عاد الـ “بريمييرليج” لبريقه، انتهت معجزة “ليستر” قبل أن تبدأ، وأنقذنا لتونا نصف مليار يورو عانت من الدكة وسوء التوظيف.

هايبر ماركت

طفت الحقيقة المفزعة للسطح لأول مرة بعد استطلاع رأي أجرته صحيفة “التليجراف” الإنجليزية عن أكثر أيام الموسم الكروي إثارة؛ احتدم النقاش حول ما إذا كان نهائي دوري الأبطال أم الـ “يورو” أم الـ “مونديال”، الإنجليز رأوا أن المعركة محسومة لأن مشاهدات ديربي الكراهية تجاوزت 238 تريليون شخص طبقًا لإحصائياتهم، قبل أن يتحد الـ “كتلان” والـ “مدريديستا” لأول مرة في التاريخ مؤكدين أن الـ “كلاسيكو” فوق الجميع، فقط ليكتشف الجميع أنهم ليسوا الجميع حقًا، لأن الجميع وقع اختياره على يوم لا يشهد عادة أية مباريات من الأصل؛ 31 أغسطس: آخر أيام نافذة الانتقالات الصيفية.

يبدو الأمر مألوفًا رغم غرابته؛ لا بد وأنك مررت بتجربة الطريق الذي كان أمتع من الرحلة نفسها، والشراء الذي حمل إثارة أكبر من الاستخدام الفعلي للمشتريات. ستندهش كم تتشابه تفاصيل حياتك الفعلية مع كرة القدم، بل الأحرى أنها تنعكس عليها مباشرةً، لذا يبدو اختيار الجماهير مفهومًا لحد كبير؛ لحظات الترقب والتطلع قبل أي حدث كبير هي الأكثر إثارة لأنها تعدك بأنه سيكون أروع مما تصورت، هذا بالطبع قبل أن يقع الحدث بالفعل وتكتشف غالبًا أنه –لسبب أو آخر- ليس كذلك.

كوميك على لقطة من مسلسل Game Of Thrones

تلك الدائرة المفرغة تغذي نفسها بنفسها: توقعات غير منطقية فإحباط متوقع ينتقم منه الجميع في أقرب فرصة بمزيد من الآمال غير المنطقية.. وهكذا. لذا صار زحام التسوق الهيستيري قبل الأعياد والمواسم مشهدًا مألوفًا لا يثير دهشة أحد، لأنك في الواقع لا ترى أناسًا خرجوا لابتياع ما يحتاجونه، بل مجموعة من المقهورين يحاولون التأقلم مع الواقع الجديد الذي قرر أن التسوق صار أمتع من الاستهلاك

عروض وتخفيضات

السبب، في حقيقة الأمر، هو أنه إلى جانب إيفاء الاحتياجات، اكتسب التسوق مع الزمن وظيفة جديدة وهي التعبير عن القدرة الشرائية؛ لا يوجد مبرر واحد لإنفاق آلاف الجنيهات الإضافية للحصول على هاتف جوال قبل موعد نزوله بشهرين إلا لو كان يتنبأ بالمستقبل، وبما إنه لا يفعل بالطبع فلا هدف من ذلك سوى إخبار الجميع بأنك تملك المال الكافي لذلك، وحتى أقوى الفرق تسعى لعقد صفقة واحدة على الأقل في الصيف حتى لو لم تكن تحتاجها، فقط لتثبت أنها موجودة وأنها ما زالت قادرة على الشراء.

تقدم “ريال مدريد” بعرض متأخر لضم ديفيد ألابا من الـ “بايرن” مقابل 65 مليون يورو، ولكنه قوبل بالرفض؛ أولًا لأن الـ “بايرن” ليس بحاجة للبيع وثانيًا لأن اللاعب نفسه أعلن عن رغبة صريحة في تغيير مركزه لوسط الملعب؛ الخط الذي يمتلك فيه الـ “ميرينجي” نجومًا تعاني من قلة المشاركة بدورها، لماذا؟، لأن هناك ضغط دائم من الجمهور لإبرام المزيد من الصفقات حتى لو كان الفريق يعاني من التخمة بالفعل، في ظل وساوس لحوحة دائمًا ما تخبرك أنك لا تملك ما يكفي لدخول صراع الموسم الجديد، ولا تمتلك كذلك الوقت للتفكير في حلول مبتكرة كإعادة توظيف لاعب آخر أو استثمار الملايين المنفقة سنويًا على قطاعات الناشئين بلا فائدة حقيقية؛ الحل دائمًا هو الشراء والمزيد منه، والحيرة رفاهية لا نملكها، فلنبتاع الجميع ثم نفكر لاحقًا.

