إخفاء الاختفاء القسري.. واستثماره أيضا

قبل نحو تسع سنوات عبّر لي “جويل كمبانيا”، مسئول قسم الشرق الأوسط وشمال افريقيا بلجنة حماية الصحفيين الدولية وقتها، عن دهشته للصمت الذي يحكم قبضته على زملاء رضا هلال في “الأهرام” إزاء اختفائه في 11 أغسطس 2003، وحتى بعد مضي أربع سنوات على الحادث.

كان يشكو من عدم التعاون مع التحقيق الذي جاء خصيصا إلى القاهرة لينجزه، وهو موقف سلبي ومريب شارك فيه رئيس تحرير الأهرام آنذاك. ويبدو أنني- وللأسف- كنت الوحيد من داخل “الأهرام” الذي جرؤ على التحدث إليه عن هلال ومصرحا بنشر اسمي، مع أنني طالما لم أكن أوافق زميلي- الذي أصبح مختفيا- في آرائه أو تتوافق نظرتنا للسلطة وعلاقتنا بها داخل المؤسسة الصحفية وفي الدولة.

وما يعلق بذاكرتي عندما استعيد اللقاء مع “كمبانيا” بمكتبي المتواضع القصي المنعزل في الجريدة أنني كنت أقاوم خوفا، بل فزعا أشاعه الاختفاء القسري بيننا. كما أن الصمت الذي غمر “الأهرام” كأمواج من الرمال بعد اكتشاف هذا الاختفاء لزميل عمل ومهنة أسهم أيضا في تعظيم الشعور بالخوف. ويحفظ نص التحقيق ما قلت ردا على استفهام “كمبانيا” وحيرته: “أعتقد ان الناس هنا خائفون خصوصا بسبب الظروف الغامضة للقضية.”[1].

وعشية اليوم العالمي لمناهضة الاختفاء القسري -الذي يحل اليوم- انعقدت بنقابة الصحفيين، مساء الاثنين 29 أغسطس الجاري، حلقة نقاشية بهذه المناسبة. والحقيقة أن مكان الانعقاد في ذاته جاء بمثابة مقاومة للخوف، مع أن أيا من أعضاء مجلس النقابة لم يحضر الحلقة أو يشارك بها. ولنأخذ في الاعتبار الحملة القمعية غير المسبوقة على النقابة واقتحامها في الأول من مايو الماضي واختطاف اثنين من الصحفيين[2] من داخلها، وصولا إلى المحاكمة الجارية للنقيب والوكيل والسكرتير العام. وعلى أي حال فقد ورد ذكر للخوف في سياقين على لسان المتحدثين بالحلقة النقاشية أو الندوة المصغرة هذه. فأشار أحد المحامين في معرض تضارب الإحصاءات عن المختفين قسريا في السنوات الأخيرة إلى خوف ذويهم من الإبلاغ ويأسهم من التحرك لدى سلطات هي بالأصل متجاهلة منكرة. وجاء السياق الثاني على لسان أحد الزملاء الصحفيين حين أكد على سبب مهم في استفحال ظاهرة الاختفاء القسري بعد 3 يوليو 2013 وفي عهد الرئيس السيسي على نحو خاص، يتمثل في تعمد إشاعة الخوف بين المصريين لإجهاض الاعتراض والرغبة في التغيير.

ومع هذه الندوة أضيف إحصاء جديد من “المفوضية المصرية للحقوق والحريات” بشأن المختفين قسريا وهو 912 حالة، أي بمعدل ثلاث حالات يوميا، وهي حصيلة تلقي شكاوى ورصد على مدار نحو العام بين اغسطس 2015 و2016، لكنها تغطي حالات اختفاء تعود إلى أغسطس 2013. كما أن لدينا تقديرات أضخم صادرة عن “التنسيقية المصرية للحقوق والحريات”، والتي رصدت خلال النصف الأول من عام 2015 وحده 1023 حالة، وقال ممثلها في الندوة إن المتوسط هو خمس حالات يوميا.

