Define your generation here. Generation What
“خيوس” و”ثاسوس”.. قصة جزيرتين
هل امتلكت مصر الجزيرة اليونانية؟ وما هي حكاية "الوقف المصري"؟
 
 
 

ثارت الكثير من الأسئلة مؤخرًا، بعد أن أقام محاميان دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري للمطالبة بوقف تنفيذ قرار الجهة الإدارية بتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان، فيما تضمنته من التخلي والتنازل عن جزيرة “تشيوس” بالبحر الأبيض المتوسط، وبعد أن طالب النائب البرلماني هيثم الحريري الحكومة المصرية بتوضيح ما يشاع حول تنازل مصر عن جزيرة “تشيوس” بناء على اتفاقية موقعة بين مصر واليونان لترسيم الحدود عام 2015. وهي الخطوات التي أثارت الأسئلة حول تلك الجزيرة ومدى أحقية مصر فيها، وإن كانت حالة جديدة مشابهة لما جرى مع جزيرتي “تيران وصنافير”، وهي الأسئلة التي حاولنا بدورنا أن نجد إجابات لها.

كان وكيل سابق لوزارة الأوقاف يدعى عاطف عثمان، قد أكد ملكية مصر للجزيرة، مضيفًا، في حوار مع الصحفي محمد شردي، قبل يومين، أن “الجزيرة كانت هبة من السلطان العثماني لمحمد علي باشا أوقفها فيما بعد للأعمال الخيرية، مشيراً إلى أنه تم تأجيرها عام 1997 بمليون دولار سنوياً”.

فيما قال النائب هيثم الحريري في تصريحات لصحيفة “صوت الأمة” إن “البرلمان لا يملك أي معلومات عن الاتفاقية بين مصر واليونان، أو عن ما يشاع حول تنازل مصر عن جزيرة تشيوس”، مطالبًا برد رسمي من الدولة المصرية حول موقف الجزيرة ودقة الأخبار المشاعة عنها.

بداية: “خيوس” وليس “تشيوس”

من خلال بحث بسيط على محرك البحث جوجل، اتضح أن اسم الجزيرة، Chios، هو “خيوس” وليس “تشيوس”، وهي خامس أكبر الجزر اليونانية، ومسقط رأس الشاعر اليوناني هوميروس مؤلف “الإلياذة والأوديسة”.

ويعتبر تاريخ الوجود العسكري المصري في جزيرة “خيوس”، فضلًا عن جزر يونانية أخرى، دمويًا للغاية، خاصة إبان حرب الاستقلال في القرن التاسع عشر، حينما ارتكبت القوات العثمانية بقيادة الأدميرال كارا علي باشا، والتي ضمت قوات عسكرية مصرية، مذبحة دموية في “خيوس” عام 1822، أدت إلى مقتل خمسة وعشرين ألف شخص، واتخاذ ضعف هذا العدد كعبيد. قبل أن تتكرر المذابح في جزر يونانية أخرى، منها جزيرة كاسوس، التي ارتكب فيها محمد علي باشا عام 1824، مذبحة، بمشاركة قوات عسكرية مصرية،  أنهت حياة سبعة آلاف شخص.

اتفاقية لا وجود لها

بالعودة لتصريحات وكيل وزارة الأوقاف حول الاتفاقية التي وقعتها مصر مع اليونان بخصوص جزيرة “خيوس”، فإن بحثًا سريعًا على الموقع الرسمي لوزارة التعاون الدولي عن تاريخ الاتفاقيات بين البلدين لم يسفر عن أي تفاصيل عن هذه الاتفاقية المزعومة. بدلًا من ذلك، عثر “مدى مصر” على اتفاقية وحيدة صدقت عليها مصر واليونان عام 1997، إلا أنها كانت خاصة بمنع الازدواج الضريبي بين البلدين.

إلا أن ما قاله “عثمان” قد يحمل شيئًا من الصحة، تحديدًا فيما يخص “الإيجار”؛ فقد أعلنت وزارة الأوقاف في بيان لها، في 21 أغسطس الجاري، أن وزير الأوقاف، محمد مختار جمعة، قد كلف رئيس هيئة الأوقاف المصرية بإرسال خطاب لتفويض السفارة المصرية بأثينا في النظر في أعمال ترميم لأوقاف مصرية في اليونان، حيث من المقرر أن يتم تكليف وفد مختص من الوزارة للسفر لليونان بعد عيد الأضحى المبارك لمباشرة عملية الترميم. وقالت وكالة أنباء الشرق الأوسط نقلا عن مصدر بالوزارة “إن زيارة وفد الأوقاف إلى اليونان يأتي كذلك في إطار دعم العلاقات مع اليونان في المجال السياحي، موضحًا أن الوفد سيضم خبراء في الاستثمار والسياحة والآثار ومن هيئة الأوقاف المصرية، حيث تقع إحدى قطع أراضي الأوقاف على شاطئ جزيرة “داسوس”، مما يجعلها مهيأة للاستثمار السياحي المتميز”.

