Define your generation here. Generation What

وهل رابعة ككربلاء حقًا؟

لم أكن متحمسًا للكتابة عما بين الواقعتين من اختلافات، لولا أني وجدت حماسة لدى مؤيدي الإخوان لسوق ما بينهما من متشابهات.

في كربلاء، قَتل جيش يزيد بن معاوية، الحسينَ بن علي وشيعته، وتُقدر مصادر تاريخية أعدادَهم بين 72 إلى 155 قتيلًا.

وفي رابعة، قَتلت قوات الأمن المصري مئاتٍ من مؤيدي الرئيس مرسي، تقدرهم وزارةُ الصحة بـحوالي الـ700 قتيل، وتقدرهم جماعة الإخوان بأكثر من ألفين.

(1)

عام 61 هجرية، كان يزيد قد تولى الخلافة بعد أبيه معاوية ابن أبي سفيان، الذي مهّد له الأرض، وجمع له بيعة قبل وفاته، لكن نفرًا من كبار المدينة، بينهم الحسين، لم يبايعوه، ورأوها بيعة إكراه لا تجوز.

ثم أرسل الكوفيون نداءات للحسين، يستحثونه الخروج إليهم، لمبايعته خليفةً عليهم، فهو أحقّ بها وأهلَها، وأبلغوه أن مائة ألف مقاتل ينتظرونه.

خرج الحسين إليهم، فيزيد –برأيه- وَرث الحكم ببيعة باطلة، والحُسين -في رأي يزيد- خرج يفرِّق كلمة أمة أمرها جميع، فوقع النزاعُ بينهما، وكان السيف أداة الحسم.

عام 2013 ميلادية، كان مرسي يختتم عامه الأول رئيسًا، فخرجت ضده جموع شعبية، تدعو لانتخابات رئاسية مبكرة، لكنه رَفض الدعوة، فوقع النزاع بين الطرفين، وكان السيف أداة الحسم.

الحدثان كلاهما معطوفُ على سؤال السلطة: لمن تكون؟ وكيف تكون؟ وهو سؤال يُمثل نقطة التقاء رئيسية بين الواقعتين، لكن إجابته مثّلت نقطة افتراق كبير بينهما.

فحين تنازع المسلمون الأوائل، لم تكن لدى البشرية تجربة يهتدون بها سبيلًا، للإجابة على سؤال السلطة دون اقتتال، ولو كانت لديها، لطَلبها الحسين دون شك، وهو افتراض ستتبدى صحته هنا لاحقًا.

وحين تنازع المصريون الأواخر، فيما بعد الألفية الثالثة، كانت البشرية قد اهتدت لصناديق الاقتراع سبيلًا للحكم والخلع، فيمكن للمتنازعين اللجوء إليها، حسمًا لصراعهم، بتكلفة أقل وحشية، وهو سبيل رفضه مرسي أولًا، ثم رفضه اللاحقون عليه ثانيًا، فجعل الطرفان القوة أداة الحسم.

(2)

وقبل أن ينطلق الحسين إلى الكوفة، أرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل، ليأخذ العهد منهم، فبايعه فيها 18 ألفًا، وحين علم يزيدُ بذلك، أَمر بقتاله، وقُتل فعلًا.

وكان الحسينُ على مشارف العراق، حين جاءه خبر مقتلهم، فاعتبر ذلك أولى طلائع الفشل في مهمته، وتيقن من ذلك، حين سأل الشاعر الفرزدق عن حال الكوفة، فأجابه: “يا حسين.. إن قلوب الناس معك، وسيوفهم عليك”.

في تلك اللحظة، ظهر نُبل ما بعده نُبل من سيد الشهداء، إذ قرر حينها ألا يصحب في معركته أحدًا إلا أن يكون على بصيرة من أمره، ومُدركًا لما هو ملاقيه معه، فخطب في مؤيديه قائلًا:

“قد أتاني خبر فَظيع: قُتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، وعبد الله بن يَقْطر، وقد خَذلنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف، فلينصرف في غير حرج، ليس عليه منا ذِمام”.

يقول الطبري في تاريخه: “فتفرق كثير منهم ذات اليمين وذات الشمال، ولم يبق إلا من خرجوا معه من المدينة، ونَفر يسير ممن انضموا إليه بالطريق”.

ولأن الحسين يدرك أن انصراف أحد من أتباعه عنه قد يكون أمرًا مُخجلًا له، أَذن لهم أن يتفرقوا عنه تحت جنح الليل، إن كانوا يستحون فراقه في ضوء النهار.. يا لعظمة الحسين!

كان سيد الشهداء شديد الحرص على ألا يدفع أحدٌ غيره ثمنًا لخطأ تقديراته، فلم يمنح أتباعه آمالًا زائفة، ولا أوهامًا مُريحة، ولم يُخفِ عنهم جحيم الحقيقة.

