Define your generation here. Generation What
تشارلز سيميك: البحث عن الحساء!
 
 

صدر حديثًا عن دار الكتب خان كتاب السيرة الذاتية للشاعر الأمريكي تشارلز سيميك “ذبابة في الحساء” بترجمة الشاعرة إيمان مرسال. ربما يكون توصيف “سيرة ذاتية” ملتبسًا، خاصة أن فصول الكتاب تتراوح ما بين الذكريات الأولى للشاعر في طفولته بمدينة بلجراد وقت الحرب العالمية الثانية، ثم مراهقته وشبابه بين فرنسا والولايات المتحدة، ما بين السرد اليومي وأفكاره الخاصة عن الكتابة والشعر والفلسفة والفن.

ما أن فرغت من قراءة الكتاب حتى تساءلت، أين جملة العنوان في فصوله؟ لم أجد “ذبابة” إلا ما كان يزعج وجه والده، ولا حساء إلا ما أعجبه طعمه في المدرسة الفرنسية وكرهه زملاؤه. هل أراد سيميك القول إنه هو الذبابة في الحساء؟ السخرية التي مقصدها أنه ذلك الكيان المزعج “الزنان” المتحرك عشوائيًا، الذي وقع في فخ مسار عكَّر من صفو الحساء والذبابة معًا! ربما يكون الحساء هنا مجازًا لحياته، حيث يرى أنه “يمكن للمرء أن يكتب سيرته الذاتية عبر وصف كل وجبة استمتع بها في حياته، وستكون قراءتها أكثر متعة مما نقرأه عادة. بصدق، ما الذي تفضله، وصف أول قبلة أم الكرنب المطبوخ بإتقان؟”

هذه السخرية اللئيمة في العنوان، هي السمت العام للفصول المتتابعة؛ مشاهد تتراوح بين الحكي والتعليق الطريف عليها، متخلصا –بتعمد؟- من فخ السنتمنتالية، وهو الواعي بذلك جيدًا، أي عدم الوقوع في هذا الفخ السهل “هل صحيح أن المرء يتلبسه الحنين للأهوال عندما يتقدم في العمر؟” خاصة وأن محطات حياته وتحولاتها كانت في معظمها شديدة القسوة ومغرية بنسج ملحمة وبكائيات لها ما يبررها، هو الذي عايش قصف بلجراد، حيث تحولت البيوت المقصوفة المهدمة إلى مساحة لألعاب جديدة له ولأصدقائه رغم تحذيرات الأهل، وقاسى هو وعائلته من النازيين وشيوعيي “تيتو” في يوغوسلافيا.

ثم كانت رحلته العنيفة للهرب عبر الحدود إلى فرنسا، والتغريبة الباريسية، وهو في بدايات مراهقته وشعوره بالانفصال عن المدينة التي عاملته وأهله كدخلاء أحيانًا، ومتبطرين على الجنة الشيوعية تارة أخرى “لاحظت كم كانت ملابسنا قبيحة. كان الناس يحدقون بنا.. اقترب نادلو المقهى منا بحذر. كان لنا سمت من لا يدفعون بقشيشًا. في المحلات عاملونا كلصوص محتملين… بعد أسبوعين في فرنسا، أدركت أن لدي هوية جديدة. منذ ذلك الحين أصبحت الأجنبي المريب”. قبل أن يستقر مقامه في الولايات المتحدة التي رآها “عظيمة في بشاعتها وجميلة للغاية في نفس الوقت”.

في أمريكا، بدأت رحلة الذات في البحث عن “هويتها” الفردية في مواجهة التغيرات الحادة، أول تعاطياته مع الفن: التشكيل والكتابة. نشأة علاقة شديدة الخصوصية مع والده “جورج سيميك” الذي اعتبره صديقًا أكثر منه أبًا، وهو الشخصية الدرامية بامتياز، الرجل المخلص للمتعة الوقتية على حساب الواجبات. لم يستطع سيميك التخلص من أسر فتنته ولم يخف إعجابه به.

نجد أنفسنا في الكتاب أمام مسارين: الأول يحكي تفاصيل النشأة والبدايات بكل ما فيها من زخم “هل كان العالم حقًا رماديًا وقتها؟ في ذكرياتي المبكرة كان العالم دائماً في أواخر الخريف”، والثاني يسرد سيرة الكتابة وتطورها، حتى تنتهي فصول الكتاب الأخيرة بأفكاره عن طبيعة الشعر وماهيته وجمالياته وعالمه.

تبدأ سيرة الكتابة ككشف، كمحاولة أخرى لفهم الذات والتعاطي معها “في المدرسة، انجذبت إلى الطلاب المهتمين بالفن. في يوم اعترف اثنان من أصدقائي أنهما يكتبان الشعر. طلبت منهما أن أقرأه. لم يعجبني ما قرأت. ذهبت إلى البيت وكتبت بعض القصائد بنفسي من أجل أن أبيّن لهما كيف يجب أن يُكتب الشعر. في البداية كان فعل الكتابة والانطباع الأول عنها ممتعًا. لكن لدهشتي، أدركت أن قصائدي ليست أقل غباء من قصائدهما. لم أفهم السبب في ذلك. هذه المحاولة جعلتني أنتبه للشعر بطريقة مختلفة. قرأت أنطولوجيتين للشعر محاولًا أن أتكهن بالسر. حاولت أن أكتب مرة أخرى، لم تتحسن كتابتي. بالتأكيد، كل شيء بدأ عندما كتبت بغرض نيل إعجاب أصدقائي، ولكن وقتها، ومن خلال عملية الكتابة، اكتشفت جزءًا من نفسي، مخيلة ورغبة في التعبير عن أشياء محددة لا أريد نسيانها”.

