Define your generation here. Generation What

بناء الكنائس: الكنز في المعركة وليس في القانون

انتهت ملحمة صدور قانون بناء وترميم الكنائس الأسبوع الماضي، والتي احتاجت إلى ما يزيد عن 17 جولة من المفاوضات السرية والصعبة بين الحكومة وثلاثة ممثلين للكنائس المصرية الكبرى؛ الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، فقد أصدر مجلس النواب القانون المعيب كما أرسلته الحكومة له بعد مناقشات لم تزد عن ست ساعات، هُمّش خلالها دور أعضاء مجلس النواب، ولم يُستجب لمقترحات من تحدث منهم، وانتهت بمشهد عبثي، تصدره هتاف رئيس المجلس والأعضاء عن الوحدة الوطنية، في نفس اللحظة التي أعيد فيها إنتاج تشريع غير دستوري يقنن التمييز الديني.

تجاهل البرلمان والحكومة حالة الرفض المجتمعي لهذا القانون، والتي جسَّدتها تحركات عديدة لقطاع من مؤسسات المجتمع المدني، من أبرزها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مجموعة مصريون ضد التمييز الديني، تنسيقة المواطنة، وعدد من الأحزاب المدنية وبعض الشخصيات العامة التي نظمت فاعليات متنوعة لتقديم نماذج للمشاكل على أرض الواقع، مع مقترحات لضمان تحقيق الهدف من النص الدستوري بإتاحة حرية ممارسة الشعائر الدينية مع الحفاظ على المساواة بين جميع المصريين وعدم التمييز بينهم بسبب الهوية الدينية، والتحذير من خطورة إقرار القانون بالشكل الذي توافقت عليه الحكومة مع الكنائس المصرية.

بعد إقرار القانون، أصبح موقف مؤسسات الدولة من قضايا المساواة وحماية حقوق مواطنيها واضحًا، فقد انحازت الدولة لانتهاج سياسات تمييزية، بعدم وضع قانون موحد لدور العبادة، فهناك قانون خاص ببناء الكنائس يختلف في فلسفته وأهدافه عن القانون الذي ينظم بناء المساجد، وبينما يتيح الأخير البناء بتحقيق اشتراطات لها علاقة بالسلامة الإنشائية وملكية الأرض وموافقة وزارة الأوقاف كجزء من الترتيبات الإدارية والمالية للمساجد، فرض قانون بناء الكنائس قيودًا شديدة على البناء والترخيص بشروطه المجحفة، ومن أبرزها موافقة محافظ الإقليم على وجود كنيسة وممارسة الشعائر الدينية، والتي تحددها معايير عدة، قد تأتي في مقدمتها حالة الأمن في المنطقة، واعتراض أو قبول الأغلبية السكانية فيها، كما ألزم القانون المسيحيين بالحصول على موافقة المحافظ عند القيام بأي إجراء على الكنيسة، كالترميم والتوسيع أو حتى تعديل أحد الحوائط، وهو قيدٌ يجعل من مسؤولية الأمن مراقبة الكنيسة ومتابعة ما يحدث داخلها وليس حمايتها فقط.

بطبيعة الحال، تتحمل لجنة الخمسين التي أقرت دستور 2013 الجزء الأكبر من هذا الوضع، فقد أُقرت مادة في باب الأحكام الانتقالية تلزم البرلمان في أول فصل تشريعي بضرورة وضع قانون لبناء الكنائس لإتاحة ممارسة الشعائر الدينية، وليس قانون لبناء دور العبادة. لكن هذا الخطأ من جانب لجنة الخمسين لا يبرئ النظام الحالي من مسؤوليته، وكانت الحكومة ومجلس النواب من بعدها يملكان خيارات أخرى كثيرة للتعامل مع هذا النص، سواء بإجراء تعديل دستوري أو بنقل الفلسفة التي صيغ بها قانون تنظيم بناء المساجد إلى هذا القانون، من حيث التسهيلات ووضع شروط خاصة بالبناء، فقط مع مراعاة الفروق بين المؤسسات الدينية الإسلامية والكنائس في ممارسة أدوارها، أو حتى تأجيل إقرار القانون مع طرحه للحوار المجتمعي من أجل منح مزيد من الوقت للوصول إلى تشريع يصون حقوق المواطنة.