من أين أتى اللَّبس؟

يشرح أستاذ التاريخ في جامعة هارفرد، خالد فهمي، أن هناك لبسًا واضحا في الأخبار المتداولة، فالجزيرة التي تضم أوقافًا مصرية هي في الواقع جزيرة “ثاسوس” أو “طاشيوز” طبقا للغة العثمانية، وليست جزيرة “خيوس”.

أحد المباني التابعة لوزارة الأوقاف المصرية في جزيرة ثاسوس/ طاشيوز

ويقول “فهمي” إن جزيرة “ثاسوس” تقع شمال بحر إيجة بجوار مدينة “قولة” -مسقط رأس محمد علي باشا- موضحًا أنها وقعت تحت الحكم العثماني في القرن الخامس عشر، أي قبل وقوع مصر تحت الحكم العثماني بمئة عام.

البداية: مكافأة لمحمد علي

يضيف “فهمي” أن قصة الأوقاف المصرية في هذه الجزيرة تعود للقرن التاسع عشر، حين أهدى السلطان العثماني “محمود الثاني” وقفًا لمحمد علي باشا، عبارة عن مجموعة من الأراضي الزراعية بالجزيرة -الغنية بزراعة شجر الزيتون ومناحل العسل- مكافأة له على انتصاره على الوهابيين. فيما يستدرك “فهمي”: “أؤكد أن مصر لم تحمل يومًا سند ملكية لهذه الجزيرة، وإنما هي وقف امتلكه محمد علي كمكافأة له”.

ويستكمل قائلًا إن محمد علي استخدم وقف الأراضي الزراعية في جزيرة “ثاسوس” للصرف على بناء “Imaret” -وهي كلمة تعني في اللغة العثمانية “عمارة وقفية”- الموجود في مدينة “قولة” المقابلة للجزيرة، وهي مسقط رأس محمد علي. وكان البناء عبارة عن مدرسة خيرية للأطفال الفقراء في المدينة ملحق بها مطعم ومسكن، وهو الوقف الذي يقول “فهمي” إنه تضاعف الوقف وكبُر بشكل واضح. وهو الوقف الذي ظلت مصر تديره بعد وفاة محمد علي من خلال “نظارة الأوقاف الخديوية”، وبسبب سيطرتها على الوقف، أصبح لمصر دورًا في الجزيرة وصفه “فهمي بأنه “دور خيري وليس إداري أو عسكري”.

وحسبما يقول “فهمي”، طلب إبراهيم باشا، ابن محمد علي، من السلطان عبد الحميد تعيين حاكم عسكري مصري لحماية حدود الجزيرة وحماية الأوقاف المصرية هناك، وهو ما وافق عليه السلطان على مضض. إلا أن التواجد المصري في الجزيرة ضعف في بدايات القرن العشرين، خاصة بعد تحولها لساحة حرب سواء أثناء حرب البلقان أو الحرب العالمية الأولى.

يقول “فهمي”: “انتهى النزاع بين الدولة التركية الحديثة واليونان بعد سقوط الدولة العثمانية، بينما ظل الوضع المصري غير مفهوم”، ويستكمل: “في تقديري الشخصي، ربما استمر الفلاحون اليونانيون في دفع قيمة إيجار الأراضي الزراعية المحدودة في الجزيرة للأوقاف المصرية، لكن مصر لم تمتلك الجزيرة كلها بأي حال من الأحوال”.

في الوقت نفسه، بحسب “فهمي”، تهالكت “العمارة” الموجودة في مدينة “قولة” وأُهملت تماما، حتى عام 1997، حين قامت سيدة يونانية من مدينة قولة، تدعى آنا مسيريان، بحماية “العمارة”، بعد أن أجّرتها من وزارة الأوقاف المصرية وأعادت ترميمها، وحولت المبنى لتحفة معمارية وأصبح فندقًا رائعًا ومزارًا سياحيًا كبيرًا.

يوضح “فهمي”: “تعترف آنا مسيريان بملكية مصر للعمارة، وهي تضع العلم المصري فوق مبنى الفندق وفي مدخله بجوار تمثال كبير لمحمد علي”. مؤكًا أنها وقعت عقد إيجار مع الأوقاف لمدة خمسين عامًا وأنها تدفع الإيجار بانتظام، بعد أن أنفقت ملايين الدولارات لإعادة إحياءه وترميمه. كما قامت أيضًا بتأجير منزل محمد علي باشا الواقع بالقرب من الفندق.

كارثة التصريحات

فيما يقول “فهمي” إن مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي التابع لمكتبة الأسكندرية قام بمحاولة لتوثيق التراث المصري في اليونان. إلا أنه يستدرك: “الأنباء المتداولة عن تصريحات مسئول سابق بالأوقاف تكشف عن كارثة، فالحكومة المصرية تبدو على غير علم بالأوقاف المصرية في اليونان. كل المعلومات عن الأوقاف المصرية هناك استقيتها، بمنتهى الصعوبة، من دار الوثائق القومية، ويبدو أن أحدًا لا يريد لهذه الوثائق أن ترى النور، مثلما حدث في قضية تيران وصنافير”.

مختتمًا بقوله: “لا تريد الدولة للمصريين أن يعرفوا تاريخهم، بمنعها إتاحة هذه الوثائق لهم”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين