Define your generation here. Generation What

اﻷولمبياد: سياسة وحرب

“رغم حصولي علي ميداليات ذهبية علي مستوى الدول العربية وإفريقيا إلا أن الحكومة لم تصرف لي مكافآتي منذ 2015 . كل ما أطلبه من الدولة إنها تديني فلوسي، أنا كنت باصرف مكافآتى واستلف عليها علشان أقدر أخوض الأولمبياد. “

كانت هذه أحلام محمد إيهاب التي عبر عنها بعد فوزه ببرونزية رفع الأثقال في أولمبياد ريو دي جانيرو، أما سارة سمير صاحبة البرونزية في المسابقة نفسها فقد انشغلت وسائل الإعلام بإبراز مشكلتها المتمثلة في عدم موافقة وزارة التعليم على تأجيل امتحاناتها للثانوية العامة. كما أطلقت إيناس خورشيد، صاحبة المركز الخامس في المصارعة والتي كادت أن تحقق ميدالية برونزية لولا هزيمتها في المباراة الأخيرة، بعض التصريحات الغاضبة عقب خسارتها حيث حمَّلت المسؤولين عن الرياضة في مصر مسئولية عدم تحضيرها بشكل جيد للبطولة بالإضافة للضغوط العصبية والجسدية التي واجهتها حينما كانت تتجه يوميًا إلى اللجنة الأولمبية، بعدما رفضوا سفر مدربها إلى البرازيل، قبل أن تتمكن في النهاية من حل الأزمة.

لا يواجه الرياضيون في دول العالم الأول تلك المشاكل ولا ينشغلون بحل أزمات من هذا النوع، حيث يتلقون دعمًا واسعًا وغير عادي بالمقارنة بغيرهم، بالإضافة لعمليات التجنيس والبحث والتنقيب عن المواهب التي تقوم بها الدول الغنية، ولن أضيف جديدًا هنا إذا قلت إن أية ميدالية حصدتها مصر في السنين الأخيرة – وربما على مر التاريخ – كانت بالتأكيد نتاج مجهود فردي خالص وكفاح شخصي استثنائي دون أي دعم حقيقي أو اهتمام يذكر.

***

رغم كون الرياضة عمومًا واحدة من أكثر مجالات الحياة عدالة، إلا أنها لا تخلو من الحسابات السياسية والاقتصادية أيضًا، فالدول التي تتنافس على الهيمنة على العالم اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا إذا لزم الأمر، لا تستهين بالرياضة، بل توليها كل الاهتمام وتحسبها معركة ضمن معارك فرض نفوذها.

الدورات اﻷوليمبية على وجه التحديد كانت مسرحًا دائمًا للصراعات السياسية، ومعتركًا من معتركات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، ولذا لم يكن مستغربًا ما فعلته السباحتان الأمريكيتان ليلي كينج وكايتي ميلي، الفائزتان بالميداليتين الذهبية والبرونزية، في سباق المئة متر سباحة ظَهر في ريو أ ثناء تتويجهما، من الامتناع عن تهنئة ومصافحة الروسية يوليا يفيموفا الحاصلة على الميدالية الفضية.

ورغم أن هذا الموقف جاء عقب رفض إسلام الشهابي لاعب الجودو المصري مصافحة منافسه الإسرائيلي بأيام قليلة، إلا أن الإعلام الأمريكي لم يهاجم لاعبتيه بقدر قسوة هجوم وسائل اﻹعلام المصرية على إسلام، والتي تبنت- رسمية كانت أو شبه الرسمية – خطابًا لا يختلف كثيرًا في فحواه عما بثته نظيرتها الصهيونية.

***

إذا نظرنا إلى مجموع الميداليات التي حصلت عليها الدول في الأولمبياد على مر التاريخ سنجد أمريكا متربعة على سائر الدول بفارق شاسع، حيث حققت 2802 ميدالية متنوعة في 28 مشاركة لها، من أصل 29 بطولة أقيمت حتى يومنا هذا، حيث أنها قاطعت أولمبياد 1980 التي أقيمت في موسكو، وقادت تحالفا من خمس وستين دولة لمقاطعة المسابقة ذاتها بحجة الحرب السوفييتية في أفغانستان، ذلك بعد سنين قليلة من حرب أمريكا نفسها ضد فيتنام، ومن ضمن دول التحالف كانت مصر التي بدأت عصر التبعية الأمريكية بعدما قرر السادات أن 99 % من أوراق اللعبة في يد الأمريكان ومشى في ركبهم مطيعًا، ومن بعده خلفاؤه.

