Define your generation here. Generation What
عودة العلاقات المصرية التركية: خيار الضرورة
 
 

في السنوات الثلاثة الماضية كان اللعب في المنتصف هو السمة الغالبة على السياسة الخارجية المصرية، وبعد الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين وقعت معظم العلاقات الدولية للدولة في الطيف الرمادي. تفاهمات هنا وتناقض هناك، مصالح متفق عليها ونقاط خلافية محفوظة. وبقي القطب الأسود في العلاقات الدولية ضيق للغاية، وفي القلب من هذا القطب ظلت العلاقة المتوترة مع تركيا.

اتُهمت مصر بتعطيل صدور بيان بالإجماع كان مقررًا أن يصدره مجلس الأمن لإدانة محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا. الأتراك بدورهم ردوا على هذه الاتهامات، وقالوا إن “موقف مصر من الانقلاب مفهوم”، في إشارة النظرة التركية للنظام السياسي المصري، التي تلخصت في وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لنظيره المصري عبد الفتاح السيسي بأنه “انقلابي، ليس له أي علاقة بالديمقراطية من قريب أو بعيد”.

وكانت مصادر دبلوماسية من اتجاهات مختلفة قد قالت إن مصر عطلت صدور بيان من مجلس الأمن، اعتراضًا على جملة تدعو جميع الأطراف إلى احترام الحكومة المنتخبة شرعيا. وفي حينها قالت الخارجية المصرية على لسان متحدثها الرسمي إن هذا النوع من البيانات لا يحتاج إلى الإجماع في مجلس الأمن.

أسابيع قليلة، وفي ظل هذه الأجواء الواضحة، قررت الدولة التركية إعادة رحلاتها الجوية إلى شرم الشيخ، وأكد رئيس الحكومة التركية في مؤتمر صحفي رغبة بلاده في عودة العلاقات مع مصر. ومن الناحية الأخرى، فالدولة التي امتنعت عن إدانة انقلاب واضح، تراجعت عن حدتها، إذ أصدرت الخارجية المصرية بيانا أدانت فيه تفجير إرهابي في تركيا. إذن، ماذا حدث؟

الصورة الكاملة

الصحفي اللبناني المختص بالصراع التركي- الكردي، وسام متّى، يؤكد لـ”مدى مصر” أن الصورة يجب أن تكتمل بالرؤية البعيدة لمجمل التحولات الكبيرة التي تجري في الساحة التركية، خاصة على مستوى السياسات الإقليمية.

ويوضح “متّى”: “منذ وصول أردوغان إلى الحكم سعت تركيا إلى تعزيز نفوذها الإقليمي بأدوات عدّة. الهدف الاستراتيجي التركي عبّر عنه وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو في كتابه (العمق الاستراتيجي)، الذي يتناول سبل تأمين الأمن القومي التركي، وكيفية توظيف تركيا لموروثها التاريخي والجغرافي في سياستها الخارجية، وإخراج تركيا من دورها الهامشي، أثناء الحرب الباردة، ونقلها إلى بلد محوري ومؤثر دوليًا”.

ويستطرد: “من هذا المنظور، وبعد موجات الربيع العربي، رأت تركيا أن الفرصة سانحة لضمان وصول حكومات موالية لها، سواء في سوريا أو مصر أو المغرب العربي، إلى الحكم، خصوصًا أن من شأن دعم تلك الحكومات (التي قامت بالفعل في دول معينة، واستحالت في دول أخرى) تهميش الدور السياسي للسعودية (البلد الموصوف بأنه الأكثر محافظة وعداءً لحركة الشعوب العربية)، إلا أن لحظة 30 يونيو وتغيرات إقليمية أخرى شكلت عائقًا كبيرًا أمام هذا المسعى”.

بطبيعة الحال، اتخذ التحول الذي أصاب السياسة الخارجية التركية، منحنى زمنيًا طويلًا نسبيًا، وملحوظًا بدرجة كبيرة، تخللته أمور عدة، تحديدًا في ما يخص السياسة الروسية والأميركية في المنطقة، بالإضافة إلى التحولات الميدانية في مصر وسوريا والعراق.

