Define your generation here. Generation What

تدوينة: حين أسرني نجيب محفوظ

في عام 1993، انتشرت مجموعة من “شرائط الكاسيت” تدعى “صح النوم” كانت تستهدف الفتيان والفتيات ممن قد يكونون هدفًا لـ”الدعوة”، و من ثمّ الانضواء تحت ما كان يسمّى “الصحوة الإسلامية” أو “التيار الإسلامي”.

ورغم مقامي في “واحة العين” الهادئة في الإمارات العربية، القريبة من عُمان، والخالية من السياسة، وصلتني شرائط الكاسيت هذه، التي كانت تنتقل من يد إلى يد، وكنا نستنسخها. تكونت مجموعة “صحّ النوم” من خمسة شرائط، تقوم على حوار تمثيلي بين “داعية” مجهول وبين ممثل مجهول هو الآخر، يقوم بدور واحد من عموم المصريين الذين يغطّون في سبات عميق بحسب المجموعة. وعلى الداعية المجهول إيقاظ النائم من سباته؛ ولذا سميت “صحّ النوم.” أمّا أجزاؤها فكانت كالتالي: 1. الزعامات العربية الوهمية، 2. الصوفية، 3. سيد قطب، 4. نجيب محفوظ، 5. فرج فودة.

كان أيّ مستمع للشرائط هو هذا “الواحد” المحتمل والمغيب وعيه، والذي أعجب بنجيب محفوظ مثلاً، وانخدع بروايته “أولاد حارتنا”، أو كادت أفكار فرج فودة تفتنه، أو وقع فريسة سهلة لغيرهما من الزعامات الوهمية.

شكّلت هذه الشرائط وعيي عن هذه الأسماء في سن مبكرة، إذ كنت في عمر الثالثة عشر. ومن حينها، نُزع منّي في هذا العمر المبكر فرصة تشرب الثقافة المصرية العادية التي تتشكّل عادةً عبر السينما والفن، وكانت روايات نجيب محفوظ وسيناريوهاته مكونًا أصيلاً منها.

تشكّل لديّ حاجز من العداء لمحفوظ، وتحول لتجاهل من قبَلي وإنكار تام لأديب مصري فذ، حصلت أعماله على تقدير عالمي. تناولت شرائط “صحّ النوم” رواية “أولاد حارتنا” الشهيرة، والتي بقدر شهرة اسمها، تعرض محتواها للتجهيل التامّ بسبب هذه الحملة الشعواء من الناطقين باسم الدين لوصم نجيب محفوظ.

لم ألتفت مطلقًا لنجيب محفوظ منذ ذلك الوقت. ورغم أنّي لم أعلم شيئًا عن هذه الحملة، فضلاً عن أن أشارك في جدالاتها، إلاّ أني ظللت ضحية “صحّ النوم”، فاستمرّ هذا العزوف من جانبي حوالي عشرين عامًا. وحين كانت إحدى قصص نجيب محفوظ جزءًا من مقرّر دراسي، قررّت أنّ يكون مروري عليه عابرًا. ولكنّ هذا المقرّر دفعني لشراء مجموعة من رواياته، ظلت حبيسة أدراجي حوالي ثمانية أعوام. وبسبب دراستي للفلسفة، قرّرت ذات مرة إعطاء ذهني هدنة وقراءة رواية، فاستثمرت الروايات حبيسة الأدراج، وقرأت “زقاق المدق،” ثمّ ثنيتها بالثلاثية، التي كانت هدفًا ثانيًا لهجوم “صح لنوم” بعد “أولاد حارتنا”. ومنذ ذلك الحين، وأنا أقرأ رواية تلو رواية بدون ملل ولا كلل، حتّى وقعت في أسر نجيب محفوظ تمامًا.