في الدورة التالية مباشرة، أي عام 1984، والتي أقيمت في لوس أنجيليس، ردَّ السوفييت التحية للأمريكان، ولم يشاركوا في البطولة بحجة الخوف على أمنهم الشخصي من الهوس الأمريكي وهيستيريا معاداة الشيوعية، كما قاطعت كوبا وألمانيا الشرقية وليبيا وإيران البطولة.

اللافت والغريب أن بعد أمريكا مباشرة، يأتي الاتحاد السوفييتي في المركز الثاني في قائمة الدول الأكثر فوزًا بالميداليات عبر التاريخ، وذلك رغم عدد مشاركاته المحدود جدًا، حيث لم يشارك لاعبوه إلا في تسع مسابقات فقط من أصل 29 بطولة، وحصل السوفييت في تلك البطولات التسع على عدد من الميداليات يفوق دولًا كبرى شاركت في ثماني وعشرين بطولة مثل إنجلترا وفرنسا، حيث تفوق السوفييت بأكثر من مئتي ميدالية عن بريطانيا صاحبة المركز الثالث، منها أكتر من 150 ذهبية، ما يعني أن الاتحاد السوفييتي الذي اختفى من الوجود منذ حوالي ستة وعشرين عامًا يضمن البقاء في مكانه الثاني بتلك القائمة لسنوات قادمة رغم ثبات رقمه دون زيادة بل ورغم زواله عن الوجود.

واقع الأمر أن الدول السوفييتية شاركت لمرة عاشرة وأخيرة تحت علم واحد، وذلك في أولمبياد برشلونة 1992 التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفييتي مباشرة، ولكن تحت اسم “الفريق المتحد”، الذي ضم لاعبي 12 دولة من الـ15 دولة السوفييتية السابقة، باستثناء لاتفيا ولتوانيا وإستونيا الذين شاركوا بشكل منفرد خارج الفريق المتحد، ورفع اﻷخير العلم الأوليمبي ليجتمع اللاعبون السوفييت السابقون تحته بدلًا من علمهم الأحمر، ولذا لا تضاف تلك الميداليات التي حصدها الفريق لاسم السوفييت، وقد حصل الفريق المتحد على المركز الأول في تلك البطولة متفوقًا على أمريكا بثماني ذهبيات. ولم تكن تلك المرة الأولى التي يتفوق فيها السوفيتيون على الأمريكان، ولكنها كانت اﻷخيرة وتحت اسم وعلم غريبين. إذا حسبنا تلك المشاركة كمشاركة عاشرة للسوفييت، سيتضح أنهم حصدوا المركز الأول في سبع بطولات من أصل عشر مسابقات خاضوها سواء تحت علمهم الأحمر أو الأوليمبى، بينما تربعت أمريكا على عرش البطولة في 17 مناسبة بالإضافة لمرة واحدة لكل من ألمانيا والصين وفرنسا وإنجلترا، ألمانيا على أرضها في عهد هتلر، والصين أيضًا على أرضها في بكين منذ ثماني سنوات، أما فرنسا وإنجلترا فقد حققا إنجازهما في الدورات الأولى للأولمبياد، تحديدًا عام 1900 وعام 1908 على التوالي.

وعلى غرار الاتحاد السوفييتي الذي لم يعد له وجود، تحتل ألمانيا الشرقية، والتي لم يعد لها وجود، مركزًا متقدمًا في تلك القائمة بوقوعها في المركز التاسع رغم مشاركتها في خمس مسابقات فقط.

***

في الدورة الأخيرة من اﻷولمبياد، والتي انتهت منذ أيام، تربعت أمريكا كالعادة على قمة الجدول، وتبعتها بريطانيا ثم الصين بفارق ذهبية واحدة عن الإنجليز، إلا أن أحد المواقع الصينية المعارضة، والذى يُبث من كاليفورنيا، أشار لغضب المسؤولين الصينيين من تلك النتيجة المخيبة للآمال ولدعوتهم وسائل الإعلام الصينية للتركيز على الفائزين وروحهم البطولية وعدم تداول الأخبار عن إخفاق اللاعبين الصينيين أو مآسيهم.

هذا بينما حلت مصر في المركز الخامس والسبعين، متفوقة بمركزين وميدالية برونزية على عدوها الأول إسرائيل، رغم فارق الإمكانيات الرهيب بين البلدين، وفارق الدعم الذي يحصل عليه اللاعبون القادمون منهما. ورغم أن مصر هي الخامسة عربيًا في ترتيب تلك البطولة بعد كل من البحرين، الأردن، الجزائر وقطر، إلا أنها أكثر العرب حصدًا للميداليات برصيد ثلاث ميداليات، ولكنها جاءت جميعها من الفئة البرونزية، وبذلك رفعت مصر رصيدها إلى29 ميدالية أوليمبية عبر التاريخ، لتحافظ على مركزها في صدارة العرب تاريخيا، أما إسرائيل فتقع خارج المنافسة تماما، حيث تأتي بعد كل من مصر والمغرب وتونس والجزائر بعدد تسع ميداليات فقط، بينها ذهبية واحدة عبر تاريخها القصير.

استطاعت مصر الحفاظ على موقعها هذا في الشرق الأوسط رغم فترة صيام طويلة امتدت لما يزيد عن الأربعين عامًا، حيث لم تحقق أية ميدالية أوليمبية بداية من أوليمبياد 1964 وحتى أثينا 2004، سوى فضية واحدة حصل عليها محمد رشوان في الجودو في بطولة لوس أنجيليس 1984 وذلك بعد خسارته نهائي البطولة في مباراة شهيرة تعتبر مضربًا للمثل في الأخلاق والروح الرياضية. كانت مباراة رشوان مع منافس ياباني، وأصيب الأخير قبيل اللقاء في ساقه اليمنى، إلا أن رشوان رفض بنزاهة وكبرياء يُحسد عليهما تسديد أي من ركلاته باتجاه ساق زميله المصابة. خسر رشوان المباراة بشرف – وعذرًا على الأكليشيه، ولكنه حقيقي إلى أبعد حد – ولكنه كسب احترام الجميع والسمعة الطيبة التي طارت عبر العالم بعدما تداولت الصحافة اليابانية والغربية موقفه الأخلاقي المميز وغير المعتاد.

***

كانت أنجح مشاركة لمصر في الأولمبياد عبر تاريخها، هي مشاركتها في بطولة لندن 1948 حيث حصلت فيها على ذهبيتين وفضيتين وبرونزية، وثاني أفضل مشاركة كانت ضمن دورة برلين 1936 التي حصدت فيها ذهبيتين أيضًا، وفضية واحدة وبرونزيتين. كانت تلك البطولة هي أبرز دعاية يقدمها النظام النازي لنفسه، وحرص هتلر على حضور بعض المسابقات لتحفيز اللاعبين الألمان، والذين دأب على دعم بعضهم اسمًا، والرهان على فوزهم والتقاط الصور الفوتوغرافية بجوارهم قبيل البطولة، لتصميمه على أن تثبت ألمانيا بتلك البطولة تفوق الجنس الآري على ما عداه، وقد كان للفوهرر ما أراد، حيث تصدرت ألمانيا قائمة الميداليات للمرة الأولى والوحيدة بتاريخها.

