Define your generation here. Generation What
بعد قرن ونصف من الخط الهمايوني.. النواب يمرر “بناء الكنائس” في ثلاثة أيام
 
 

“عاش الهلال مع الصليب.. تحيا مصر”، هتاف عم القاعة الرئيسية لمجلس النواب بعد إعلان رئيسه علي عبد العال، رافعًا علم مصر، الموافقة بأغلبية الثلثين على قانون بناء وترميم الكنائس، الذي أثار جدلا واسعا منذ أعلنت الحكومة عنه وبدأت مناقشته مع ممثلي الكنائس قبل إرساله إلى المجلس السبت الماضي.

على الرغم من موافقة ممثلي الكنائس بعد شد وجذب مع الحكومة امتد لشهور، إلا أن مناقشة مشروع القانون داخل اللجنة المشتركة التي شكلها عبد العال من لجان الشؤون الدينية والأوقاف، والشؤون الدستورية والتشريعية، والإدارة المحلية، والثقافة والإعلام، والآثار، والإسكان والمرافق العامة والتعمير، شهدت جدلا كبيرا تحول في بعض الأحيان إلى مشادات كلامية واتهامات بين الأعضاء، احتجاجًا على عدد من بنود القانون.

قال النائب رضا نصيف، في المناقشات الأخيرة أمس، موجهًا حديثه للمستشار مجدي العجاتي، وزير الشئون القانونية ومجلس النواب، اعتراضا على المادة السادسة من مشروع القانون، والتي تتضمن منح ترخيص البناء من الجهة الإدارية المختصة بشئون التخطيط والتنظيم، وفق أحكام قانون البناء الصادر برقم 119 سنة 2008: “الحكومة بتلففنا كعب دائر بالمشروع، وهذه المادة تتنافى مع المادة الخامسة في مشروع القانون والتي تلزم المحافظ المختص بإصدار التراخيص”. وأضاف: “أنا شايف أن القانون ده ظباط مباحث أمن الدولة هم اللي عملوه، وأنا لا أثق فيهم، لأنها أجهزة طائفية”.

واعترض عدد من النواب في اجتماع سابق، على المادة الثانية من المشروع، الخاصة بتحديد مساحة الكنيسة طبقًا لعدد السكان الأقباط في المنطقة المراد إنشاء كنيسة بها، وطالبوا بحذف المادة لوجود شبهة عوار دستوري بها، بجانب أنها ضد المواطنة. وقالت النائبة نادية هنري منفعلة عقب رفض بهاء أبو شقة، رئيس الاجتماع، التصويت على المادة بحذفها، وإنهاء الاجتماع: “إنتو بتبوظوا البلد، والحكومة مش عايزة تطلع حق المواطنة، والحكومة والمجلس ضد المواطنة، وهذا تهرب من المسؤولية، هم عايزين قانون معيب وعايزين يقننوا التعنت والتقييد.. لو الرئيس صادق في كلمته عن بناء كنيسة في كل مدينة جديدة فهذا الوضع لن يرضيه”. ومع ذلك، وافقت اللجنة المشتركة في النهاية على مشروع القانون، وأقرت رفعه للجلسة العامة للتصويت النهائي عليه، والتي وافقت عليه بأغلبية الثلثين، كان من بينها نواب كانوا قد اعترضوا على المشروع في مناقشات اللجنة المشتركة.

وأرسلت هنري، اليوم رسالة إلى النواب لحثهم على رفض القانون قالت فيها: “هو مشروع مفروض من الدولة على المسيحيين والكنيسة، هذا مشروع يقنن الظلم والاضطهاد للمسيحيين، هذا مشروع قانون عار على المصريين جميعا قبوله.. عار وطنيا ودينيا.. سجلوا موقف للتاريخ.. ليس للتاريخ فقط ولكن للضمير الشخصي والوطني لكل منكم.. سجلوا موقف قد يساهم في إلغاء هذا القانون الذمي القبيح.. سجلوا موقف صرخة وطنية في وجه أجهزة الدولة المتعصبة الجاهلة بأن الأقباط مصريون مواطنون وليسوا أهل ذمة… شئتم أم أبيتم.. مواطنون عليهم كافة الواجبات ولهم كافة الحقوق”.

يرى إسحق إبراهيم، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن استعجال إدخال القانون إلى مجلس النواب ومناقشته وإقراره خلال ثلاثة أيام دون إجراء نقاش حقيقي حوله سلوك يدعو إلى الارتياب في نوايا الدولة.

