Define your generation here. Generation What

تدوينة: عن “سيف”

أحياناً ما تلتصق في ذاكرتنا صورًا لأشخاص أحببناهم بصدق، نتأمل ملامحهم الرائقة فيؤنسنا ظلهم الدافئ حتى وإن غيبهم الموت.

أحمد سيف الإسلام حمد.. صاحب الطلة البهية والوجه البشوش والابتسامة العريضة.

الفقيه والعلّامة حين يحدثك في مجال عمله أو يشرح لك أمرًا قانونيًا مستعصيًا على الفهم بسلاسته المعهودة وإشارات يده الواثقة، منهيًا حديثه بدعابة ما لتخفيف وطأة المفاهيم والمواد القانونية التي قد شرحها منذ قليل.

البوصلة الإنسانية التي تبتعد عن المساحات الرمادية، فكثيرًا ما يصعب علينا الأمر في تحليل وصياغة رأي لموقف أو حدث ما. ما إن تناقشه فتجد الإجابة حاضرة ووافية، فقط لأنه استصاغ الأمر إنسانيًا قبل أي شيئ.

أتذكر عندما دعوته ليكون الضيف الرئيس لمؤتمر عن إسقاط قانون التظاهر في مطلع عام 2014 وتشرفت بأن كنت إلى جواره في قاعة الحريات بنقابة الصحفيين. وقتها طلبت منه رسالة إلى جيلنا من الشباب فباغتنا جميعًا بجملة رائعة مُتقنة، لخص فيها الكثير حينما قال: “أنتم جيل أدنى طموحاتكم هى أقصى طموحاتنا”، في إشارة ذكية للربط بين جيله الذي ناضل منذ مطلع السبعينيات، وبين جيلنا الذي حلم بـ “يناير”.

بعد أن انتهى المؤتمر، وقبل أن يغادر “سيف”، لحقنا به أنا وعدد من الزملاء خارج القاعة والتففنا حوله نوجه له عدة أسئلة دار أغلبها حول الانتهاكات المستمرة لمواد القانون والدستور من السلطة، وكيفية مواجهة ذلك، ظهرت على وجهه ابتسامة عريضة وقال: “أنا رافع قضية على الحكومة من السبعينيات ولم يُفصل فيها حتى الآن”، في إشارة للقضية التي قد رفعها على خلفية تعذيبه أثناء اعتقاله في عهد السادات.

أراد “سيف” أن يبعث إلينا برسالة مفادها أنه مهما طال الوقت وكلما زاد القمع والتنكيل عليكم بالاستمساك بالحقوق والمطالبة بها دون تفريط.

“سيف” الذي أحبه جيل الثورة بأعماره المختلفة، اقترب منهم فتقربوا إليه. وكنت تستطيع أن ترى ذلك جليًا يوم جنازته.

صفوف من الشباب هي المتن الرئيسي للعنوان، راية تحمل وجه “سيف”، ترفرف في مقدمة الجنازة يحملها شاب من معتقلي الشورى. كان “سيف” يقف في المحكمة قبل عام من وفاته مدافعًا عنه هو وزملائه، ومن بينهم ابنه: “علاء سيف”.

هتافات تُردد بصدق وإخلاص من الأفواه وإن كان مصدرها القلوب، هتافات ممزوجة بدموع الوداع، نظرات هائمة وأقدام تتسارع فيما بينها لتحتل مساحة خالية تستطيع أن ترى منها النظرة الأخيرة على “سيف الغلابة”.

ويظل المشهد الأبرز والأكثر وجعًا، والأكثر صلابة أيضًا يوم الجنازة. هي ملامح وجه “علاء وسناء”، وما ارتسم عليهما من وجع الرحيل ودموع الفراق، ثم حالة الثبات والصمود حتى وإن جاءا من محبسيهما لحضور جنازة والدهما مكبلين ومقيدي الحرية.

لقد عاش “سيف” شبابه مناضلًا صلبًا ضد الاستبداد، وأكمل حياته مدافعًا بارزًا عن الحقوق والحريات.

زيزو عبده
حجز 2 سياسي
قسم الجيزة
28/8/2016

اعلان