من مسرحية تخاريف.

طَبَّق “باريس سان جيرمان” المقولة الأخيرة حرفيًا حينما أتى بـ “كافاني” من “نابولي” مقابل 65 مليون يورو بينما كان “إبراهيموفيتش” يحتل قلب الهجوم بالفعل، وقضى الأوروجواياني ثلاثة أعوام بائسة على الجناح كان بإمكانه خلالها التألق في أي نادٍ آخر في موقع يستحقه كمهاجم أساسي، لا يهم ما فقدته اللعبة بخروج “كافاني” عمليًا منها، ولا يهم ما فقده سفاح “نابولي” من بريق؛ المهم أن يحصل “باريس” على ما يريد وهو نجم بديل لزلاتان، وهو بالطبع ما لم يحظى به نادي العاصمة بعد رحيل الأخير، لأن “كافاني” وجد نفسه يبدأ مسيرته مجددًا في التاسعة والعشرين من عمره وقد نسي أغلب ما يعلمه عن الكرة، وهو الآن يدفع ثمن جشعه أو جهله أيهما أقرب.

“زلاتان” بدوره كان ضحية لصفقة أخرى ستظل لغزًا للأبد، حينما أنفق “برشلونة” 40 مليون يورو لاستبداله بـ “إيتو”، ولن نعلم متى ولا كيف ظن “بيب” أن الفارق بين الإثنين قد يعادل أكثر مما أنفقه لضم داني ألفيش، حتى جمهور الـ “كتلان” الذي دائمًا ما شعر بأفضلية ما في هذا الصدد بسبب الـ “لاماسيا” الشهيرة، كان على استعداد لتجريد ناديين بثقل “يوفنتوس” و”ليفربول” من أبرز أسلحتهم منذ شهور قليلة، فقط لأنهم بدوا جديرين بالضم؛ لا تسأل أين سيلعب “كوتينيو” في وجود نجم شاب كـ “نيمار” ما زال في الرابعة والعشرين من عمره، ولا إن كان من المنطقي أن يقضي “ديبالا” ثلاثة أو أربعة أعوام على الدكة في انتظار اعتزال “ميسي” أو انخفاض مستواه، لأنها تفاصيل لا تهم أحدًا على الأغلب، ولكنك تعلم الآن كيف تراكمت نصف مليار يورو على دكة البدلاء، وتعلم أنها كانت لتصبح عشرات المليارات لو تولى المشجعون إدارة نواديهم.

تكتمل الصورة بالعادة الغريبة التي اكتسبها جمهور اللعبة الحالي؛ التعامل مع اللاعبين وكأنهم سلع بالفعل. ستمر على مئة مشجع قبل أن تجد واحدًا يخبرك أن فريقه ليس بحاجة لصفقات جديدة، بل إلى مزيد من العمل والانسجام والثقة في الموجودين بدلًا من ذلك، وستمر على ألف آخرين قبل أن يتفهم أحدهم لماذا لم تبدو فكرة الانتقال لإسبانيا أو إيطاليا مغرية لـ “تشيك”، ولماذا لم يجبر عائلته على الرحيل وتعلم لغة جديدة والتعرف على أصدقاء جدد والتأقلم على مجتمع غريب بدلًا من أن يُتهم بالخيانة، وكيف لـ “باكا” أن يرفض دكة “برشلونة”؟ ألا يعلم أن توفير بديل لـ “سواريث” أهم من طموحه ورغبته في اللعب وإثبات ذاته؟

فيزا كارد

في أغلب التحليلات التي أعقبت الأزمة المالية العالمية في أواخر 2008 ذهب المختصون إلى أن أحد الروافد الرئيسية للأزمة كان سماح البنوك بالاقتراض بلا حساب ودون تخطيط مستقبلي أو دراسة لحالة المقترضين تؤكد ما إذا كانوا قادرين على سداد ديونهم فعلًا.