وقعت في أسر نجيب محفوظ لسببين، أولهما، أصالة أدبه، وثانيهما، أنّه شرح القاهرة، أو شرّحها، على مدى القرن العشرين كله بعمرانها وطبقاتها الاجتماعية، فأفهمني القاهرة وصالحني عليها. وكلا السبيين نابعان من “مصرية” نجيب محفوظ الحقيقية.

***

في نفس الزمن الذي كان نجيب محفوظ يكتب فيه أدبه، كانت هناك معركة حامية الوطيس حول ما يسمّى بالأصالة، دارت رحاها في جامعة القاهرة، خاصة في كليتي الآداب ودار العلوم، وفي جامعة الأزهر. وكانت باختصار تدور حول سؤال: هل يمكن للعرب والشرق المسلم إنتاج معرفة أصيلة مبدعة لا تقليد فيها للغرب؟ بدأ هذا السؤال تحديدًا في حقل النقد الأدبي، ثم تبعته الفلسفة، ثمّ العلوم الاجتماعية والسياسية.

ولكنّ نجيب محفوظ لم يلتفت لهذه المعركة، فضلاً عن أن يشارك فيها، فلم يكن هو هذا المتشكك في “الذات الحضارية” إن صحّ التعبير، كما لم يكن متغربًا كذلك! لم ينشغل بكل نظرية وفكرة تأتي من الغرب، ولم يحاول اقتباس أو تطعيم أدبه بأفكار غربية.

أدب نجيب محفوظ نابع من البيئة المحلية. من خلال أمكنته وأزمنته وشخصياته، وموضوعات رواياته وقصصه، يمكنك التعرف على الثقافة المصرية. أدب نجيب محفوظ ليست تمثيلاً للواقع المصري، بل هو الواقع نفسه. وإذا أخذنا بثنائية “النظرية والتطبيق” فأدب نجيب محفوظ هو التطبيق الذي ينتظر استخلاص نظريته منه.

يصف محفوظ الواقع كما هو، دون رغبة في تغييره ودون التمرد عليه، ودون كراهيته. يحب العالم كما هو، ويحب “الوطن”، الذي هو جزء من العالم، كما هو. قد يحزن لـ”التدهور” الذي يصيب الناس أو العمران، ولكن هذا لا يدفعه للكراهية. منذ صيف 2013 وحتى الآن، وبسبب عنف الأحداث السياسية، تسود في الوطن موجة كراهية. كره الكثيرون مصر ومقتوها، و غادروها هاربين أو بقوا فيها مرغمين. كان أدب نجيب محفوظ هو ترياقي ضدّ هذه الموجة.

أمّا السبب الثاني للوقوع في الأسر فهو التصالح مع القاهرة، باجتماعها وعمرانها!

القاهرة، هذه المدينة الكبيرة المكتظة الفوضوية، ذات الضجيج العالي، والتي تدفع الكثير من القاهريين، وأغلب المصريين إلى بغضها، أضحت على يد نجيب محفوظ، مدينة مفهومة، حاكية للتاريخ ونابضة بالحياة.

القاهرة التي كانت المسرح الرئيسي لشخصيات وأحداث رواياته، بدت كائنًا حيًّا يحكي قصة نشأته ونموه ومشاكله وذبوله. صالحني نجيب محفوظ على القاهرة. لم تعد مدينة أعلن العداء لها كما يفعل كثير من المصريين؛ إذ يبغضونها، ويفضلون العيش فيها. وإنما باتت على يد محفوظ، مدينة أستطيع الحوار معها، وفهم تحولاتها. فمن خلال أدبه وحده، أدركت لمَ آلت المدينة إلى ما آلت إليه. بل ودفعني محفوظ إلى التعاطف مع هذه المدينة التي كانت تنتقل من حال إلى حال مع كل تحول سياسي تمرّ به.

يعني لي أدب نجيب محفوظ، في أوجه من الوجوه، مرادفًا ببساطة لتاريخ مدينة القاهرة، وتحولاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية على مدى القرن العشرين كله. بل إن محفوظ غاص بعمق أكثر في تاريخ هذه المدينة ليحكي حكايات ما قبل القرن العشرين، مثلما فعل في “ملحمة الحرافيش”.