في تلك البطولة قدمت مصر واحدًا من أهم ظواهر الرياضة في العالم، بطل رفع الأثقال خضر التونى، الذي لا يزال إلى يومنا هذا يعتبر من أهم لاعبي رياضته، مثله مثل مارادونا وديستافينو أو بيليه في كرة القدم. قبيل البطولة التي عقدت بألمانيا، حقق التوني رقمًا عالميًا برفع الأثقال في الوزن المتوسط. إلا أن البعض، وفي عالم بلا إنترنت، يوتيوب أو حتى فيديو، شككوا في حقيقة هذا الرقم، وادعوا أنه مبالغ فيه، وأن ما من مخلوق بإمكانه رفع هذا الثقل الذي يتحدثون عنه، إلا أنه عندما وصل إلى برلين رفع الوزن نفسه أمام الكاميرات والصحفيين وفي حضور هتلر وحاشيته، وفاز على منافسه الألماني المدعوم من هتلر شخصيًا وبالاسم بفارق مهول؛ 35 كيلو كاملين! وعند تسليم الديكتاتور الألماني الميدالية الذهبية للبطل المصري، شد على يده وقال له بنبرته الحماسية المعتادة إن من حق مصر أن تفخر به، ثم أضاف أنه يتمنى أن يكون من بين الألمان من هو في قوته وبطولته، ودعاه لأن يعتبر ألمانيا بلدًا ثانيًا له، ولا عجب في انبهار الفوهرر بذلك الشاب القوي مفتول العضلات، هو المتأثر بنيتشه وفلسفته.

عندما عاد خضر إلى مصر تحصل على مكافأة كبيرة جدا حينها، وهي ألف جنيه، أستغلهم في بناء بيت في حلوان، هذا بالإضافة لهدية أخرى وهي اشتراك دائم في الترام، أبونيه. ولكن من حظه العاثر أن ألغيت البطولة في عامي1940 و1944 بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، لكنه شارك في بطولة لندن 1948 بعد أثني عشر عامًا من مشاركته الأولى، وكان قد بلغ الثانية والثلاثين من عمره، واستمر الحظ في معاندته، حيث أصيب قبيل يوم المسابقة، لكن يقينه بأن هذه هي آخر فرصة متاحة أمامه دفعه للتحامل على نفسه وخوض المسابقة، ومرة أخرى لم يكن الحظ حليفه، رغم تقديمه أداء جيدًا بالنسبة للاعب مصاب، حيث حقق المركز الرابع بعد تعادله مع لاعب آخر في المركز الثالث.

لم يعش خضر التوني طويلًا بعدها، فقد مات وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، على إثر صعقة كهربائية أصابته أثناء عمله في بيته في حلوان.

***

هل هي مجرد رياضة تنافسية وحسب؟ هل الغرض منها حقًا هو المقاربة بين الدول والشعوب كما يُدعَّى، أم أنها وجه آخر من وجوه الصراعات العالمية، أو ربما الحروب؟ وهل الفشل المصري، الذي حسنت من وضعه بعض البطولات الفردية، يعبر عن وضع مصر الطبيعي في هذا العالم المتصارع؟ هل هو امتداد لكل أشكال الترهل والفشل الممتدين بطول البلاد وعرضها؟ ألا نستحق حقًا ما هو أفضل من ذلك؟

***

منذ أيام قليلة انتشرت في وسائل الإعلام وبمواقع التواصل الاجتماعي صورة للأبطال المصريين الثلاثة، محمد إيهاب وسارة سمير وهداية ملاك، بجوار الرئيس السيسي، كانت الصورة قد التقطت قبل حوالى ثمانية أشهر، حيث وقف السيسي على خشبة مسرح الأوبرا محاطا بعدد من الأبطال الرياضيين في احتفالية خاصة، تبادلوا فيها الابتسامات والصور الفوتوغرافية دون أن ينقذ ذلك أي منهم من مشاكله المادية، الدراسية، التدريبية، أو الفنية. وعندما سُئل محمد إيهاب الملقب بالبوب عن تلك الصورة، توجه بالشكر للرئيس وللقوات المسلحة – كما هى العادة الموروثة- ثم طالبهم بإطلاق اسم والده، لاعب رفع الأثقال الراحل، والذي توفى على إثر أصابته بفيروس سي، على أحد ميادين الفيوم تخليدًا لذكراه، كما طالب البطل بتوفير شقة سكنية مناسبة لإقامته هو ووالدته المريضة بالفشل الكلوي، وأن تكون الشقة فى الأدوار الأولى لما تواجهه والدته من صعوبة كبيرة في الصعود إلى الطابق الخامس حيث يسكنون.

اعلان
 
 
أحمد عبد المنعم رمضان