سوريا وأمريكا وروسيا

هنا، يكمل “متّى” الصورة منذ بداية التحول، ويقول: “هزيمة نظام الإخوان المسلمين في مصر كانت نتيجتها العملية سقوط الزاوية الثانية في الهلال التركي من حسابات أردوغان، خصوصًا أن كل الضغوط التي حاولت تركيا ممارستها لتقويض الحكم المصري الحالي باءت بالفشل. وهنا كانت بداية انهيار الميل الاندفاعي لأردوغان تجاه قضايا المنطقة. ولم يكن الأمر أفضل حالًا في سوريا. مع بدء التدخل العسكري الروسي وقبله التدخل الاميركي، ودخول إيران كلاعب فاعل في المعادلتين العسكريتين في سوريا والعراق، بدا أن الامور قد خرجت عن الصورة التي تخيلها الأتراك للصراعات”.

ويفسر “متّى” أنه “في ما يتعلق بالولايات المتحدة، فقد اتضح حجم الهوة بين أنقرة وواشنطن منذ معركة كوباني، وما تلاها من تقدم للأكراد على أكثر من جبهة في الشمال السوري. وفي ما يتعلق بروسيا، كان واضحًا أن ثمة تعارضًا كبيرًا في السياسات على خط موسكو-أنقرة، بلغ حد المواجهة العسكرية، سواء المباشرة مع إسقاط طائرة السوخوي، أو غير المباشرة عبر دعم تركيا المجموعات الإرهابية مثل داعش وجبهة النصرة”.

كانت الولايات المتحدة قد أعلنت خلال الشهور العديدة الماضية دعمها المباشر لقوات سوريا الديمقراطية (تحالف القوات الكردية في سوريا ويضم أيضًا بعض الميليشيات السورية العربية). وبدورها أعلنت القوات الكردية تنسيقها مع سلاح الجو الأميركي في الحرب على داعش.

فيما بلغ التوتر بين أنقرة وموسكو ذروته في نوفمبر الماضي عقب إسقاط القوات التركية لطائرة سوخوي حربية كانت ضمن القوات الروسية العاملة في سوريا. وبعدها تبادل البلدان العقوبات الاقتصادية والسياسية. واستمرت حالة التوتر بينهما إلى عدة أشهر، إلا أن الأسابيع التي سبقت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا شهدت مراجعات سياسية واضحة بينهما.

ما فعله الانقلاب

وعلى الرغم من أن الحديث عن تحولات السياسة الخارجية التركية بدأ منذ أسابيع طويلة، حتى ما قبل محاولة الانقلاب، إلا أن لحظة الانقلاب شكلت منحنى دراماتيكيًا تغيرت معه مواقف سياسية كاملة، وكأن هذا التحول كان جزءًا من رد نظام أردوغان على الانقلاب.

هنا، يقول دبلوماسي عربي مقيم في تركيا: “إذا كنا نريد قراءة السياسة التركية بشكل جيد، فعلينا أولا تحديد ما كانت عليه، وكيف تغيرت، ثم نقرأ ما قد تقدم عليه”.

ويضيف الدبلوماسي، الذي تحفظ على ذكر اسمه: “مثّلت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا علامة قاسية للحكومة التركية أن طريقتها في التعامل مع قضايا المنطقة لم تكن على قدر كاف من المسؤولية، نستطيع الحديث عن مصر مثلًا، في الوقت الذي استطاعت فيه الحكومة المصرية انتزاع اعتراف دولي بشرعيتها من أكثر الدول ديمقراطية، وهذا يحسب للخارجية المصرية، أصرّ أردوغان على قطع الشعرة الأخيرة مع الحكومة المصرية. هذا يصلح موقفًا سياسيًا مبدئيًا، لكن العلاقات الدولية لا تحتمل هذا النوع من المواقف طوال الوقت. ونستطيع هنا أيضًا أن نضرب المثال بكل ما قيل عن التسهيلات التي قدمتها الحكومة التركية لمقاتلين التنظيمات المسلحة في سوريا، فبدت الصورة أن الانقلاب في تركيا قد يكون خطوة على الطريق في سبيل القضاء على داعش وباقي التنظيمات المسلحة”.

