Define your generation here. Generation What
لا نساء في فنادق هذه المدينة
لماذا ترفض الفنادق المصرية نزول النساء فيها؟
 
 
 

في شهر يوليو الماضي حاولتُ حجز غرفة فندق في مدينة المنيا، أعطتني تلك المحاولة انطباعًا أن كل ما يقال عن انهيار السياحة في مصر خلال السنوات الماضية محض كذب وافتراء، وأن السياحة في الحقيقة تشهد انتعاشًا استثنائيًا. كان هذا تفسيري الوحيد لادِّعاء أكثر من عشرة فنادق اتصلت بها لحجز غرفة أن الفندق ممتلئ عن آخره، خاصة أننا نتحدث عن مدينة المنيا، التي لا تضاهي الأقصر أو شرم الشيخ مثلًا في اجتذاب الزائرين، فضلًا عن تزامن رحلتي مع موجة حارة كان الصعيد يعاني من أقسى تبعاتها.

تنوعت محاولاتي لإيجاد غرفة بين فنادق سياحية فاخرة وأخرى متهالكة، وفي الحالتين تلقيت الإجابة نفسها: “كومبليه يا فندم”، حتى حين سألت عن حجز في تاريخ لاحق، كنت أصل للإجابة ذاتها “برضه كومبليه”. أعطتني بعض الردود إحساسًا أن الأمر له تفسير آخر غير الانتعاش المفاجئ للسياحة في الصعيد، مثلما حدث حين سألني أحد العاملين عن هوية من سينزل بالغرفة قبل أن ينصرف -حين أجبته- لمدة ثانيتين إلى ما بدا لي ادعاءً بالانشغال، قبل أن يعود بالرد نفسه.

قبل ذلك الموقف ببضعة أسابيع، واجهت المشكلة نفسها عند محاولتي حجز غرفة فندق في مدينة المنصورة. بعد عدة محاولات فاشلة، نجحت أخيرًا في حجز غرفة بأحد الفنادق. ولكوني غريبة عن المدينة ولأن الفندق كان أدنى من المستوى المتوسط -الذي غالباً ما ألجأ إليه أملاً في درجة من الأمان- سألت أحد الزملاء من أبناء المنصورة عن الفندق، فحذرني فورًا من النزول به. قبل أن يخبرني أن هذا الفندق تحديدًا سبق واشترط على صديقة له أن يغلق المدير باب غرفتها من الخارج بدءًا من التاسعة مساءً حتى الصباح التالي خلال فترة بقائها فيه.

كثيراً ما تواجه الفتيات والسيدات بعض المعارضة من الأهل عند السفر وحدهن؛ بحكم أعراف المجتمع التي تعتبر في ذلك خطرًا على المرأة أو انتهاكًا للتقاليد المحافظة. ولكن ما فاق المتوقع هو أن المرأة أصبحت الآن بحاجة لإقناع، ليس الأهل فقط، ولكن أيضًا إدارات الفنادق بأحقيتها في السفر بدون مرافقين.

تحدث “مدى مصر” إلى نساء عانين من رفض الفنادق استقبالهن في مختلف محافظات مصر؛ من الإسكندرية وصولًا للصعيد، بل وحتى بعض فنادق العاصمة.

أغلب الحالات التي رصدها “مدى مصر” تركزت في الفنادق ذات المستوى المتوسط (ثلاثة أوأربعة نجوم)، ما يبدو معه أن الفنادق الأقل مستوى تكون أقل انتقائية، وأن الفنادق ذات النجوم الخمسة قد تمنعها معايير الضيافة الأعلى، والارتباط بشركات دولية، من رفض الخدمة بناء على أسس تتعلق بالعادات الاجتماعية، وإن كانت الفنادق الكبرى قد شهدت بعض الحالات، ولكن بمعدلات أقل.

