Define your generation here. Generation What
السيناريوهات المتوقعة لتطبيق قانون القيمة المضافة في مصر
نظريًا، من شأن القانون أن ييسر تحصيل الضرائب ويزيد عائدها، ولكن الضرر الناجم عن التراخي في التنفيذ وعدم تناسب عقوبات التهرب قد يكون وخيمًا
 
 
 

أقر البرلمان المصري قانون الضريبة على القيمة المضافة يوم الاثنين الماضي في أعقاب أسابيع من النقاش. ويمثل القانون المثير للجدل حلقة في سلسلة إجراءات خلافية مقترحة في ظل الصعوبات التي تواجهها مصر مع النمو الاقتصادي البطيء والدين العام المتزايد.

وفي حين ستطُرح تفاصيل القانون في تشريعات تنفيذية تالية، وافق البرلمان على نسبة مبدئية للضريبة تبلغ 13%، وترتفع إلى 14% خلال السنة المالية التالية. وأعلن المسؤولون كذلك عن إعفاء 56 سلعة من ضريبة القيمة المضافة في محاولة لتخفيف العبء على الفئات الأكثر معاناة اقتصاديا.

مهما يكن الشكل الذي سوف تتخذه هذه التفاصيل، سيكون لتنفيذ القانون تأثير كبير على المصريين، لكن الخبراء منقسمون حول طبيعة هذا التأثير. فخصوم ضريبة القيمة المضافة يذهبون إلى أنها سوف تساهم في التضخم وتزيد العبء الواقع على كاهل المصريين الفقراء، بينما يذهب أنصارها إلى أن هذا الشكل الضريبي قادر على تيسير تحصيل الضرائب ومعالجة الاقتصاد غير الرسمي في الوقت نفسه، بما يوفر لمصر زيادة في العائد هي في أمس الحاجة إليها.

تراجع أم تقدم

ترى أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، أمنية حلمي، أن الضريبة خطوة مهمة في سلسلة الإصلاحات الاقتصادية وأن منافعها في المدى المتوسط سوف تتفوق على أعبائها الحتمية في المدى القريب. ابتداءً، سوف توسّع ضريبة القيمة المضافة القاعدة الضريبية، وتدمج تحت مظلتها من أنواع الخدمات أكثر مما يندرج حاليا تحت مظلة ضريبة المبيعات العامة.

تقول “حلمي” إنه “من المفترض أن يتضمن قانون ضريبة القيمة المضافة المقترح جميع أشكال الخدمات”، مضيفة أن توسيع القاعدة الضريبية سوف يخلق عمليًا “آلة مالية تدر المزيد من العائد للحكومة”.

وإن كان البعض يتساءل عمن سيقوم على وجه التحديد بتمويل هذه “الآلة المالية”.

تعد ضريبة القيمة المضافة بصفة عامة نظامًا ضريبيًا تراجعيًا يترك أبلغ الأثر على الفئة الأكثر ضعفًا من الناحية الاقتصادية في المجتمع، لأنه يستولي على نسبة أكبر من دخلها. وفي حين يرتفع دخل الفرد، يتناقص الجزء المخصص من ذلك الدخل للإنفاق على ضريبة القيمة المضافة حسبما تلاحظ “حلمي”. يفرض النموذج النمطي ضريبة على كل مرحلة تطوير يمر بها منتج في ثنايا تحويل المصنّعين له من خامات إلى منتج ملموس، وتكون آخر مراحله هي بيع السلعة المعنية للمستهلك الذي يدفع في النهاية ضريبة القيمة المضافة.

يقول لوكاس بلوم، المحاضر في قسم القانون بجامعة لايدن في هولندا، إن بالإمكان مواجهة الطبيعة التراجعية لضريبة القيمة المضافة من خلال إعفاء السلع الأساسية كالأغذية أو تحميلها الضريبة من فئة أدنى. وللمساعدة في تخفيف العبء الضريبي عن كاهل الفقراء، يمكن أن تعدّل الحكومات ضرائب أخرى تعويضًا عن زيادة الأسعار في السلع الأساسية.

وفي حين أعلن المسؤولون المصريون أنه سوف يتم إعفاء الأغذية، وغيرها من السلع والخدمات اللازمة، من ضريبة القيمة المضافة، تعتقد “حلمي” أن آثارًا غير مباشرة سوف تنعكس على أسعار السلع الأساسية. وتوضح أنه “حتى إذا لم تكن هناك زيادات مباشرة في أسعار مثل هذه السلع فقد تنعكس على تكاليف النقل وخلافه”.

بدورها، ترى الباحثة في المبادرة المصرية لحقوق الإنسان، سلمى حسين، أن الطبيعة التراجعية لقانون الضريبة على القيمة المضافة في مصر محدودة بالإعفاءات. وهي لم تجد دليلًا يشير إلى أنه سيكون ذا تأثير على التكاليف المرتبطة بالتعليم، وتلاحظ أن جميع السلع التي يستهلكها الفقراء تقريبًا ستكون إما مستثناة من الضريبة أو خاضعة لها في فئة أدنى. كما سيتم أيضًا إعفاء الدواء والعلاج من ضريبة القيمة المضافة. غير أنها تعتقد أن الحكومة والبرلمان آثرا عامدين ألا يتعرضا للجانب الأهم من القانون، وهو التنفيذ.