تكاد كل رواية تحكي قصة حي من أحياء القاهرة. حيّ العباسية، الذي أسكن فيه منذ 2013، كان مسرحًا لأحداث رواية “قشتمر” 1988، وهي آخر رواية كتبها نجيب محفوظ. و”قشتمر” هو اسم مقهى مهجور في الوقت الحالي، يقع على ناصية في ميدان الظاهر. في “قشتمر” بدا لي حي العباسية، في تحولاته منذ عام 1910 وحتى عام 1980، وكأنه البطل الحقيقي للرواية، أو هكذا قرأتها. بدا حي العباسية في الرواية حيًّا آخر غير ما أعرفه في 2016. يصف محفوظ العباسية في عشرينيات القرن العشرين قائلاً:

“العباسية في شبابها المنطوي. واحة في قلب صحراء مترامية. في شرقيها تقوم السرايات كالقلاع، وفي غربيها تتجاور البيوت الصغيرة مزهوة بجدتها وحدائقها الخلفية. تكتنفها من أكثر من ناحية حقول الخضر والنخيل والحناء وغابات التين الشوكي. يشملها هدوء عذب وسكينة سابغة لولا أزيز الترام الأبيض بين الحين والحين في مسيرته الدائبة بين مصر الجديدة والعتبة الخضراء.”

لا تزال بعض من هذه السرايات التي يصفها نجيب محفوظ قائمة بالفعل، كأطلال تحكي قصة من كانوا هنا، وكيف زالوا من هنا. بعض هذه السرايات تحول إلى مدارس ومراكز طبية، وبعضها تسكنه الأشباح في العباسية 2016، ولكنّ أغلبها في الحقيقة هُدم، لتقوم مقامه عمارات شاهقة. وصف محفوظ بدايات هذا التحول العمراني في “قشتمر”، وكيف صاحب التحولات الاجتماعية التي أدّت إليها “ثورة 23 يوليو”.

ما أفهمني إياه نجيب محفوظ، هو أنّ غياب العدالة الاجتماعية كان السبب في التحولات العمرانية التي أصابت القاهرة. فمن مدينة من أجمل مدن العالم في ثلاثينيات القرن العشرين، وإن لم يتمتع بجمالها سوى الأغنياء، إلى مدينة يهجم عليها “الحرافيش” في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، فيهدمون سراياها، ويبنون العمارات بدلاً عنها، ويقتلعون أشجارها و يتركونها عارية لقبح المباني الإسمنتية، ويعطلون “ترامها الأبيض” الذي كان يتهادى بين أحيائها، ويحلون بدلاً عنه الأوتوبيس والميكروباص، وحاليًا التكتك.

***

في روايات أخرى، يتراجع المكان كتيمة مركزية عند نجيب محفوظ، لتحل محلّه تيمة “تحولات الطبقة الاجتماعية”. من خلال أدبه، تبدو الطبقات الاجتماعية للقاهرة معقدة ومتراكبة، متغيرة وصاعدة وهابطة. يقاوم أدبُه الاجتماعيُ المحلّيُ الواقعيُ اختزالَ المجتمع المصري القاهري إلى ثلاث طبقات جامدة: سفلى ووسطى وعليا. وعوضًا عن ذلك، تبدو الطبقات الاجتماعية متعددة وحيَّة في ديناميكياتها الصاعدة والهابطة. ومن خلال موهبة الوصف الاستثنائية لديه، يمكن تحديد معايير الطبقة بناء على عوامل متعددة، لا تُختزل إلى العامل الاقتصادي فقط. وتعدّ الثلاثية بحق أبرز مثال على رصد تحولات الطبقات الاجتماعية المتعددة في الفترة ما بين 1917 و 1944. أمّا رواية “ميرامار”، فتشهد على “فلول” الطبقات الاجتماعية التي استأصلتها “ثورة 23 يوليو”، وعلى المرارة الاجتماعية والتعقيد الذي خلّفه هذا الاستئصال. وكذلك كانت “السمّان والخريف”.