لم يشفع لمنى الباز، ٣٢ عامًا، وجود طفلتها ذات الثماني سنوات معها عند محاولتها الحجز بعدة فنادق ٣ نجوم بالإسكندرية مؤخرًا. أخبرتها عدة فنادق، منها فندقي “كليوباترا” و”الحرم”، أن القرار أتٍ من الشركة المالكة، وطلبوا منها الحصول على تصريح من شرطة الآداب. كان شرط الفنادق للتخلي عن طلب التصريح هو تواجد قريب من الدرجة الأولى، وهو ما حاولت “منى” إقناعهم باستحالته نظرًا لوفاة أبيها وعدم وجود إخوة لها، ولكونها مطلقة. انتهى الأمر بـ “منى” وهي تجول كورنيش الإسكندرية، مع ابنتها التي ترغب في النوم، بعد العاشرة مساءً، وتدخل كل فندق تقابله حتى وافق أحدهم أخيرًا على استقبالها. تقول: “شعرت بإهانة شديدة، ليس هناك داعٍ لإذلال الناس بهذا الشكل”.

قصص الفتيات اللاتي رفضت الفنادق استضافتهن، واللائي تحدثن مع “مدى مصر”، أظهرت أن شرطًا محددًا جدًا هو ما يضمن للنساء النزول بالفنادق بدون مشكلة؛ وهو وجود قريب ذكر من الدرجة الأولى،  رغم تنوع بطلات القصص بين فتاة بمفردها، ومجموعة فتيات، ومجموعة مختلطة بلا صلة قرابة، ومجموعة من القريبات الإناث، بل وحتى فتاة معها قريب من الدرجة الثانية.

تحكي المُعلمة دينا عمرو -٢٩ عامًا- عن معاناتها هي وأمها وأختها في محاولات النزول بفنادق في مختلف المحافظات، منها القاهرة وبورسعيد، في ظل وفاة والدها وعدم وجود إخوة ذكور. ولم يعد من حل أمام الأسرة في الأغلب سوى التوجه لفنادق القوات المسلحة لحملهم كارنيه القوات المسلحة، وإن كان نزولهم بأحد تلك الفنادق يستوجب، حسبما تقول، أن يقوم زوج عمتها بحجز الغرف، ليس هذا فقط، ولكن أن يتواجد معهم أيضًا عند استلام الغرف. تقول “دينا”: “بقيت أوفّر على نفسي الإحساس بالدونية ولما بسافر بنزل في بنسيون”.

تشير الردود التي تلقتها الفتيات لوجود أسباب مركبة لرفض الفنادق وجودهن، فأحيانًا ينم الرد عن حكم أخلاقي على الفتاة التي تسافر بدون مرافق شرعي، وهو التصرف الذي يرفض القائمين على الفندق دعمه. وهو ما ظهر في تفسير أحد أصحاب الفنادق لإحدى الفتيات رفضه لنزولها بالفندق قائلًا: “أصل أنا راجل محترم وليّا سمعتي”.

ورغم تعدي معظم من تحدثنا معهن سن الرشد، ما يجعلهن مواطنات كاملات الحقوق، إلا أن البعض الآخر من الفنادق عاملهن كقُصَّر، مثل فندق “كليوباترا” بالإسكندرية -والذي كان صاحب النصيب الأكبر من الحالات التي تواصل معها “مدى مصر”- والذي أخبر أحد العاملين فيه أميرة -٣١ عامًا- أنه “لا يستطيع أن يتحمل مسئوليتها”، وبعد فشلها في إقناع عدة فنادق متوسطة المستوى بالإسكندرية باستضافتها، اضطرت “أميرة” إلى اللجوء لأحد الفنادق ذات النجوم الخمسة لتمضية الليلة.

فيما قرر بعض الفنادق، بقرار منفرد، رفع سن الرشد للفتاة. أحد فنادق مدينة الإسكندرية أخبر هاجر السيد بعدم إمكانية نزولها بالفندق نظرًا لكونها أقل من ٤٥ سنة.  تقول “هاجر”: “أنا معيدة جامعية، عمري ٣٢ عامًا ولست مراهقة، أشعرني الموقف بالإذلال الشديد”.

السيدة “طاهرة”، مديرة فندق “إخناتون” بالمنيا، شرحت لـ “مدى مصر” أن السبب الأساسي لتلك السياسة هو التخوف من حدوث علاقات غير مشروعة بين المقيمين بالفندق، مما يعرض الإدارة للمساءلة القانونية.