وبالطبع ثمة تقديرات محافظة وبإحصاءات أقل عددا صدرت عن “المجلس القومي لحقوق الانسان”، والذي رصد 266 حالة بناء على التقدم باستمارات اختفاء قسرى وفق المعايير الدولية إلى المجلس بين إبريل 2015 ونهاية مارس 2016. وقال المجلس إن تعاون وزارة الداخلية بالرد على مخاطبات المجلس أسهم في استجلاء مصير 238 منها. وقد أثبت هذا التقرير- دون أن يدين أو يدعو للملاحقة والمحاسبة- إخفاء الوزارة للعديد من هذه الحالات لأيام وأشهر وسنوات، حتى لو حاولت لغة التقرير التستر بتجنب استخدام “الاختفاء القسري” واستبداله بمصطلح ملطف أقل وقعا وخطورة، وهو ” الاحتجاز خارج القانون “، وأيضا تجنب المطالبة بملاحقة ومحاكمة الجناة والمسئولين عن هذه الجريمة. ولعل عنوان التقرير: “الاختفاء القسري بين الادعاء والحقيقة” يترجم التصريحات التي أخذ يطلقها رئيس المجلس وحتى قبل أن يصدر التقرير وينتهي عمل اللجنة المشكلة بهذا الشأن، فقد ذهب إلى اعتبار أن مايثار عن الاختفاء القسري الآن هو مجرد “تهويل” و”لا يمثل ظاهرة”، فضلا عن اتهامه للتنظيم الدولي للإخوان بالخارج بإثارة القضية.

لكن ينتهي تقرير المجلس -المعين من السلطة التنفيذية والذي يضم سياسيين لهم ميولهم وخصوماتهم- ينتهي على أي حال بتوصيات تتفق مع العديد من المنظمات والجماعات الحقوقية وأيضا “رابطة أسر المختفين قسريا“، ومن بينها المصادقة على الاتفاقية الدولية لحماية الاشخاص من الاختفاء القسري (أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2006 ودخلت حيز النفاذ عام 2010 ووقعت عليها عديد الدول الأفريقية والعربية) وبأن يجرم التشريع المصري الاختفاء القسري، حيث لا يرد أي ذكر للمصطلح في القوانين التي تقتصر على عقوبة حدها الاقصي ثلاث سنوات نظير الاحتجاز خارج القانون، وأيضا التوصية بحق الضحايا في جبر الضرر.

وإذا ما تجاوزنا الانقسام الذي يضرب الحقوقيين بين التهوين والتبرير من جانب والتهويل والمبالغة من جانب آخر ونحينا جانبا تحديد المسئولية والمسؤولين عن الاختفاء القسري أو انكارها والتغطية عليهم، يمكننا القول أنه أصبح من الصعب- و بالإحصاءات في حديها الأدنى والأعلى- نكران توحش الاختفاء القسري على نحو غير مسبوق في تاريخ البلد. ولا يمكن تجاهل أنه لم يعد يقتصر على تلك الحالات الشهيرة لشخصيات عامة كوزير الخارجية الليبي الأسبق “منصور الكخيا” في ديسمبر 1993، وكذا الكاتب الصحفي “رضا هلال”[3]. الآن يتمدد جسم الجريمة طافيا فوق النهر بطول البلاد وعرضها. يدخل العديد من أحياء المدن والقرى. ويطال طلابا ومهنيين وعمالا وعاطلين وحتى نساء وأطفالا.

وبالقطع تتواضع إحصاءات ما كان في ماضي البلاد عن الاختفاء القسري بالمقارنة. فعلى سبيل المثال فإن مركز حقوق الانسان لمساعدة السجناء وثق 28 حالة اختفاء قسري فقط بين ديسمبر 1989 ويونيو 2000، أي على مدى أكثر من عشرية كاملة. أما الحقوقي “حافظ أبوسعدة” فقد أبلغني بأن المنظمة المصرية لحقوق الانسان كانت قد وثقت 57 حالة اختفاء قسرى في عهد مبارك بكامله، والذي امتد لنحو ثلاثين عاما. وأبو سعدة لايمكن أن يحسب الآن بأي حال على “المبالغين المهيجين المشوهين لسمعة النظام”.

