Define your generation here. Generation What
في قوارب الهجرة إلى إيطاليا: أطفال مصر بدلا من ضحايا سوريا
لماذا أصبح سوريون أقل ومصريون وأفارقة أكثر يعبرون البحر عن طريق ساحل مصر الشمالي؟
 
 
 

وحده تماماً وصل الطفل أحمد، البالغ من العمر 13 عامًا، إلى شاطئ لامبيدوزا جنوبي إيطاليا، على متن قارب مطاطي لمهاجرين غير رسميين. ولدى وصوله إلى السواحل الإيطالية، لم تجد السلطات هناك في يد أحمد، الذي أطلق عليه الإعلام الإيطالي اسم “بطل لامبيدوزا الصغير” سوى شهادة طبية عن حالة شقيقه فريد (7 سنوات) المصاب بمرض نقص الصفائح الدموية، حيث توسل أحمد لدى السلطات الإيطالية المساعدة في علاجه.

في تعليقه على الحالة، قال المستشار أحمد أبوزيد، المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، مساء الجمعة الماضية، إن الوطن يرحب بأبنائه ويشملهم بالرعاية، ما لا يدع مجالاً لقيام مواطن بهجرة غير شرعية لأي سبب، وإن مصر أولى بأبنائها.

لكن المنظمة الدولية للهجرة تقول إن معظم المصريين الذين يصلون إلى إيطاليا هم من الأطفال غير المصحوبين بذويهم. وكشف تقرير للمنظمة عن أنه خلال الفترة من يناير إلى مايو 2016، وصل نحو 1815 من المهاجرين المصريين غير الشرعيين للسواحل الإيطالية من بينهم 1147 من الأطفال المهاجرين غير المصحوبين بذويهم، أي بنسبة 78%، لتحتل مصر بذلك المرتبة الأولى بين البلدان المرسلة للأطفال المهاجرين غير المصحوبين بذويهم إلى إيطاليا، والعاشرة بين البلدان المصدرة للمهاجرين غير الرسميين. ويمكن إعادة ظاهرة هجرة الأطفال وحدهم إلى إيطاليا إلى “اتفاقية إعادة القبول” التي وقعتها الحكومتان المصرية والإيطالية في 2007، والتي قامت بتسريع إجراءات إعادة المهاجرين المصريين فوق 18 عامًا من إيطاليا لمصر.

وصل ما يقرب من ثمانين ألف شخص إلى سواحل إيطاليا عبر طريق وسط البحر الأبيض المتوسط – أي عن طريق سواحل مصر وليبيا- خلال النصف الأول من العام الحالي، ما يرجح أن عدد الواصلين إلى إيطاليا مع نهاية العام سيتجاوز رقم العام الماضي والذي بلغ 150 ألف شخص.

وعلى مدار شهور الصيف الجاري أخذت تقارير صحفية متواترة تتحدث عن عثور مهربي المهاجرين على بوابة جديدة إلى أوروبا: مصر.

فوفقًا لبيانات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين فقد شهدت أعداد المصريين الذين سافروا إلى إيطاليا عبر طريق وسط البحر المتوسط زيادة ملحوظة من 344 شخصًا في 2015 إلى 2634 شخصًا منذ بداية العام الجاري. وبذلك أصبح المصريون الآن من الجنسيات العشر الأولى لمن يعبرون البحر المتوسط عبر هذا الطريق.

وتعكس هذه الزيادة الظاهرة في أعداد المصريين المسافرين عبر البحر إلى الشمال تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية في بلادهم من ناحية، ولكنها ترتبط في الوقت ذاته بازدياد المعرفة بطرق الهجرة المختلفة عبر المتوسط خلال السنوات الماضية، وكذلك بالطبع الوعد بحياة أفضل في أوروبا.

جابر شحاتة، صياد من كفر الشيخ في الخمسينات من العمر، يقول إنه ساعد آلاف المصريين على الهجرة إلى أوروبا على مدى أكثر من 15 عامًا. “قبلها كنت أنقل 20 أو 30 مهاجرًا في المرة الواحدة، لمساعدتهم من ناحية ولتحسين دخلي من ناحية أخرى. أما بعد عام 2000، وبسبب الفقر وسوء الأوضاع الاقتصادية فقد بدأت موجة الهجرة إلى أوروبا.”