يكتب سيميك وكأنه يفكر بصوت عالٍ، يحكي لمجموعة من الأصدقاء في ليلة لطيفة مع عدد من زجاجات النبيذ، يخفف الأهوال بطرافة الحكي. لكني أحيانًا أرتبك أمام هذه الخفة التي قد تصل إلى الافتعال. صحيح أن كتابة المآسي لم تعد لها جاذبيتها الكلاسيكية، لكن نفيها بتعمد يوقعها في نفس الفخ كذلك، عبر استعادة نقيضها، مثل ذلك الموقف المربك الذي حكاه عن لقائه بشاعر أمريكي كان ممن قصفوا مدينة بلجراد، وكان من المحتمل أن يكون من ضحايا هذا القصف:

“ذهبت إلى تجمّع أدبي في سان فرانسيسكو حيث قابلت بالصدفة الشاعر ريتشارد هيوجو في مطعم. تحدّثنا، سألني كيف قضيت الصيف، أخبرته أنني عدت للتو من بلجراد.

قال: “آي نعم، بإمكاني أن أرى هذه المدينة جيدًا”

دون أن يعرف خلفيتي، انطلق يرسم على مفرش المائدة، بقطع الخبز وبقع النبيذ، موقع المبنى الرئيسي لمكتب البريد، الكباري على نهريّ الدانوب والسافا، وبعض المعالم الأخرى الهامة. دون أية فكرة عن معنى ذلك، مفترضًا طوال الوقت أنه زار مرة المدينة كسائح، سألته كم من الوقت قضى في بلجراد.

أجابني: “لم أزرها أبداً، أنا فقط قصفتها عدة مرات”. بذهول من المفاجأة، اندفعت قائلاً لقد كنتُ هناك وقتها وأنني أنا من كان يقوم بقصفه….

أكدتُ لهيوجو أن ذلك بالضبط ما كنت سأفعله لو كنتُ مكانه، لكنه استمر يطلب الغفران ويبرر موقفه… بَدونا كلاعبين صغيرين مرتبكين في أحداث أكبر من سيطرتنا. هو على الأقل اعترف بمسؤوليته عما فعل، هذا ما لا نسمع به في حروب اليوم الآمنة حيث الموضة هي تحميل مسئولية الأخطاء على التكنولوجيا. هيوجو كان رجلاً يتمتع بالنزاهة، واحدًا من أفضل الشعراء في جيله، وقد يبدو غريبًا أنني لم يخطر ببالي أن ألومه على ما قام به”.

في هذه الحكاية المربكة، تبدو ردة فعل سيميك مصداقًا لما حدث به نفسه لاحقًا عن غرامه بالرومانسية الفرنسية القديمة ” قلتُ لنفسي: “إذا لم تنتبه يا سيميك، فسوف ترتدّ عن كونك حداثيًا، وستصبح رومانسيًا لا محالة” غير أن الحكاية تضعه في موقف هو في بعده عن الملحمة –أحيانًا- بعيد كذلك عن ضعفه الإنساني.

لعل أفضل فصول الكتاب وأجملها كتابة وأفكارًا هي الأخيرة، التي يقع الشعر في مركزها، حيث رأى أن كتابة الشعر هي ممارسة لفعل الحب بين الكلمات “مثل الذباب في حر الصيف، والقصيدة هي نتاج الصدفة بنفس درجة كونها نتاج القصد، ربما أكثر من ذلك.” ( على الهامش هذا موضع آخر للحديث عن الذباب في الكتاب!)

هنالك مقولة يتجاوز عمرها الخمسين عامًا، مفادها أن الشعر في أزمة، وكتابته وصلت إلى “حائط سد” لا يمكن اختراقه أو الالتفاف حوله، لم تعد ثمة تجارب شعرية لافتة قادرة على تأسيس تيار فني خارج الراكد والمستقر، ويرد سيميك على هذه المقولات: “التكهنات بموت الشعر، التي نقرأها كثيرًا، خاطئة تمامًا، مثلها مثل معظم تخمينات المثقفين في هذا القرن. يُثبت الشعر مرة بعد أخرى، أن نظرية جامعة مانعة عن أي شيء ما هي إلا نظرية تافهة. الشعر هو دائما سيمفونية القط تحت شباك الغرفة التي تُكتب فيها مسودة رسمية عن الواقع. ينتقد الأكاديميون الكاتب، على سبيل المثال، يقولون إن الشعر أداة أيديولوجيا الطبقة الحاكمة وإن كل شيء سياسي. جلادو آنا أخماتوفا هم قديسوهم الراعون. ولكن ماذا إذا لم يكن الشعراء مجانين؟ ماذا لو كانوا يمسكون بحسّ اللحظة التاريخية أفضل من الآخرين؟ بالتأكيد، يشتبك الشعر بالجوهري وبما يتم تجاهله في البشر، وتلك القيمة التي لا يمكن وصفها هي ما يضمن للشعر بقاءه. يقول إميل سيوران: “كي تنظر إلى ماهو جوهري… استلق على ظهرك طوال النهار، وأنت تئن” الشعر أكبر من ذلك بالطبع، وهذه مجرد بداية للحديث عنه.”

هذا الكتاب تجربة شديدة الإثارة، تجعل الصفحات الـ 317 تبدو بمثابة مغامرة بصرية ممتعة للغاية، تأسف لانتهائها، ينهيها سيميك بمشهد البداية، حيث بداية تشكل “ذاكرته”، كأن الذبابة التي مضت من يوغوسلافيا إلى فرنسا واستقرت في أمريكا، تمضي في دوائر تعيدها إلى حساء الحياة في صحن دائري من المجاز والحكايات.

اعلان