وفي الثامن من يوليو 2013، اندلعت اشتباكات في محيط دار الحرس الجمهوري، بين قوات الأمن ومؤيدي مرسي، قُتل فيها ستون منهم، وقبل انتهاء الشهر ذاته، أسفرت اشتباكات أخرى عند المنصة، عن مَقتل أكثر من ثمانين آخرين.

وتلك حوادث مَثّلت أولى طلائع الفشل للإخوان في مهمتهم. وحيال ذلك، استمروا في بث الحماس الزائف، والركون إلى الأحلام والرؤى، عن الملائكة المعتصمين، وعن السبع سنبلات القادمات لمرسي بعد عودته، وهي عودة -وفق ما قال شيخ على منصة رابعة- غيرُ قابلة للشك، لأن التشكيك فيها، تشكيك في وجود الله (هذا قِيل نصًا)، فلم يكن ثمة اختيار إلا بين إيمان بالله، يلزمه ثبات في الميدان، أو خروج من الميدان، يساوي شكاً في وجود الله.

وهنا ثمة فارق جَلي بين ما فعله الحسين بنبل مع أتباعه، وما فعله قادة التنظيم بأنفسهم وأتباعهم، وهم إن فعلوه بغير قصد، فتلك مصيبة، وإن بقصد، فالمصيبة أعظم.

(3)

يَروي ابنُ الأثير، أنه لما التقى رَكب الحسين بطلائع جيش الحر بن يزيد، عند جبل “ذي حسم”، أَمر الحسين مُؤذنَهُ للصلاة، فخطب في أصحابه وفي جيش الحّر قائلًا:

“أيها الناس، لم آتكم حتى أتتني كُتبكم ورُسلكم، أن أقْدِم علينا فليس لنا إمام؛ لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق، فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مَصركم، وإن لم تفعلوا أو كنتم لقدومي كارهين، انصرفتُ عنكم إلى المكان الذي أقبلتُ منه.”

الحسين يبدي نية للتراجع إذن، بل إنه حين بدت المعركة قادمةً لا محالة، عرض على ابن زياد -في رسالة حملها عمر بن سعد بن أبي وقاص- أن يمنحوه واحدة من ثلاث:

“إما أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه، أو يتركوه يمضي إلى ثغر من الثغور، أو يذهبَ ليَزيد فيضع يده في يده”.

ويختلف المؤرخون هنا بشأن العرض الثالث، بين قائل بنيِّة الحسين مبايعة يزيد، وقائل إن عمر ابن سعد زادها من عنده، رغبة منه في دفع القتال.

والثابت –عند الطبري وابن الأثير- أن أبا الشهداء الحسين حين أدرك أن موازين القوة في غير كفته، طَرح حلّين لتجنب القتال، إما العودة إلى المدينة، أو الذهاب لقتال عدو مشترك لأمة الإسلام، لكن ولاة جيش يزيد لم يقبلوا شيئًا من هذا.

وحين اتضحت استحالة مهمة الإخوان الرامية لإعادة ضبط مؤشر السلطة على ما كانت عليه قبل الثلاثين من يونيو، ظلت خيارات قيادتهم محسومةً بين حصد كل شيء، أو فقدان كل شيء، في تضاد تام لمعنى السياسة أصلًا، فكانت لهم الثانية دون الأولى.

وهو اختلاف ثالث بين ما انتهجه قادة الإخوان وما انتهجه الحسين، الذي كان شجاعًا حين تقدم، وأشجع حين تَأخر، فالإقدام الذي يحتاج لشجاعة، يحتاج التراجع بعده لشجاعتين.

اختلافات سياسية ثلاثة بين ما فعله الحسين في كربلاء، وما فعله قادة الإخوان في رابعة، وهي اختلافات تسحب أي تشبيه أو تسوية في نبل وحصافة ومرونة الطرفين في كلا الأزمتين.

مع هذا يظل التشبيه قائمًا، إن اقتصر على حجم الفاجعة الإنسانية بينهما، بل إن نظرة في أعداد ضحايا الملحمتين، تجعل الأخيرة فاجعةً أشدّ، سيخلد التاريخ الأرواح البريئة لضحاياها.

وإذ ذهب العقاد في كتابه عن أبي الشهداء، إلى أن مصرع الحسين كان الداء القاتل الذي سكن دولة الأمويين حتى قضى عليها، فإن الدماء التي سالت في مصر صيف 2013، ستظل لعنةً تلاحق المتورطين فيها قتلًا، أو المتسببين فيها عنتًا، ولكلٍٍ درجاتٌ مما عملوا.

اعلان
 
 
عبد الهادي حريبة  heriba500