وقد التقيت شخصيا بأقارب يشكون اختفاء ذويهم قسريا منذ ثورة يناير 2011. كانوا يأتون الى الميدان يبحثون عنهم ويطلبون العون. لكن لنعترف أننا لم نهتم بما فيه الكفاية مع كل هذا الفوران السياسي الذي كنا نعيشه يوما بعد يوما وجمعة في الميدان بعد جمعة. لكن الضربات المفزعة سرعان ما توالت الى جواري، وأقصد اختفاء الزميلن الصحفيين “محمد البطاوي” و”صبري أنور”، وحتى قبل أن تثار الضجة حول الباحث الأكاديمي جوليو ريجيني مطلع هذا العام، عشت وقائع اختطاف قوات الأمن زميلنا “البطاوي” من منزله في طوخ بالقليوبية لنحو أسبوع خلال يونيو 2015، وإن اقتصر دوري على الحضور والمتابعة بنقابة الصحفيين مع أسرته وأعضاء مجلس النقابة. وقد لجأت النقابة الى استخدام مصطلح “الاختفاء القسري” في بياناتها، فاضطرت الداخلية للكشف عن مكان احتجازه، لكنها زجت به في قضية مازال محبوسا على ذمتها إلى الآن.

كما عايشت -ولو عن بعد ومن خلال أصدقاء مشتركين- اختفاء “صبري أنور” زميلنا الصحفي بموقع ” البديل”، بعد أن أخذوه من منزله في كفر البطيخ بدمياط. وقد علمت أنه ظهر محبوسا على ذمة قضية هو الآخر، لكنه كان أسوأ حظا من زميله البطاوي، حيث اختفى لنحو أربعة أشهر اعتبارا من 23 فبراير 2016.

وبين هذا وذاك التقيت واستمعت مباشرة إلى أسر من ذوي المختفين قسريا كانوا قد تقدموا ببلاغ جماعي إلى النائب العام بتاريخ 18 نوفمبر 2016 يحمل رقم 19763 ويتضمن عشر حالات. ولذا كان بالإمكان أن أستند الى البلاغ وأتوجه للنائب العام والمجلس القومي لحقوق الانسان بمقال في الأهرام بعدها بأيام معدودة. لكن النائب العام لم يحرك ساكنا أو يرد على البلاغ أو المقال، كما أن ما أشرت إليه بالأعلى من بدء تحرك المجلس القومي انتهى إلى هكذا تقرير ونتيجة.

وأخيرا، وقبل أسابيع معدودة، التقيت بأهالي المحاكمين عسكريا في انفجار استاد كفر الشيخ، وتوثقت منهم بشأن اختفاء ذويهم المتهمين وتعذيبهم وانتزاع اعترافات منهم، قبل أن يظهروا أمام النيابة والقضاء العسكريين. وقد صدرت بالفعل أحكام بالإدانة والإعدام دون النظر في ادعاءات الاختفاء القسري والتعذيب[4]، وهم الآن ينتظرون النقض لكن أمام القضاء العسكري مرة أخرى. وفي مثل هذه الحالة وغيرها، أجدني عاجزا عن الاقتراب بالنشر مرة أخرى في “الأهرام”. لعلني لم أحاول. لكن ثمة مؤشرات وسوابق اختبرتها بنفسي تفيد الاستحالة.

وكنت قد انتهيت في مقال نشرته خارج الأهرام إلى أن من الواضح بلا لبس أو خلاف أن العديد من حالات الاختفاء الموثقة جرت بعد اعتقال الضحايا بواسطة قوات الشرطة وإيداعهم رهن الاستجواب والاحتجاز في مقرات جهاز الأمن الوطني. وهناك بالقطع من ظهروا مقتولين في مناطق نائية رغم أدلة أو شواهد على إلقاء الشرطة القبض عليهم، كحال طالب الهندسة بكلية عين شمس “إسلام عطيتو”، الذي شهد زملاؤه بإلقاء القبض عليه من لجنة الامتحانات، أو من يحيط الغموض ببداية رحلتهم إلى النهاية كالطالب الإيطالي “ريجيني”. وهناك أيضا أعداد لا نستطيع تقديرها يعود اختفاؤها إلى توقيتات مذابح الحرس الجمهوري وفض اعتصام رابعة العدوية وأحداث مسجد الفتح. لكن الكثير من الحالات تظهر لاحقا متهمة في قضايا بخلفيات سياسية، كما هو حال ضحايا الاختفاء في قضية كفر الشيخ العسكرية.