هل تساءلت يومًا عما حدث للـ “كالتشيو”؟ تعلم بالطبع أن “ميلان” لم يتأهل لآخر أربع نسخ من دوري الأبطال وأن “إنتر” عانى كثيرًا حتى مجيء “زانج” وأن “لاتسيو” و”بارما” ذهبا بلا رجعة لسجلات التاريخ. حسنًا، الفقرة السابقة تلخص ما حدث في الفترة بين 1995 و2005؛ ضغوط جماهيرية هيستيرية لا ترحم رؤساء الأندية ومُلاكها، وتطالب دائمًا بالإنفاق دون حساب لهثًا خلف سراب البطولة، يسأل الملاك: من أين سنسدد كل تلك الملايين التي تفوق أضعاف ما يجنيه النادي في عام كامل،؟ فيجيب الطليان في حماس مجنون واللعاب يتطاير من أفواههم؛ “يا لك من أحمق! من مكافآت الفوز بالسكوديتو بالطبع!”.

النتيجة أن الجميع يستدين ولا يفوز بالـ “سكوديتو” سوى واحد فقط، ويعود الباقون لمكاتبهم في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ليفاجأوا أن الجماهير ما زالت تطالب بالمزيد من الصفقات، والحجة دائمًا موجودة؛ إما أنه لم يتعاقد مع اللاعبين المناسبين أو المدرب المناسب أو التحكيم أو سوء الحظ الذي سيبتسم بالتأكيد في المرة القادمة. كل ما نحتاجه هو الاستمرار في اللعبة بصفقات جديدة وهذا لا يعني إلا قروض جديدة، لتستمر دورة الخبال التي أتت على الأخضر واليابس فيما كان يُعرف للكثيرين بجنة كرة القدم.

قانون اللعب اللطيف

تقول الأسطورة إن قانون اللعب النظيف وُضع لمواجهة أموال الخليج والروس في سوق الانتقالات، ولأنها أسطورة فالحقيقة أن العكس تقريبًا هو ما دفع الاتحاد الأوروبي لإصدار القانون.

في نهاية موسم 2008-2009 سجلت أندية الـ “بريمييرليج” دينًا إجماليًا قُدر بثلاثة مليارات باوند، أي ما يعادل مرة ونصف مما يحصلون عليه الآن في الموسم الواحد بموجب اتفاقية البث الجديدة مع شبكة “سكاي” الرياضية، يمكننا القول بإنها كانت القشة التي قسمت ظهر “بلاتيني” الذي صدم الجميع آنذاك بتصريحه الشهير عن نصف أندية أوروبا التي تخسر أكثر مما تربح.

بالطبع سارت الأمور على ما يرام للـ “بريمييرليج” وأنديته، ولكن الدافع الرئيسي خلف القانون كان الوضع المالي المزري لأندية “السيري إيه” التي بدأت تعاني آثار الإنفاق المجنون بين نهاية الألفية الماضية ومطلع الجديدة، في الواقع فإن ملاك أندية الـ “كالتشيو” كانوا أول من دعى لتطبيق القانون لأنهم أرادوا سلاحًا في مواجهة الجماهير الغاضبة المطالبة بمزيد من الإنفاق، بعضهم كان يُدفع دفعًا للمبالغة في تقييم حظوظه في الفوز بالمسابقة لإرضاء مشجعي الأندية المهووسين بفكرة التفوق على المنافس وسحقه، وقضاء عام كامل منتظر من النشوة عقب تحقيق البطولة، وبالطبع قبل كل ذلك المجد الشخصي؛ من الذي لا يحب دور البطل الشعبي الذي أتت أمواله بالـ “سكوديتو”؟

لم يعد مالك “إنتر”، ماسيمو موراتي، يحب هذا الدور كما مضى، ورأى أن الاستمرار في دعم النادي من ماله الخاص قد أصبح “غير محتمل”، على حد تعبيره، لكن هذا لم يغير من الأمر كثيرًا لأن “النيراتزوري” على وشك بداية دورة جديدة مع مالك جديدة بالأخطاء القديمة نفسها.

بين هذا وذاك تظل فكرة نفاق الجماهير مغرية للغاية؛ الجماهير دائمًا على حق والمُلاك ليسوا إلا مجموعة من الأوغاد البخلاء يخططون يوميًا لجعل حياتهم أكثر بؤسًا، بينما ألعن حالات التحول كان سببها العكس على الأرجح، لذا يمكنك لوم الـ “ميركاتو” كما تشاء، فهو ليس إلا مجرد نظام في النهاية، ولكن الأقرب إلى الواقع هو أن جشع الجماهير كان السبب غالبًا؛ نفس الجماهير التي تفضل الاحتفاظ بنجم واعد على الدكة بدلًا من أن يشكل خطرًا في الملعب بين صفوف نادٍ آخر ثم تتساءل في براءة عمَّ أفسد متعة كرة القدم.

اعلان