ويضيف جابر: “كلهم يأتون لطلب المساعدة للهروب إلى شيء أفضل. بعضهم في سن أقل من 16 عامًا ويودون استكمال دراستهم في إيطاليا، بينما يهرب آخرون للبحث عن عمل لمساعدة عائلاتهم.”

أحمد الآخر

بخلاف الطفل أحمد، الذي وصل إيطاليا سعيا لجمع المال لعلاج شقيقه، التقى “مدى مصر” بأحمد آخر في السابعة عشرة من عمره، يقول إنه حاول مغادرة مصر إلى إيطاليا عدة مرات منذ العام الماضي، “ولكن الباب ظل مغلقا في وجهي”. وعندما نجح أحد أقربائه في شهر مايو الماضي في عبور البحر مع أحد المهربين، قرر أحمد اللحاق به.

ويوضح أحمد: “إيطاليا تهتم بالقصر في نفس عمري وتدمجهم في النظام التعليمي هناك. جهزت حقيبة صغيرة على ظهري بها بعض الطعام والملابس وحملت بطاقتي الشخصية في جيبي الداخلي لأستطيع إثبات عمري”.

لكن أحمد لم يصل أبدًا إلى إيطاليا، فقد تم إلقاء القبض عليه بينما كانت مجموعته تشق طريقها إلى الساحل بين قرى شمال مصر. أُطلق سراح أحمد بعدها بوقت قصير، لكنه يقول إنه سيواصل التخطيط لعبور البحر المتوسط حتى ينجح.

بعد الزيادة التي شهدها فصل الربيع، جاء شهر يونيو ليشهد طفرة أخرى كبيرة في حركة الهجرة بشكل غير رسمي من مصر. وقد دفع ذلك الوكالة الأوروبية للتعاون الحدودي (فرونتكس) إلى التحذير في شهر يوليو من أن أعداد القادمين إلى إيطاليا بطرق غير قانونية في يونيو قد ارتفعت بنسبة 24% مقارنة بالشهر السابق.

ويمكن أيضًا ملاحظة هذه الزيادة الكبيرة عبر النظر إلى أعداد المهاجرين المحتجزين في شمال مصر خلال الفترة ذاتها. فبينما بلغ عدد المحتجزين قرابة 320 شخصًا في شهر مايو الماضي، فإن هذا العدد ارتفع في يونيو ليصل إلى 1136، وفقا لبيانات المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. (على الجانب الآخر يرجع البعض هذه الزيادة إلى التقلبات الموسمية المعتادة).

لكن فلاڤيو دي جياكومو، المتحدث الرسمي باسم المنظمة الدولية للهجرة في روما، يضيف سبباً آخر وراء التدفق المتزايد للمهاجرين القادمين من مصر: “مقارنة بالعام الماضي هناك بالفعل زيادة ملحوظة في أعداد المهاجرين. هناك الكثير من المهاجرين القادمين من منطقة القرن الإفريقي. وبالرغم من أن هذا ليس ممكنًا دائمًا، إلا أنهم يحاولون العبور عن طريق مصر لأنهم يخشون العنف في ليبيا. كما يخاف الإريتريون بشدة من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لأنهم مسيحيون”.

أين ذهب السوريون؟

طوال عامي 2013 و2015 كان السوريون والفلسطينيون- إضافة للمصريين- أكثر المغادرين لسواحل الإسكندرية سعيًا للوصول إلى أوروبا. وكان أغلب زعماء شبكات التهريب في ذلك الوقت من سوريا أو غزة، إن لم يكونوا مصريين، ويحملون أسماء مثل أبو حمادة وأبو بحري، وهي أسماء حركية تشير إلى أبناء لا وجود لهم  في الأغلب.

لكن الوضع يبدو شديد الاختلاف الآن. فمن أصل ثمانين ألف سوري وصلوا إلى إيطاليا هذا العام، لم يعبر من خلال طريق وسط البحر الأبيض المتوسط سوى أقل من 200 سوري فقط، فيما يعد انخفاضًا مذهلًا مقارنة بأعداد السوريين الذين غادروا إلى إيطاليا من شمال إفريقيا العام الماضي، والذين بلغ عددهم 4273 وفقًا لبيانات وزارة الداخلية الإيطالية.

والسبب؟ سبل الهجرة المتاحة أمام السوريين في مصر أصبحت أكثر محدودية بكثير من ذي قبل في ضوء تدهور أوضاعهم الاقتصادية، وفي بعض الأحيان أصبحوا أقل رغبة أقل في السفر.

