أن تكون سلطعونًا!
 
 

قد يكون من أهم الخصائص المميزة لنا كجنس بشري قدرتنا المدهشة على مقاومة سخافة وعبثية الحياة عبر الانخراط في أنشطة وشعائر واحتفاليات متنوعة، في محاولة لإضفاء معنى على الحياة بشكل عام, وقيمة ومغزى على وجودنا الفردي بشكل خاص. لا يوجد شخص لم يسأل نفسه من قبل: ماذا أفعل هنا؟ في هذا الوقت تحديدًا؟ على هذا الكوكب بشكل خاص؟

ولم يوجد شخص لم ينظر لنفسه في المرآة متحسسًا وجهه ومتسائلًا: لماذا زوج من العيون؟ وزوج من الآذان؟ ومنخاران للأنف؟ لماذا هذا التماثل في الكيفية التي نظهر بها؟

نلتصق بوجوهنا في المرآة وتستمر الأسئلة: لماذا فم واحد؟ وفتحة مؤخرة واحدة؟ وعضو تناسلي واحد؟ لماذا يوجد منا نوعان؟ لماذا لا نتوالد ذاتيًا؟ من يضع هذه القواعد؟

انتهى المخرج يورجوس لانثيموس صباح أحد الأيام من تأمل وجهه في المرآة وفكر: لماذا يموت الإنسان بعد 73.2 عاما؟ – هي متوسط عمر الإنسان الذي يعيش في سوازيلاند بأفريقيا بمتوسط 31.9 عام، وفي اليابان بمتوسط 82.6 عام؟ ألقى المخرج نظرة أخيرة على حاجبيه ذوي الشعر الخفيف ثم قال لنفسه: تعلم ماذا؟ طز في القواعد!

قرر المخرج اليوناني ببساطة بناء عالم خاص به..

صحيح أنه عالم خيالي تمامًا ولا وجود له إلا في فيلمه الأخير “السلطعون” The Lobster, إلا أنه محاولة للاحتجاج على عدم قدرتنا على فهم “لماذا العالم هو هذا العالم؟”، ولتخيل واستكشاف عالم مواز تحكمه قواعد مغايرة.

تدور أحداث “السلطعون”، الحائز على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان 2015، في المستقبل القريب، في فندق ريفي يُصطحب إليه العزاب من المدينة القريبة؛ كل أعزب أو عزباء لديه أو لديها من الوقت 45 يومًا يقضيه النزلاء في الفندق، وعلى كل منهم العثور على رفيق له خلال تلك المدة بحيث تتوافق شخصياتهما معًا, ووقتها يصبح بإمكانهما العودة مرة أخرى إلى المدينة واستكمال حياتهما كزوجين، إما إذا انتهت الـ 45 يومًا بالفشل في المهمة، فتُستخدم غرفة خاصة بالفندق باسم “غرفة التحويل” لتحويله لحيوان من اختياره، وإطلاقه في الغابة القريبة.

بطل الفيلم شاب في أواسط الثلاثينات أو بدايات الأربعينات، يبدو مكتئبًا ويدفع أمامه كرش صغير. يرتدي عوينات أنيقة ويبدو كموظف تقليدي في إحدى الشركات الكبرى. يُصطحب ديفيد –ويقوم بدوره كولين فيريل- صباح أحد الأيام مع الكلب الخاص به إلى الفندق. نعرف أن الكلب هو أخوه الذي لم ينجح في عبور هذا الطقس الغريب وبالتالي دخل غرفة التحويل ليصبح “كلبًا”, لم يُطلق في الغابة، التي تعج بحيوانات من كل صنف, دببة وطواويس وأرانب وأيائل، وإنما تكفل ديفيد بالعناية به بناء على ترتيب خاص مع إدارة الفندق. تسأله مديرة الفندق عن الحيوان الذي يرغب في التحول إليه إذا لم ينجح في إتمام الطقس؟ فيجيبها بشكل مباشر مما يدل على تفكيره مليًا في الإجابة: “سلطعون”. تسأله عن السبب, فيخبرها في عبارات واثقة ومرتبة: “لأنه يعيش أكثر من 100 عامًا, ويظل خصبًا طوال حياته.”

تبدأ طقوس التعارف بين نزلاء الفندق؛ حفلات رقص، مآدب إفطار وعشاء، وفرص للقاء حول حمام السباحة وأثناء تأدية رياضات ترفيهية. لكن كل ذلك يجري في جو قاتم للغاية، ذكَّرني مباشرة بأجواء أعمال لارس فون ترير (جو نهاية العالم في “مالنخوليا”، وجو الانتقام من الذات في “عدو المسيح”). تشعر أن هناك شيئًا ما خطأ، وأن كل ما يحدث هو عبارة عن أداء مشهد تمثيلي, وأن كل من هم هنا موجودون أمام كاميرا خفية ما، وما هي سوى مسألة وقت حتى يصيح المخرج “Cut” فيرجع الممثلون لشخصياتهم الحقيقية الطبيعية، وينتهى هذا الكابوس.