ويضيف إبراهيم أن عددًا كبيرًا من النواب اﻷقباط الذين اعترضوا في البداية على عدد من مواد القانون جاء ترشيحهم إلى المجلس ضمن كوتة اﻷقباط، والتي تمت بناءً على ترشيحات الكنيسة واﻷجهزة اﻷمنية، مؤكدًا أن هناك حدودا لمساحة النقد الذي يستطيع هؤلاء النواب تقديمه خصوصًا بعد موافقة الكنائس على مشروع القانون.

يرصد إبراهيم عددًا مما وصفه بـ “اﻷلغام” داخل القانون، قائلاً إن المادة اﻷولى أسهبت في وصف تفاصيل البناء ومكونات الكنيسة، وهو ما يفسح المجال للجهة اﻹدارية للتدخل بالاعتراض إذا أرادت عرقلة بناء إحدى الكنائس. وفي المادة الثانية التي اشترطت الارتباط بين مساحة الكنيسة وحجم السكان واحتياجاتهم، لم توضح الجهة المسؤولة عن تحديد عدد المسيحيين وتوزيعهم واحتياجاتهم، ولم تحدد المعدل المناسب بينهما. كما أن المادة الخامسة التي اشترطت على المحافظ الرد على الطلبات المقدمة إليه خلال أربعة شهور لم تلزمه بالرد، ولم تحدد الخطوة التالية إذا ما تجاهل المحافظ الرد، كما لم تحدد أي تبعات أو عقوبات له. واعتبر إبراهيم أن القانون “يعيد إنتاج شروط العزبي باشا، مع فرض قيود جديدة في التنفيذ”.

خضع بناء وترميم الكنائس على مدى عقود إلى ما يعرف بالخط الهمايوني، وهو مرسوم أصدره السلطان عبد الحميد في فبراير 1856 لتنظيم بناء دور العبادة في جميع الولايات التابعة للدولة العثمانية. وزاد على هذا المرسوم ما صدر عن العزبي باشا، وكيل وزارة الداخلية في عهد رئيس الوزراء إسماعيل باشا صدقي، متضمناً نقاطاً تفصيلية وإضافات جعلت عملية البناء والترميم مستحيلة.

حتى جاء دستور 2014 لينص في المادة 235 على أن “يصدر مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد العمل بهذا الدستور قانونًا لتنظيم بناء وترميم الكنائس، بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية”. ويتوقع أن ينتهي دور الانعقاد اﻷول لمجلس النواب خلال أيام قليلة.

من جانبها، أدانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات في بيان لها اليوم “تعجل البرلمان في مناقشة مشروع قانون بناء الكنائس والاتجاه إلى تمريره رغم تعدد التحفظات على كثير من بنوده”.

واستنكر البيان “عدم طرح القانون للحوار المجتمعي وتجاهل دور المجتمع المدني والمعنيين بالأمر وقصر المناقشات الخاصة بالقانون على مسؤولي الكنائس وممثلي الحكومة، مما يمثل عصفاً بالقواعد الديمقراطية وتقويضاً لحق المواطنين في المشاركة في صناعة التشريعات التي ستنظم حياتهم.”

 وأبدى إبراهيم استغرابه من التحجج بموافقة الكنائس على مشروع القانون لعدم الاعتراض عليه أو تعديله، قائلًا إنه “من المفترض أن المجلس هو من يقر القانون [وليست الكنائس]”.

زاد من سخونة الجدل حول القانون تزامنه مع أحداث العنف الطائفي في الشهور اﻷخيرة، والتي وقع الكثير منها على خلفية بناء وترميم الكنائس، حسبما أوضح بيان أصدرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بمناسبة إطلاقها حملة “مغلق لدواعٍ أمنية” من أجل قانون منصف لبناء الكنائس. وكانت آخر تلك الأحداث نزوح 24 شخصًا، يمثلون عائلة من خمس أسر من أقباط قرية “كوم اللوفي” بمحافظة المنيا، إلى القاهرة خوفا على حياتهم بعد قرار النيابة العامة إخلاء سبيل جميع المتهمين في الاعتداءات التي طالت منازل وممتلكات أقباط في القرية بعد انتشار شائعة بتحويل منزل أحدهم إلى كنيسة.

اعلان
 
 
محمد حمامة