Define your generation here. Generation What
ثلاث قراءات لـ “زي عود الكبريت”
نقد كوميدي لعصر السينما المصرية الذهبي
 
 
 

يأتي الفيلم الروائي الأول الذي كتبه وأخرجه الممثل والموسيقي والمذيع التليفزيوني حسين الإمام مديحًا لأبيه المخرج غزير الإنتاج حسن الإمام (الذي أخرج أفلامًا مثل “خلي بالك من زوزو” ومعالجة سينمائية لثلاثية نجيب محفوظ) وزملائه من مشاهير السينما. ولأن حسين توفي في 2014، فقد أكمل الفيلم ابنه يوسف.

هنا تسجل ثلاث من كاتبات مدى مصر مشاهدتهم لـ “زي عود الكبريت” الذي يعرض هذا الأسبوع في سينما زاوية بالقاهرة.

روان الشيمي

لو كان لي أن أصف حسين الإمام بكلمة واحدة فهي أنه “مبهج”. على مدار مسيرته العملية ـ سواء في التمثيل أو تقديم برامج التليفزيون أو عزف موسيقاه ـ ظل يحقق باستمرار تنويعة سريالية فريدة من الكوميديا. فليس غريبًا على الإطلاق أن يأتي مشروعه الوحيد ككاتب سيناريو ومخرج ليجعل جمهور “زاوية” ينفجر بالضحك.

عُرض “زي عود الكبريت” للمرة الأولى في الدورة السادسة والثلاثين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي سنة 2014 بعد شهرين من وفاة الإمام فجأة متأثرًا بسكتة قلبية. يتألف الفيلم ـ الذي أنتجه بالاشتراك مع زوجته الفنانة سحر رامي ـ من مقاطع مأخوذة من خمسة أفلام غير واسعة الشهرة لأبيه حسن الإمام، بجانب مشاهد جديدة مصورة بالأبيض والأسود، وتعليق كوميدي من حسين الإمام.

بجانب الإمام ورامي، يضم الفيلم فاتن حمامة وهند رستم وماجدة الخطيب وليلى فوزي وعماد حمدي وأمينة رزق وحسين رياض وآخرين، ليصل عدد نجوم الفيلم إلى واحد وعشرين. أنهى السينمائي والموسيقي يوسف الإمام ـ وهو ابن حسين الإمام ـ مونتاج الفيلم، ويعتبر المشروع تعاونًا بين ثلاثة أجيال من أسرة الإمام السينمائية.

يبدأ الفيلم بحسين الأمام وهو يروي ذكريات سنوات القاهرة الذهبية، فينتابنا إحساس بأننا سوف نبقى مع إيقاع النوستالجيا المعتادة، لكن الفيلم يفعل عكس ذلك بالضبط. إذ يحوِّل الإمام نجومه إلى موزعي مخدرات، ويستعمل كليشيهات تلك الحقبة السينمائية استعمالًا كوميديًا. تتمثل عبقرية “زي عود الكبريت” في تناوله الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين ـ أي الفترة التي يراها عدد غير هين من المصريين فترة الأناقة والكوزموبوليتانية ـ محيلًا إياها إلى كوميديا عبثية إلى أقصى حد.

لا يكاد الفيلم ذو الميزانية الإنتاجية المنخفضة يبذل جهدًا لاستعمال نسخ عالية الجودة من الأفلام، ما يوجد تناقضًا صارخًا بين المشاهد الجديدة المصورة والمشاهد المستعارة. قد يضيق البعض من هذا، أما أنا فكان بالنسبة لي إضافة إلى بهجة الفيلم الضاحكة.

من المشاهد التي لا تُنسى سرد حسين الإمام فائق الأمانة لمشهد صراع دراماتيكي تطلق فيه فاتن حمامة ما يتبين أنه مسدس ماء، واللقطة التي يقود فيها سيارة يحرك مقودها بجنون مثلما كانوا يفعلون في الأفلام القديمة.

إجمالًا، يمكنني القول إنك إذا كنت تبحث عن ضحكة حلوة، وتستشعر شيئًا من النوستالجيا للسينما المصرية الكلاسيكية، وتود مشاهدة الفيلم الوحيد والأخير الذي كتبه حسين الإمام ومثَّل فيه وأخرجه، فلا غنى لك عن “زي عود الكبريت”.

لينا عطالله

يبدأ حسين الإمام بإهداء إلى أساتذة وجواهر السينما المصرية التي كان والده من أيقوناتها، وهو إهداء هازل لفيلم يسخر إلى حد كبير من عادات سينما الخمسينيات والستينيات وسماتها؛ كالحبكات البسيطة، والمؤثرات الصوتية والمشاهد غير الواقعية، والقيم المطلقة (كتشبيه شرف المرأة بعود الكبريت الذي لا يشتعل إلا مرة واحدة). تأتي ملهاة الإمام من إيمان وحب وولع قوي بتراث سينمائي طويل شكّله وشكَّلنا بقوة رغم أوجه قصوره وتنميطاته.