فقد كشف مسح للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للاجئين المسجلين في مصر، أجرته المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عن مستويات غير متوقعة من الفقر بين اللاجئين السوريين:  60% من اللاجئين السوريين الذين شملهم الاستقصاء يعيشون على دخل يتراوح بين صفر و296.20 جنيه مصري للفرد الواحد، بينما يعيش 28% منهم على دخل يتراوح بين 296.20 و592.40 جنيه مصري للفرد الواحد في الشهر.

كما أن الرحلة من مصر إلى إيطاليا لم تكن أبدًا يسيرة. فعادة ما يستغرق العبور من مصر إلى سواحل إيطاليا أسبوعاً أو أكثر. وأثناء وجودهم في عرض البحر غالبًا ما ينقل المهربون المئات من الأشخاص من قارب إلى آخر، مما أدى في أحيان كثيرة إلى انقلاب القارب في ظل اهتمام شبه منعدم بقيمة حياة الركاب الذي ينتهي الحال بهم كجثث بلا أسماء في نشرات الأخبار. ولأن العبور من ليبيا إلى إيطاليا لا يقل خطرًا، فإن احتمالات الموت في عرض البحر في منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط تقدر بواحد من بين كل 23 مهاجر.

لذلك شهد العام الماضي سفر الكثير من السوريين في مصر بالطائرة إلى تركيا، حيث يستقلون من هناك القوارب إلى سواحل أوروبا. لكن هذا الطريق أيضا تم إغلاقه لاحقًا بسبب القيود الجديدة التي فرضتها تركيا على السوريين الذين يصلون إلى مطارات تركيا، بالإضافة إلى الاتفاق الذي وقعه الاتحاد الأوروبي مع تركيا في شهر مارس الماضي، بناء على طلب الاتحاد الأوروبي، والذي يسعى عمليًا إلى إغلاق طريق البلقان ويسمح بترحيل المهاجرين غير الرسميين- بما فيهم السوريين- إلى تركيا مرة أخرى.

ولأن كثيراً من اللاجئين السوريين لديهم أفراد من العائلة أو أصدقاء أخذوا الرحلة الأقصر والأكثر أمنًا من تركيا العام الماضي، فإنهم غالبًا لا يرغبون في عبور البحر المتوسط من مصر في القوارب. أما على الجانب الآخر من البحر، فإن المستقبل في أوروبا لم يعد واعدًا كما كان، وسط تزايد كراهية الأجانب والارتفاع غير المسبوق في أعداد طالبي اللجوء في البلدان الأوروبية المستقبلة لهم.

تقول سارة تيسوريري، مستشارة السياسات في منظمة أوكسفام الإنسانية في بروكسل: “بالنظر إلى الخصائص الديموجرافية للواصلين في العدد الصغير من القوارب القادمة من مصر، لا يوجد أي سبب يدعونا للاعتقاد أننا أمام استبدال هذا الطريق بالمسار الذي يمر [من تركيا إلى البلقان] عبر بحر إيجة”.

بالإضافة لكل ذلك، فقد انخفضت أيضًا أعداد المهاجرين واللاجئين السوريين المقبوض عليهم أو المحتجزين في مصر. فقد انخفض عدد السوريين إلى نسبة 1% فقط (17 فردًا) من المهاجرين المحتجزين خلال شهر يونيو الماضي، مقارنة بـ45% في 2014 و15% في 2015.

ولكن انخفاض معدلات هجرة السوريين من مصر لا تعني أنهم توقفوا عن السفر. فقد أجرى “مدى مصر” مقابلات مع ست عائلات سورية قدمت من السودان إلى مصر هذا العام، وهم مجرد عينة على الزيادة الطفيفة في أعداد السوريين العابرين إلى مصر، والتي لاحظها وأكدها عاملون في مجال الإغاثة على جانبي الحدود بين مصر والسودان.

ترجع هذه الزيادة الطفيفة إلى أن السوريين ما زال بإمكانهم دخول السودان دون الحصول على تأشيرة ما قبل الدخول. ورغم ذلك فهم يظلون في حاجة إلى مساعدة المهربين للعبور بهم إلى مصر.

هذا بالضبط ما قام به جميل جمال، الذي أتى مع زوجته وابنه الرضيع في وقت سابق هذا العام من بلدة صغيرة في القنيطرة الواقعة قرب الحدود السورية اللبنانية. أخذت العائلة الطائرة مباشرة من دمشق إلى الخرطوم، وبمجرد وصولهم إلى الخرطوم انتظروا مهربا لاصطحابهم إلى مصر.