طالما انتقد الأقباط مع قطاع واسع من المواطنين المسلمين المؤمنين بمبادئ الدولة المدنية التشريعات المنظمة لبناء الكنائس، والتي كانت تجعل من بناء وترميم كنيسة عملية صعبة جدًا، وطالبوا الرئيس الأسبق حسني مبارك بتغيير هذه التشريعات، خصوصًا بعد إضافة مادة المواطنة في العام 2007 لدستور 1971، والتي نصَّت على اعتبارها الأساس الذي يقوم عليه نظام الحكم. وقتها كان النظام الحاكم يماطل ويرتكن لكونه ورث هذه التشريعات منذ عقود طويلة، ولأن الوقت غير مناسب لتغييرها. أما الآن، فلا حجج أمام النظام الحالي لتبرير مسلكه الطائفي بإقرار قانون تمييزي، يعلن وبوضوح أن الدولة تصنف مواطنيها حسب الدين، كما لا يستقيم حديثه عن الدولة المدنية وفصل الدين عن السياسة مع إصدار هذه القانون.

نأتي إلى دور قيادات الكنيسة، التي ارتكبت أخطاء كارثية لا تقل عن تلك التي ارتكبتها مؤسسات الدولة خلال صناعة هذا القانون، حيث فضلت احتكار المناقشات مع الحكومة، ثم التوافق لإصدار هذا القانون الطائفي بدلًا من الاستجابة للمطالب العديدة برفض تمريره بهذه الصورة. تمسكت الكنائس المصرية خلال مناقشاتها مع الحكومة بمبدأين، أولهما احتكار تمثيل الأقباط بدون مشاركة نخب مدنية، وحتى من القريبة منها، وهو نمط في التعامل مفضل لدي أجهزة الدولة، يعتبر الأقباط رعايا للكنيسة التي تمثلهم أمام الدولة، أما المبدأ الثاني، فمفاده أن قانونًا لتنظيم الكنائس هو أمر يخص رجال الدين فقط، بدون مشاركة أحد، وهو تصور خاطئ، حيث أن قانونًا بهذه الأهمية يهم جميع المصريين.

اختارت الكنائس شخص الأنبا بولا أسقف طنطا والمسؤول عن التنسيق مع مؤسسات الدولة لقيادة وإدارة المناقشات مع الحكومة، وهو شخص عليه علامات استفهام كثيرة، وأثبت فشلًا ذريعًا في إدارة الملفات المهمة المُسندة إليه، بداية من ملف الأحوال الشخصية طيلة ما يزيد عن ثلاثين عامًا، مرورًا بعضوية اللجنة التأسيسية أثناء دستور جماعة الإخوان المسلمين، والتي اضطر للانسحاب منها تحت ضغط النخبة القبطية الرافضة للدستور الديني. ثم دوره كممثل للكنيسة والأقباط في لجنة الخمسين التي وضعت دستور 2013، وتأييده للاتجاهات التي تطالب بالتمييز بين بناء المساجد والكنائس، فقد كان له دور في النص الدستوري بوضع قانون خاص لبناء الكنائس، وانتهاء بتولي هذا الأسقف بالتعاون مع الأجهزة الأمنية اختيار المرشحين الأقباط على قوائم “في حب مصر” تطبيقًا للتمييز الإيجابي المنصوص عليه دستوريًا، وجاءت الترشيحات بناءً على رضا رجال الدين وأجهزة الدولة، بغض النظر عن معايير الكفاءة والاستحقاق، وهو ما انعكس على دور هؤلاء النواب في المجلس وعدم قدرتهم على اتخاذ مواقف جادة تجاه القانون أو مناقشة أحداث العنف الطائفي التي شهدتها بعض المحافظات خلال الشهور الأخيرة.

خاض الأنبا بولا، الذي يملك إحساسًا مريضًا بالعظمة، المناقشات الماراثونية مع الحكومة من منطلق طائفي لا يختلف كثيرًا مع أفكار التيارات السلفية، وأظهر ازدواجية واضحة المعايير، فبينما طالب بعدم خلط الدين بالسياسة، كان في نفس الوقت يدعم تمثيل الكنيسة، بل عدد محدود من كبار رجال الدين، للأقباط سياسيًا، مع تهميش النخبة القبطية المدنية.