وفسرت “طاهرة” ذلك المنطق قائلة: “البنات بتقول لأهلها إنها مسافرة شُغل، وبتبقى مظبطة نفسها، والشاب اللي تعرفه ياخد أوضة تانية، ويعيشوا حياتهم، وده ما ينفعش إطلاقًا”.

ولذلك يشترط الفندق على الفتاة الراغبة في الإقامة وحدها أن تحمل خطابًا من أحد أفراد العائلة أو جهة عملها أو دراستها ليكون “ضامنها”، على حد قول السيدة “طاهرة”.

اشتراط وجود تعهد من جهة ما بتحمل مسئولية الفتاة لكي يخلي الفندق ذمته تكرر مع عدة حالات، مثلما حدث مع أحمد رجب، الذي اضطر أثناء تنظيم مؤتمر بالمنيا في ٢٠١٢ إلى اختلاق شركة وهمية وإلزامها بمسئولية الفتيات، وذلك بعد رفض عدة فنادق في المدينة تسكين المُنظِمات. وهو الموقف الذي تكرر مع الباحثة سارة صادق -٣٥ عامًا- والتي تقول إن أحد فنادق مدينة سوهاج ادّعى عدم وجود غرف شاغرة رغم قيامها بحجز مسبق، وذلك بعد إدراك إدارة الفندق أن الغرفتين المطلوبتين لها ولزميل. بعد تصميم من “سارة” وزميلها طلب الفندق رسالة من الجامعة تثبت تواجد “سارة” في المدينة للدراسة، إلا أنها رفضت ذلك ونجحت في النزول بالفندق.

في حين توضح السيدة “طاهرة” أن تلك القواعد لا تنطبق على النزيلات الأجنبيات، تقول: “همّا عندهم العلاقات دي عادي، ممكن حتى البنت والولد يقعدوا في نفس الأوضة، همّا مش بيهتموا ولا إحنا بنهتم”.

في شهر يوليو الماضي، انتشر على فيسبوك منشور لفتاة تدعى ميار أباظة، والتي اشتكت من رفض فندق “ريكسوس” بالإسكندرية، وهو جزء من سلسلة فنادق عالمية (٥ نجوم)، تسكينها هي وأختها بالرغم من حجزهم، وكان التفسير الذي تم تقديمه لهما: “ما بنسكنش سناجل”. يتبع الفندق سياسة تسكين الأسر فقط، مانعًا الخدمة عن السيدات والرجال بالتساوي.

أحد العاملين بالاستقبال في فندق “ريكسوس” الإسكندرية، طلب الاحتفاظ بسرية هويته، فسّر لـ “مدى مصر” المنطق من وراء هذه السياسة: “ما بقاش فيه فرق بين بنت وولد في الزمن ده، تخيلي بنت قاعدة لوحدها والشيطان شاطر ممكن يحصل إيه؟”، وحين لم أفهم الجرائم الأخلاقية التي قد يؤدي لها هذا الموقف شرح الموظف أكثر: “لو ولد لوحده قاعد وشاف أسرة وفيها بنت حلوة يقوم يصفرلها، ولو بنت لوحدها وشافت ولد عجبها تقوم مسقفاله، وعشان كده الفندق قرر يتفادى المواقف دي ويسكن أسر ومتزوجين فقط”.

برغم تكرر تبرير بعض الفنادق لهذه السياسة بقانون السياحة أو التعليمات الأمنية، إلا أن ناجي عريان، عضو غرفة الفنادق في اتحاد الغرف السياحية، يؤكد عدم وجود أي سند قانوني لهذه السياسة وكونها قرارات فردية، بل يؤكد أن من حق من تتعرض لذلك أن تقدم شكوى ضد الفندق بقسم الشرطة؛ نظراً لمنعه الخدمة عنها، ما يخالف القانون. وتعجب عريان من هذه السياسة في ظل تدهور السياحة الخارجية واعتماد الفنادق بشكل أكبرعلى الزبون المصري، قائلًا: “إحنا ما بنصدق الزبون ييجي!”.

اعلان
 
 
هبة عفيفي