ركَّزت مسيرة الإمام السابقة على التمثيل الذي لم يحظ فيه غالبًا إلا بأدوار ثانوية. رغم أنه بدأ التمثيل منذ طفولته، فقد حصرته إجادته لغات مختلفة في أدوار، يبرع من خلالها في تصوير طبقة معينة في تسعينات القرن الماضي ومطلع العقد الأول من القرن الحالي، كأدوار الثري ورجل الأعمال الفاسد والدون جوان الثري، وما إلى ذلك. لكن “زي عود الكبريت” يشي بافتتان عميق لدى الإمام بصناعة السينما وعالم الإخراج الذي نشأ فيه مشاهدًا والده حسن الإمام، دون أن تتاح له الفرصة في ما يبدو لممارسته بانتظام. ولكن “زي عود الكبريت” في نهاية المطاف يبدو إنتاجًا هامشيًا، فرغم عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، لم يحظ بعرض تجاري، وإن يكن الآن متاحًا للجمهور في مكان مناسب له، هو شاشة السينما البديلة في زاوية.

بطريقة ما، يعيد حسين الإمام من خلال أسلوبه الغريب غير الواقعي إنتاج نفس الفنتازيا التي كانت تعرضها السينما المصرية في “عصرها الذهبي” ليضعنا في مواجهة سؤال أساسي عن السينما حين لا تحاول استنطاق الواقع بصورة مباشرة: أليست السينما تعبيرًا مبالغًا عن الواقع وفنًا هو في جوهره غير واقعي وفنتازي ودراماتيكي؟

يمثل فيلم الإمام هذا، لمن ولدوا ونشأوا على هذا التراث السينمائي، لعبًا جيدًا على النوستالجيا والذاكرة، حيث لا تأتي النوستالجيا عبر مشاعر الحزن والفقد المعتادة، بل عبر النقد، والضحك بالطبع.

أماني علي شوقي

ثمة شيء قريب من القداسة في أن تكسب لقمة عيشك من عمل ما تحب، والأروع أن تموت وأنت تعمله. في عام 1960، توفي الممثل الكوميدي نجيب الريحاني وهو يصور آخر مشاهده في فيلم “غزل البنات” الذي مثّل فيه وشارك في كتابته مع فتى الشاشة أنور وجدي. موهبة الريحاني وحسه الكوميدي المذهل أثريا السينما والمسرح في مصر، غير أن غزل البنات له مكانة خاصة، وكأن قطعة من روح الريحاني تظل باقية فيه.

مات حسين الإمام عن 63 عامًا، بعد فترة قصيرة من انتهائه من تصوير فيلمه الأول والأخير الذي يقدم فيه ـ مخرجًا وكاتبًا وممثلًا ـ تركيبة فريدة من الكوميديا الهزلية. يلعب دور وحيد عزت، تاجر المخدرات وصاحب ملهى شهريار الليلي، في سعيه للانتقام من “الراجل الكبير”.

ينسج الإمام سرده التبسيطي لمئات المشاهد من أفلام الأبيض والأسود في الخمسينيات وأوائل الستينيات مضيفًا مشاهد صوّرها على الأرجح في بيته مع زوجته. والنتيجة خليط غير مسبوق من القصص والصور والأنواع السينمائية والأزمنة جاء طازجًا ولطيفًا ومألوفًا. المفارقات البصرية مربكة في بعض الأوقات بسبب تباين مستويات الجودة والمناظر، غير أن الفيلم يقنعك بالتكيف مع هذه الاختلافات والاستمتاع بها.

المونتاج ـ بعد الإمام وفكرته المبتكرة وطرافته الطاغية ـ هو نجم “زي عود الكبريت”. ابنه يوسف الإمام هو من نفذ مونتاج آخر أعمال أبيه، وبمونتاجه السريع الذكي يجسد طبيعة الفيلم الهزلية المنزلية. فبدلًا من محاولة إخفاء التقطيع، يعمل يوسف على تأكيده.

ومثل “غزل البنات”، يبدو “زي عود الكبريت” محتويًا على شذرة من الروح الموهوبة للإمام. فهو والريحاني يبتسمان للجمهور، كل في مشهده الأخير، باعثين رسالة حب وبهجة من فنانين ماتا وهما يمارسان ما يحبان.

ترجمة: أحمد شافعي

اعلان
 
أماني علي شوقي 
روان الشيمي 
لينا عطاالله