يتذكر جمال (الذي طلب عدم ذكر اسمه الحقيقي): “بعد وصولنا بيومين تعرفت على حسن وهو رجل سوداني في منتصف العمر. عرض علينا حسن أن يأخذنا إلى أسوان في شاحنة صغيرة.” سافرت العائلة بعد ذلك إلى بورسودان الواقعة على الساحل الشمالي الشرقي من السودان، وقام حسن بتهريبهم إلى مصر مقابل مبلغ قدره ألف دولار أمريكي للفرد الواحد، بينما تم تهريب طفل جمال الرضيع بلا مقابل.

يقول جمال: “التقينا بحسن في بورسودان وقادنا عبر الطرق التي يعرفها في قلب الجبال حتى وصلنا إلى مصر. في البداية اصطحبنا بسيارته إلى بيت خارج المدينة، حيث وجدنا عائلتين سوريتين أُخريين في انتظار الذهاب إلى مصر. ثم جاء حسن ومعه عائلة سورية أخرى. بهذا صرنا 18 شخصًا من بينهم أربعة أطفال”.

يتذكر جمال صعوبة الرحلة. تحرك الجميع تحت جنح الظلام، بعد أن انقسموا في عربتين مكتظتين بالركاب، اندفعتا بهم عبر طرق خطرة وغير ممهدة. وفي وقت من الرحلة اضطروا للهروب من قوات الأمن السودانية التي طاردت السيارتين.

يشرح جمال لـ”مدى مصر”: “كل السبل القانونية أُغلقت في وجهنا، لم نجد أمامنا سبيلًا آخر سوى دفع مبلغ قدره ثلاثة آلاف دولار للفرد من أجل الحصول على تأشيرة وتجشمنا مخاطر الاحتيال والتزوير. اضطررنا إلى المضي في هذا الطريق. البشر لا يُلقون بأنفسهم في طريق الموت إلا فرارا منه”.

ويضيف: ” قررت مغادرة سوريا والذهاب إلى مصر لسببين مهمين. أولًا: أصبح من المستحيل العيش بأمان وبكرامة في سوريا. لقد دمر القتال كل شيء. والسبب الثاني أن لدينا عائلة كبيرة في الإسكندرية وأردنا أن نجمع شملنا بهم ونعيش معهم.”

دائما ما يقترن اللجوء بالاحتجاز. وفي حالة جمال وزوجته وابنه فقد كانوا ضمن مجموعة من أكثر من 80 لاجئا سوريا بينهم العشرات من الأطفال تم احتجازهم في عدة مراكز للشرطة في محافظات الصعيد والبحر الأحمر بعد عبورهم من السودان في وقت سابق من هذا العام. قضت المجموعة أكثر من شهر رهن الاحتجاز، ولم يتم إطلاق سراحهم إلا بعد تدخل وفد من المعارضة السورية في القاهرة.

وبينما كانت لدى جمال أسباب شخصية دفعته للبقاء، فإن سوريين آخرين التقاهم “مدى مصر” بعد قدومهم من السودان قالوا أيضا إنهم قرروا البقاء في مصر في الوقت الحالي على الأقل. عائلة واحدة فقط من العائلات الست كان أفرادها يفكرون جديا في أخذ مركب إلى أوروبا. وتتفق المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن معظم السوريين القادمين من السودان غالبا ما سجلوا أنفسهم لدى المفوضية كلاجئين في مصر، بدلا من مواصلة الرحلة إلى أوروبا.

القرن الأفريقي: بحر من اللاجئين

بينما انخفضت أعداد السوريين بشدة، فإن أعداد المغادرين من ساحل مصر الشمالي إلى أوروبا أخذت في الارتفاع بسبب الزيادة في أعداد اللاجئين والمهاجرين من إريتريا والصومال والسودان. وتعكس هذه الزيادة استمرار عمليات النزوح والتهجير الأقدم عهدا عبر القرن الإفريقي، إضافة إلى الرغبة في تفادي الطرق الليبية المحفوفة بالمخاطر الوحشية.

ويشكل السودانيون والصوماليون والإريتريون الغالبية العظمى ممن تم احتجازهم في شمال مصر هذا العام. كما أنهم ضمن الجنسيات العشر الأولى من بين الواصلين إلى إيطاليا، ما يشير إلى أن الهجرة من مصر أصبحت الآن أكثر ارتباطا بحركة النزوح القديمة من القرن الإفريقي مقارنة بالحرب السورية الأحدث نسبيا.