وليست المشكلة فقط في عدم توقيع مصر على الاتفاقية الدولية للاختفاء القسري، ولكن أيضا في أنه لا الدستور ولا القانون ترد فيهما عبارة الاختفاء القسري. فقط تنص المادة 54 بالدستور على أنه ” لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق” وعلى تمكين من تقيد حريته من الاتصال بذويه ومحاميه خلال أربع وعشرين ساعة، ويعاقب القانون على الاحتجاز بدون وجه حق- أي خارج القانون- بالحبس لمدة أقصاها ثلاث سنوات، ومع هذا فإن المصريين لم يعرفوا بعد تفعيلا لهذه النصوص. والأكثر مدعاة للدهشة أن وزير الداخلية- وهو مدير سابق لجهاز الأمن الوطني- يعود لينكر وجود حالة اختفاء قسري واحدة.

والآن يمكنني وبمناسبة حلول اليوم العالمي لمكافحة الاختفاء القسري والندوة التي انعقدت بنقابة الصحفيين ودعيت للحديث أمامها أن ألاحظ جانبا من قواعد اللعبة. فالمئات وربما الآلاف من حالات الاختفاء القسري من شأنها أن تشيع أجواء خوف وصمت بين مجتمعاتهم، سواء لدى الجيران وأهالي الحي والمنطقة والمدينة والقرية أو في أماكن الدراسة والعمل وغيرها. وهو خوف برائحة هذا الذي اشتمه “جويل كامبانيا” في “الأهرام” حين زارها عام 2007، لكنه بالقطع هذه المرة يتسع إلى حدود أكبر وأخطر. ولعل قواعد اللعبة تقتضي في الوقت نفسه أن ينكر الخاطفون والمسؤولون عن هذه الجريمة وجود الظاهرة، وأن يتواطأ معهم المزيد من المسؤولين في الإنكار في خطاب مكرور موجه إلى الداخل والخارج. وهكذا هي قواعد لعبة مزدوجة بوجهين متناقضين.

على المستوى اللصيق والشخصي، مؤلم ومحبط ألا يجرى الكشف عن مصير زميلي “هلال” بعد كل هذه السنوات، فضلا عن تقديم الجناة للعدالة. ومؤلم ومحبط كذلك أن يظل زميلاي “البطاوي” و”أنور” رهن الاحتجاز والغياب، وحتى بعدما خرجا من ظلام اختفاء قسري دام لأيام أو لشهور، وأنا أسمع كل ساعة عن معاناتهما وأسرتيهما، ومازلت.

لكن ليس علينا إلا أن نواصل طرق جدار الخوف هذا…وبضمائرنا.


[1] التحقيق بعنوان ” الرجل المنسي ” وقد نشر بتاريخ 17 أكتوبر 2007. https://www.cpj.org/forgottenman/forgottenman_ar/forgottenman_ar.html

[2] الزميلان الأستاذان عمرو بدر ومحمود السقا. وهما رئيس تحرير ومحرر صحفي بموقع “بوابة يناير”. وقد أفرج عن بدر الأحد الماضي 28 أغسطس.

[3] يظل اختفاء رضا هلال دون إجلاء الى حينه أما الكخيا فبعد 18 عاما من الإنكار في القاهرة وطرابلس الغرب جرى الإعلان من جانب النائب العام الليبي في 11 سبتمبر 2012 أن آخر مدير مخابرات في عهد العقيد القذافي ويدعي عبد الله السنوسي قد اعترف باختطافه من مصر الى ليبيا وبدفنه هناك، وبالفعل جرى الاعلان عن العثور على جثته.

[4] حكمت جنايات عسكرية الاسكندرية في 2 مارس 2016 حضوريا على لطفي إبراهيم إسماعيل خليل وأحمد عبد المنعم سلامة وأحمد عبد الهادي محمد السحيمي وسامح عبد الله محمد يوسف بالإعدام فضلا عن آخرين بالمؤبد والسجن، علما بأن محاميهم وذويهم أثبتوا حالات اختفاء قسري وتعذيب لانتزاع اعترافات يقولون بأنها متناقضة. وعلى سبيل المثال فإن المتهم الأول ألقي عليه القبض بتاريخ 19 ابريل 2015 فيما يذكر محضر ضبطه أن القبض جرى في 30 يونيو 2015.

اعلان