البدايات الخاطئة تقود بالضرورة إلى نهايات خاطئة، فهذا السلوك الإقصائي من جانب الكنيسة، التي اعتمدت على سرية المناقشات، كان نتيجته الفشل الذريع في التعامل مع حيل الحكومة ومراوغاتها، وإنهاكها في تفاصيل مبهمة بعيدًا عن فلسفة ومضمون القانون وصياغاته، وأصبحت الكنيسة في موقف لا تحسد عليه؛ هل تتراجع وترفض مشروع القانون المقدم من الحكومة، فيتسق موقفها مع الرأي العام القبطي الرافض للمشروع، أم تقبله كي لا تغضب النظام الحاكم الذي كان ليطلق إعلامه لنقد موقف الكنيسة واتهامها بأنها المسؤولة عن تعطيل القانون. اختارت الكنيسة التوافق مع الحكومة على ما أسمته الحد الأدنى المتاح، وحتى عندما أعلنت الكنيسة الأرثوذكسية عن غضبها من إدخال الحكومة بعض التعديلات المهينة على القانون، لم تُستغل هذه الفرصة للتحصن بالرأي العام الرافض للقانون وفلسفته التمييزية، من أجل فرض مزيد من الضغوط على الدولة، لكنها تراجعت وأصدرت بيانًا في منتصف الليل عن توافقها مع الحكومة على صياغة مناسبة.

مثلت موافقة الكنائس الثلاث على مشروع القانون الذي أُرسل لمجلس النواب فرصة ذهبية للنظام الحاكم لتمرير القانون بلا ضجة، وغلت أيدي أعضاء المجلس الداعمين لإصدار قانون موحد لدور العبادة، واضعة إياهم في موقف محرج. وهو ما ظهر عندما طالب البعض بتعديل المادة الثانية التي تربط مساحة الكنيسة بعدد الأقباط ومدى احتياجهم، فكان رد رئيس المجلس وممثل الحكومة هو أن الكنائس موافقة على هذه المادة. كما سهَّل وجود هذا القانون الذي يحتقر الأقباط ويسميهم “الطائفة المسيحية” في عدة مناسبات من سكوت نواب التيار السلفي وعدم إثارتهم أي ضجة أثناء المناقشات والاكتفاء بالرفض التلفزيوني.

لم ينه إقرار القانون الجدل حول مضمونه أو حده الانتقادات الموجه إليه، والتي وصلت إلى حد مخالفة عدد من رجال الدين المسيحي المشهورين، لرؤسائهم وإعلانهم رأيهم بحدة، وكان منهم القمص مكاري يونان المعروف عنه دعمه للنظام الحاكم ورئيس الجمهورية، والذي قال في عظته الأسبوعية الجمعة الماضية إن القانون يعبر عن عنصرية واضحة جدًا، وإنه يمثل فضيحة لمصر، أما الأنبا مكاريوس أسقف المنيا وأبو قرقاص، فقد أكد على وجود تخوفات من طريقة تطبيق القانون، كما انتقد وجود ألفاظ غامضة ومطاطة يمكن استخدامها للتهرب من إصدار التصاريح.

لم تكن معركة صدور قانون بناء الكنائس كلها سلبية، فقد انطلقت مبادرات شعبية مصممة على مواصلة جهودها لإسقاط القانون، عبر عدد من الأنشطة، في مقدمتها البحث عن حالة واقعية لبناء أو ترميم كنيسة تعنتت الحكومة في منحها التراخيص اللازمة، ثم التوجه بها إلى المحكمة الدستورية العليا برفع دعوى قضائية والطعن بعدم دستورية القانون، وبرصد وتقييم تطبيق القانون خلال الفترة القادمة، وفضح أية انتهاكات من جانب السلطة لحق ممارسة الشعائر الدينية.

قد تكون معركة إصدار القانون قد انتهت بانتصار الطائفية، لكن ما حدث هو فصل واحد من معركة نضالية طويلة حتى تكون مصر دولة مدنية بشكل حقيقي، وليس بشعارات مزيفة كما هو الواقع الآن، وفي مقدمة ذلك خروج المسيحيين من تحت عباءة سلطة الكنيسة، ولعل ما حدث خلال إصدار قانون بناء الكنائس فرصة لنزع القداسة عن أي شخصيات دينية مهما ارتفع شأنها، فهم بشر خطاؤون مثلنا.

اعلان
 
 
اسحق إبراهيم