في منطقة المهندسين وما حولها في القاهرة، والتي تعد نقطة تركز للجالية الإريترية، يُعتقد أن عددا كبيرًا من اللاجئين الإريتريين يستعدون لأخذ القوارب إلى أوروبا هذا العام. الكثير منهم وافدون جدد يعتبرون مصر مجرد نقطة عبور إلى أوروبا.

تقول الناشطة الإريترية، ميرون استيفانوس، إن اللاجئين الإريتريين يتجنبون الذهاب إلى ليبيا ويتوجهون أكثر فأكثر إلى شواطئ مصر الشمالية بعد تكرار اختطاف اللاجئين الإريتريين من قبل مقاتلين تابعين لتنظيم الدولة الإسلامية العام الماضي، فضلا عن انتشار ممارسات الاحتجاز لفترات طويلة والممارسات الوحشية للاتجار بالبشر في ليبيا.

وتقول استيفانوس لـ”مدى مصر”: “حالات الاختطاف مقابل الحصول على فدية أصبحت في ليبيا منذ 2013 تماما مثل سيناء في السابق. ومنذ العام الماضي أضيف متغير جديد هو تنظيم الدولة الإسلامية. لذلك فإن البعض يحاولون تجنب ليبيا في الوقت الحالي أكثر من ذي قبل. بدأ هذا منذ عامين ولكن الأرقام لم تكن كبيرة. لكن المكالمات الهاتفية التي أتلقاها الآن تشير إلى أن أعداد [الذين يذهبون إلى مصر] في ازدياد بمعدل شهري.”

تقدم استيفانوس برنامجًا إذاعيًا موجها إلى الإريتريين في المهجر ينطلق بثه من السويد ويشارك فيه المستمعون عن طريق الهاتف. باستطاعة ميرون تحديد الاتجاهات السائدة وتتبعها من المكالمات الهاتفية اليائسة التي تأتيها من كل خطوة على طريق الهجرة: من مخابئ المهربين أو من السجن أو من على متن قارب يوشك على الغرق.

لكن المخاطر التي يتعرض لها اللاجئون الإريتريون في ساحل مصر الشمالي أصبحت أقل، خاصة منذ 2013 بعد أن خفتت ظاهرة الاتجار بالبشر في سيناء، حيث تم اختطاف المئات من اللاجئين الإريتريين في السابق وتعرضوا للاتجار بهم وتعذيبهم بل وقتل بعضهم مقابل فدية كبيرة كان المهربون يحصلون عليها. غير أن استيفانوس تضيف أن عددًا متزايدًا من الأشخاص لا يزالون يتعرضون للقبض والاحتجاز من قبل السلطات المصرية أو يُتركون عُرضة لقسوة المهربين الذين يعملون في كل مكان بداية من منطقة الحدود الإريترية السودانية وحتى ساحل إيطاليا الجنوبي.

“يعتقد المهربون أنهم أصبحوا ملوكا ويستطيعون أخذ ما يريدون”، تقول استيفانوس، التي تروي قصصا عديدة للاجئين الإريتريين الذين تعرضوا للاستغلال وتُرِكوا في الصحراء على الحدود السودانية والنساء اللاتي تعرضن للاغتصاب خلال رحلتهن. “أنت تأمل فقط أن ينتهي بك المطاف يوما ما في مكانٍ أفضل وأن تستطيع الانتقام منهم– هذا ما يقوله الكثيرون”.

في صيف هذا العام جاء اللاجئ الصومالي “هلال” إلى القاهرة من موطنه في جمهورية أرض الصومال، حيث “لا يٌفَرِّق القتال بين الأطفال وكبار السن” على حد قوله. التقى “مدى مصر” مع هلال في شقته في مدينة نصر في القاهرة بعد وصوله في يونيو الماضي ببضعة أيام.

يقول هلال: “لكي نصل إلى مصر كان علينا أن نعبر الصحراء في إثيوبيا وبعدها في السودان. في يوم 30 مايو حزمنا أمتعتنا وانطلقنا للقاء الصحراء والمجهول”. حكى لنا هلال كيف غادروا هرجيسا، عاصمة جمهورية أرض الصومال، وقابلوا مهربًا أخذهم عبر الحدود الإثيوبية مقابل 900 دولار امريكي لكلٍ واحدٍ منهم. تكلفت الرحلة من الخرطوم إلى أسوان ألف دولار للفرد، وبعد ذلك كان عليهم شراء عدد من تذاكر الحافلات من أسوان إلى القاهرة.