فيما يكمل “متّى” الحديث قائلًا: “بطبيعة الحال، كان للانقلاب أثر كبير ومتداخل في التحول العام في السياسة التركية. ولا بد من التذكير أن المحاولة الانقلابية أتت بعد أيام من المصالحة التركية-الروسية، وبدا الأمر بالنسبة إلى أردوغان كما لو أن حركة الضباط كانت رسالة من الأمريكيين له على خلفيات متعددة، من بينها التقارب مع روسيا، ووقوفه حجر عثرة أمام محاولات ضرب داعش.. النتائج العملية للمحاولة الانقلابية هي أن أردوغان -وبصرف النظر عمّا تردد أن الروس أبلغوه قبل ساعات من الانقلاب بحركة الضباط- قد اقتنع بضرورة إجراء تحول دراماتيكي في السياسة الخارجية”.

يزيد الصحفي اللبناني في سرد المزيد من التفاصيل: “رغم فشل الانقلاب، إلا أنه تسبب في هزة عنيفة في الداخل التركي، ما أجبر أردوغان على الانكفاء داخليًا، وتأمين الجبهة الخارجية بأكبر قدر ممكن من الاستقرار، وبالتالي الدفع في اتجاه متقارب مع باقي الأطراف الفاعلة في المنطقة”.

بداية التحول الفعلي كانت عقب أيام من فشل الانقلاب العسكري في تركيا، وتجلى ذلك في المؤتمر الصحفي المشترك الذي ضم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين مطلع الشهر الماضي (أغسطس)، والذي قال فيه بوتين إن أهداف كل من روسيا وتركيا في سوريا “متطابقة”.

بعد أيام من المؤتمر الذي جمع الرئيسين في سان بطرسبرج، وقف رئيس الحكومة التركي بن علي يلدرم في مؤتمر صحفي ليقول إن بلاده تسعى لتطوير علاقتها مع مصر خاصة على مستوى الملف الاقتصادي. ومن الناحية المصرية جاء الرد الأول من وزير الخارجية سامح شكري الذي قال إن “مصر لم تنتهج أي سياسات تضر المصالح التركية، وكانت دومًا منفتحة على علاقات جيدة مع الشعب التركي”. ثم تلاه رد آخر من الرئيس عبد الفتاح السيسي بتأكيده أنه “لا يوجد ما يستوجب العداء بين الشعبين التركي والمصري”.

وعلى المستوى العملي، بدا أن الملف السوري كان أول جبهات تحول السياسة الخارجية وأكثرها وضوحا.

وكتب الصحفي اللبناني محمد بلوط، وهو واسع الاطلاع بالشأن السوري، تقريرا بعنوان “مدينة حلب لسوريا.. وجثة المشروع الكردي لتركيا”. عرض فيه تفاصيل تنسيق أمني بدأ بالفعل بين سوريا والعراق وتركيا في سياق مواجهة النفوذ المتنامي لتنظيم داعش، وفي إطار مساعي حل الأزمة السورية.

وتناول التقرير تفاصيل اتفاق سياسي بين سوريا وتركيا مقتضاه أن تغلق تركيا الحدود أمام حركة المسلحين وتسحب دعمها لبعض التنظيمات المسلحة في سوريا، وفي المقابل تضمن سوريا لتركيا تقويض نفوذ الأكراد في الشمال السوري.

تطابقت هذه التفاصيل مع كلام سياسي سوري قريب من حكومة الأسد، قال لـ “مدى مصر” إن “النظام (السوري) لديه قناعة أن الأتراك اقتنعوا تماما باستحالة الحل المسلح وقررت أخيرا التماشي مع الإرادة الدولية في إنهاء الأزمة بالشكل السياسي، وعلى هذه القواعد الحكومة مستعدة للتعاون مع أي طرف”.

وجاءت هذه التفاصيل قبل ساعات معدودة من قرار تركي ببدء حملة عسكرية (درع الفرات) في الشمال السوري، اشتبكت فيها مع قوات الحماية الكردية والمجلس العسكري في جرابلس، وهما جزء من قوات سوريا الديموقراطية، التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي. وكانت مصادر تركية متقاطعة أكدت أن وزير الخارجية مولود تشاووش أوجلو أطلع كل من روسيا وإيران والولايات المتحدة على العملية التركية في سوريا، على الرغم من أن الأطراف الثلاثة أبدوا تحفظهم عليها.

وسبق التدخل التركي في شمال سوريا، غارات جوية عديدة نفذها الطيران الحربي السوري على مواقع حزب الاتحاد الديموقراطي في الحسكة شمالي سوريا، وكانت هذه المرة الأولى منذ بداية الحرب السورية التي تحدث فيها مثل هذه المواجهة المباشرة بين النظام والأكراد.