وهناك تيمة أخرى تتكرر في أدب محفوظ، وهي تيمة “الحكاية” نفسها، وكيف تصبح الحكاية جزءًا من تكوين المزاج الشعبي للشخصية المصرية.

الحكاية أو الأسطورة هي، من وجهة نظري، موضوع رواية “أولاد حارتنا”، الرواية الأشهر لنجيب محفوظ، وجالبة المتاعب له، والسبب في الحملة الشعواء ضده.

هناك قراءتان شهيرتان لـ”أولاد حارتنا”، أولاهما القراءة الرمزية، التي ترى الرواية رمزًا للعلاقة بين الدين والعلم، وترى في كل فصل من فصول الرواية رمزًا لقصة نبي من الأنبياء، في حين يرمز “الجبلاوي” إلى الذات الإلهية و”عرفة” إلى العلم. أمّا القراءة الثانية فهي القراءة السياسية، التي ترى في الرواية نقدًا مبطّنًا للضباط الأحرار ولثورة 23 يوليو. فالغاية الأساسية المنشودة في الرواية هي تحقيق العدالة والمساواة بين جميع أبناء الحارة. والحارة هنا رمز للوطن. والشخصيات، بمن فيهم عرفة، هم المصلحون أو “الأحرار” الذين يرفضون الضيم الواقع على أنفسهم وأبناء جلدتهم، ويسعون لتغييره.

وفي نظري، فالقراءة الثانية أوقع من الأولى. يعضد ذلك، كونها كانت الرواية الأولى التي يكتبها نجيب محفوظ بعد “ثورة يوليو”، وفيها إشارة لاستئثار الضباط الأحرار بخيرات الوطن “الوقف”، عوضًا عن تحقيق عدالة التوزيع التي من أجلها أُسقطت الملكية.

ورغم وجاهة القراءتين، إلاّ أنّه من الممكن قراءة الرواية باعتبارها كاشفة عن جينولوجيا الأساطير، إن صح التعبير؛ أو أصل الأساطير، وكيفية نشوئها، وتعليل احتياج الجماعة البشرية إليها.

يقص علينا محفوظ “الوقائع”، ثم يقص علينا كيف حكُيت هذه الوقائع، وكيف تناقل الناس الحكايات عبر الأجيال، ثم كيف حفظتها “الرباب”، ثم كيف أُضفت على شخوص الحكايات هالة من القدسية، لتتكون في النهاية “الأسطورة”. ثمّ يفهمنا كيف تكون الأسطورة أساسًا لبعث جديد في الجماعة/الحارة، كلّما نالها الفساد والاستبداد. أي بعبارة أخرى، لماذا تحتاج الجماعة البشرية إلى الأسطورة، أي إلى القصة المقدسة؟ وكيف تستمد منها الإلهام والأمل كلّما تردّى واقعها في هوة الظلم؟ وبناء على هذه القراءة المقترحة، أرى “أولاد حارتنا” إرهاصًا لـ”ملحمة الحرافيش”، أو أنّ الثانية رواية أنضج من الأولى في هذا المقام.

هكذا صالحني نجيب محفوظ على القاهرة، بعمرانها وناسها وتاريخها وحكاياها الشعبية، وهكذا جعل من “قشتمر”، المقهى المهجور الذي أمر بجواره بين الحين والآخر، مكانًا نابضًا بتاريخ حي العباسية، وتاريخ القاهرة. وهكذا، أعطاني نجيب محفوظ الثقة في “الذات”، وبأنّ إنتاج معرفة محلية، تصل لمستوى العالمية، أمر طبيعيّ!

اعلان
 
 
خديجة جعفر