“رحلتنا كانت في واقع الأمر سهلة وآمنة نسبيا مقارنة بالقصص التي نسمعها عن رحلات الآخرين”، يضيف هلال، الذي يقول إنه لا يخطط للذهاب إلى أوروبا بعد ذلك. “لقد حفظنا الله ووصلنا إلى هنا سالمين. لن أُلقي بأطفالي في البحر. في كل يوم هناك غرقى وموتى. لقد هربت من الموت ولن ألقي بنفسي في طريقه مرة أخرى.”

الاتحاد الأوروبي “يشعر بالقلق”

في ضوء هذه التحولات، بدأ مسؤولو الاتحاد الأوروبي منذ مطلع العام الجاري في التحذير من ظهور طريق جديدة للهجرة تمر عبر مصر.

ونتيجة لتلك التحذيرات تحولت الهجرة من مصر إلى أولوية غير معلنة في وثائق السياسات الأوروبية، التي كان آخرها إطار الشراكة الذي يسعى الاتحاد الأوروبي من خلاله إلى إسناد التحكم في المهاجرين إلى الدول الواقعة خارجه حول منطقة البحر المتوسط وما وراءها. وتهدف اتفاقيات إطار الشراكة عمليا إلى تحويل التحكم في المهاجرين إلى أولوية رئيسية في علاقات الاتحاد الأوروبي مع بلدان العالم الثالث عبر تقديم حوافز لتلك البلدان لتقوم بتأمين مصالح الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بشئون الهجرة.

وترى سارة تيسوريري من أوكسفام إن إطار الشراكة يمثل “تقليصا واسع النطاق لمنظور السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي ليصبح لها هدف أوحد” مضيفة أن “إحدى النقاط المفصلية في هذه الوثيقة هي اعتبار أن التحكم في الهجرة هو هدف السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، في غياب أي إشارة ولو لفظية لقضايا مثل احترام حقوق الإنسان وتعزيز الديمقراطية والأمن الإنساني.”

وتنص وثيقة إطار الشراكة على أن الاتحاد الأوروبي “سيتفاعل بشكل أقوى مع مصر عن طريق تقديم دعم مالي أكبر لبناء القدرات وحماية الفئات المستضعفة وتقديم الدعم الاجتماعي والاقتصادي للفئات الأكثر ميلا للهجرة.” وصرح متحدث باسم الاتحاد الأوروبي لـ”مدى مصر” بأن المباحثات بشأن مشروعات بعينها لا تزال مستمرة.

وتشير الوثيقة على وجه التحديد إلى ضرورة تعظيم الجهود المشتركة  مع الحكومة المصرية بسبب “تدفقات الهجرة المتزايدة من مصر عبر طريق وسط البحر الأبيض المتوسط” وهو ما ينبغي أن “يدفعنا نحو العمل المشترك في مكافحة التهريب”.

وتتضمن خطط الاتحاد الأوروبي مع مصر الآن بالفعل مركزا للتدريب على كيفية التعامل مع قضايا الهجرة إلى جانب دول القرن الإفريقي، في ظل معاهدة الخرطوم متعددة الأطراف، وهي مبادرة واسعة النطاق تجمع الاتحاد الأوروبي مع بلدان خارجه بهدف “التصدي للأسباب الجذرية للهجرة غير الرسمية”، عبر تقديم مساعدات مالية ومشروعات إنمائية مقابل مراقبة الحدود والتحكم في الهجرة. ومن المقرر أن يتخذ هذا المركز من أكاديمية الشرطة في القاهرة مقرا له وفقا لخطة عمل بتاريخ أبريل 2015 حصل عليها “مدى مصر”.

ربما لم تتحول مصر بعد إلى بوابة جديدة إلى أوروبا، ولكن الهجرة من وإلى مصر قد أصبحت بالتأكيد أكثر ديناميكية وأكثر تدفقا. ويظل التساؤل قائمًا: كيف ستضع الخطط الأوروبية للتحكم في الهجرة حداً لهذا الأمر، وأي دور ستلعبه الحكومة المصرية بخلاف توقيف القوارب وإلقاء القبض على المهاجرين والمهربين؟

اعلان
 
 
توم رولينز 
محمد حنفي الكاشف