الدفاتر والتنفيذ

التحديات الكبرى التي تواجه مصر في التنفيذ الفعال لقانون الضريبة على القيمة المضافة تتمثل في الحجم المطلق للاقتصاد غير الرسمي وقدرة الحكومة على تنفيذ الضريبة تنفيذًا فعالًا. ويرى “بلوم” من جامعة لايدن أن من المهم للغاية رفع مستوى الالتزام والتحصيل الضريبيين في بلد ذي اقتصاد غير رسمي هائل، والخطوة الأولى في ذلك لا بد أن تأتي من الحكومة.

يوضح قائلًا إن “الحكومة لا بد أن تثبت لمواطنيها أنها أهل للثقة، وأنها تنفق الضرائب التي تحصّلها منهم على تحسين المجتمع ككل. فالمواطنون بصفة عامة يعزفون عن دفع الضرائب حين يظنون أنها تخضع لسوء الإدارة أو للفساد”.

ومن أجل النجاح في تنفيذ ضريبة القيمة المضافة، سيكون لزامًا على الحكومة والقطاع العام أن تسجل معاملاتها. وسيعني هذا أن يتحتم على المشروعات والأفراد من قبيل الأطباء والمحامين والمحاسبين أن يصدروا فواتير، فيكتسب الاقتصاد النقدي بذلك طابعًا رسميًا. وبحسب ما ترى سلمى حسين، فإن مشروع القانون الحالي يكاد لا يقدم حافزًا على إصدار الفواتير وتسجيل المبيعات.

تذهب حسين إلى أن “في القانون كثير من الثغرات التي لم تعالجها الحكومة والبرلمان” ومنها على سبيل المثال أن “القانون يمنح الوزير ورئيس مصلحة الضرائب الحق في إعفاء أي مؤسسة يريان إعفاءها. كما أن غياب العقوبات المطلقة الصارمة يحفز المشروعات على التهرب من الضريبة وإفراغ القانون من معناه”.

التضخم

لا تعتقد “حسين” أن القانون ذاته سيكون ذا أثر ملحوظ على التضخم، بل تلوم أسبابًا تضخمية أخرى مثل تخفيض قيمة العملة وعدم التنفيذ الجاد للقانون. وتتخوف كذلك من أن كثيرًا من المشروعات سوف تستفيد -بمجرد تنفيذ القانون- من ضعف تنفيذه، فترفع أسعار سلعها وخدماتها بدون أن يسهم ذلك في الضريبة نفسها. وتضيف أنه لو أن الحكومة عاجزة عن التعامل الفعلي مع الاحتكارات والاتفاقات الاحتكارية فإن شركات كثيرة قد تستفيد من الوضع لمنفعتها الخاصة.

وفي حين تعتقد “حلمي” أن ضريبة القيمة المضافة سوف تساعد على المدى البعيد في إدراج مزيد من المشروعات والخدمات في الاقتصاد الرسمي، فإن أصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة سوف يستشعرون آلامًا على المدى القريب. فسوف يفرض أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة -لا سيما العاملين في الاقتصاد غير الرسمي- تكاليفًا إضافية؛ إذ سيكون عليهم أن يستعينوا بمحاسبين لضبط دفاترهم، أو إنفاق الوقت والمال في تعلم كيفية قيامهم بذلك بأنفسهم على النحو الصحيح. وتوضح إنه “في حال النجاح فعليًا في التعامل مع التهرب الضريبي ودمج القطاع غير الرسمي بدرجة أكبر، فسوف يساعد ذلك على احتواء ضغوط الضريبة التضخمية”.

الوقت والتوقيت

يذهب “بلوم” إلى أن التوقيت مهم في التنفيذ الناجح للأنظمة الضريبية. مضيفًا أن “اللحظة التي ينفَّذ فيها نظام ضريبي صارم وقوي يليها اضطراب في العادة”. وفي ضوء الاضطراب السياسي والاقتصادي الذي تواجهه مصر منذ ست سنوات، والأثر المبدئي المتوقع على الفقراء من جراء قانون ضريبة القيمة المضافة الجديد، فهناك مخاطرة بتصاعد الاضطراب والتباطؤ الاقتصادي إثر تنفيذ القانون. ويرى “بلوم” أن هذه الآثار ستكون أوضح ما تكون في الصناعات التي تشهد أكبر الزيادات في الضرائب.

ستمر سنوات قبل أن يتسنى تقييم آثار قانون الضريبة على القيمة المضافة في مصر تقييمًا تامًا. ترى “حلمي” أن تنفيذ الضريبة نفسها تنفيذًا فعالًا سوف يستغرق وقتًا طويلًا، فضلًا عن مزيد من الوقت قبل أن يتوافق القطاع الخاص معها بصورة صحيحة. وتقول إن “كل إصلاح لا بد أن يبدأ من موضع ما، ثم لا تظهر آثاره على الفور لأن كلًا من إدارة الضرائب والقطاع الخاص بحاجة إلى الكثير من الوقت والتدريب”.

*ترجمة: أحمد شافعي

اعلان