ما بعد القطيعة

بنفس دراماتيكية التحول، على المستوى المصري، تؤكد المؤشرات أن الاتجاه السائد لدى الطرفين المصري والتركي يذهب في اتجاه تطبيع العلاقات بعد قطيعة السنوات الثلاثة الماضية.

يقول المحلل السياسي التركي المختص بالعلاقات العربية، كمال بياتلي لـ “مدى مصر” إننا “لسنا فقط أمام مؤشرات أو نوايا، نحن نتحدث عن رغبة كبيرة لدى تركيا لتجاوز الأزمة مع مصر. بات هناك قناعة راسخة أن مصلحة المنطقة برمتها تعتمد على ذلك، بالمبدأ لا يمكن تخيل حلحلة للوضع الإقليمي دون دور مصري فاعل، أو دور تركي فاعل”.

وكانت السفارة التركية في القاهرة قد أعلنت الأسبوع الماضي عن استئناف رحلات الخطوط الجوية التركية إلى شرم الشيخ بعد توقفها على إثر التفجير الإرهابي الذي استهدف طائرة ركاب روسية وأدى إلى مقتل كل ركابها. وقالت السفارة في بيان لها إن “الخطوط الجوية التركية ستكون أول شركة تستأنف فعالياتها من بين شركات الطيران التي أوقفت رحلاتها بعد 31 أكتوبر 2015، (اعتبارا من 10 سبتمبر) وسوف تنظم الشركة 4 رحلات في الأسبوع أيام السبت، الأحد، الثلاثاء والخميس”.

من جهته، يتفق الدبلوماسي العربي المقيم في أنقرة مع بياتلي، ويضيف: “تركيا تسير بخطوات ثابتة لعودة العلاقات مع سوريا وإيران وروسيا، وإن كانت في الحالة السورية لن تكون العلاقات على المستوى الرئاسي، وقد تنحصر في التنسيق الأمني والعسكري، لكن هذا بالضرورة معناه أن القطيعة مع مصر أصبحت بلا معنى، بكلمات أخرى، لو كان الحلم التركي بخصوص سوريا تم تجاوزه، فما الذي يبرر استمرار الموقف المتعنت من مصر وزيادة العزلة التي يعاني منه الاتراك؟”.

أما عن شكل عودة العلاقات بين البلدين وشروطها، يقول بياتلي: “لا أعتقد أن تركيا ستطرح أي نقاط بوصفها شروطًا، أعتقد أنها ستكون في صيغة المقترحات أو الطلبات الودية، وأتصور أن الدولة المصرية لن تتعنت في النقاش بخصوص هذه المقترحات، وبالرغم من ذلك فإن تركيا لن تتمسك بهذه النقاط”.

وهو ما يتفق معه الدبلوماسي العربي ويقول: “محددات عودة العلاقات ستكون رهن التفاوض والنقاش بين البلدين، كل الاحتمالات مفتوحة. بالطبع لو توقفت العلاقات عند المستوى الوزاري، مع وضع خطط اقتصادية مشتركة وبدء نقاشات عن القضايا الإقليمية، سيكون ذلك مختلفًا عن مراجعة تصل إلى مستوى الرئاسة، الحالة الأخيرة أصعب، ولا أعتقد أنها قد تحدث إلا بمراجعات حقيقية، وهو ما بدا متاحًا بالفعل بالنسبة لتركيا في مواقفها من إسرائيل وروسيا مثلا”.

وفيما يتضح أن العلاقات بين البلدين، والتي طالما بقيت كنقطة محسومة، بدأت في التغير الفعلي. فثمّة من يراهن أن ينعكس ذلك على الصراع بين الدولة والإخوان المسلمين في مصر، وثمّة من يذهب إلى أبعد من ذلك ويتوقع أن نجاح مراجعة موقف البلدين تجاه بعضهما كفيل برسم أولى خطوات الحل السياسي للحرب المستعرة في سوريا. وبين هذا وذاك يبقى الأكيد أن مثل هذه الخطوة تعد واحدة من تلك الخطوات الكبرى التي يكون ما قبلها مختلفًا كلية عن ما يليها.

اعلان