***

يفهم ديفيد أن ثمة قواعد صارمة وعقوبات غاية في الشدة وسط هذه الطقوس، وأنه بهدف تحفيز هرمونات النزلاء الجنسية للتعارف وللتلاقي أثناء التزاوج، تقوم عاملة النظافة، وبعد انتهائها مباشرة من ترتيب ملاءات فراشه صباحًا، بإثارته عبر طقس ميكانيكي –يصفه لاحقًا بالمؤلم- لا يسمح له بالوصول للذروة. وفي نفس الوقت لا يُسمح للنزلاء بإراحة أنفسهم عبر الاستمناء, وأي فرد يُضبط –لا تسألني كيف- بالاستمناء داخل الفندق أو أي من ملاحقه، يُعاقَب بمنتهى الحزم. يراقب ديفيد صديقه الألثغ – جون سي ريلي- الذي تعرف عليه للتو, ومديرة الفندق تقترب منه ذات صباح وهو يتناول طعام الإفطار مع الآخرين في القاعة المخصصة لذلك. يجد نفس عاملة النظافة تضع ماكينة تحميص الخبز على طاولة الألثغ لسبب غير مفهوم. تواجهه مديرة الفندق بتهمة ممارسة العادة السرية ولا تترك له فرصة للإنكار. تضع كفه اليمنى داخل فتحة التوستر المتوهجة ولا ترحمه رغم صرخاته المدوية.

تتصاعد الدراما داخل عالم لانثيموس الكافكاوي، ويمضى فيه “ديفيد” والآخرون بخطى ثابتة وكأنهم في الطريق لحبل المشنقة، لكنهم يودون إتمام العملية وهم يبدون كالأبطال، دون أن يبدو عليهم الخوف أو التوتر. جميع شخوص الفيلم تبدو ميكانيكية, بلا مشاعر حقيقية على وجوههم, حديثهم ذو نبرة واحدة بلا أي درجات للتصاعد أو الانخفاض، وفي نفس الوقت لا يبدو على أحدهم أنه يفهم لماذا عليه خوض كل ذلك.

ولزيادة العبث المحيطة بعملية التزاوج القهري كلها، يكتشف ديفيد أن هناك من نزلاء الفندق من أمكنهم الهرب من عملية التحويل أو من الأمر برمته، لكنهم وجدوا أنفسهم حبيسي الغابة القريبة، المكان الوحيد الذي يمكن أن يأويهم بشكل مؤقت، فالهروب للمدينة عملية غاية في الخطورة في ظل متابعة أمنية مشددة لضبط أي أعزب أو اثنين يدعيان أنهما زوجان. يكتشف ديفيد أيضًا أن إدارة الفندق تنظم يوميًا للنزلاء رحلة صيد ببنادق تخدير (مثل المستخدمة في رحلات السافاري)، ويُمنح النزيل يومًا إضافيًا (فوق مهلة الـ45 يومًا) على كل هارب (ويُطلَق عليه “وحيد” Loner) يأتي به مخدرًا من الغابة، ولأنه قصير النظر, يفشل ديفيد في صيد أي من هذه الطرائد، بينما تنقضي مهلته يومًا بعد يوم.

على عكس ديفيد يدرك صديق آخر تعرف عليه –ويقوم بدوره بن ويشو- أن فرصته في التعرف على شخص ملائم تتضاءل مع الوقت, خصوصًا وأنه يعاني من عرج في إحدى قدميه، وأن عليه اللجوء للاحتيال بشكل أو بآخر ليقنع أي فتاة بأنه الشخص المناسب لها. تلفت إحدى الفتيات انتباهه، ويعرف أنها مصابة بمرض ما يجعلها دائمًا ما تنزف من أنفها، يغافلها الأعرج من حين لآخر ويرطم أنفه في أي سطح قريب. يقترب بأنف نازف مبتسمًا بارتباك. لا تمضي أيام كثيرة حتى تحتفل إدارة الفندق بنجاحهما في عملية التوفيق الناجحة. وبعد يومين آخرين تمنحهما الإدارة “طفلة” –ولا أحد يعلم من أين يأتون بالأطفال- في حوالي السابعة من العمر, كهدية تمكنهما من توطيد عرى العلاقة الزوجية بينهما!

تحاول إحدى السيدات التقرب من ديفيد بشكل متكرر. تبدو فاقدة الأمل أكثر من الباقين. تطلب منه أن تتمشى معه ومع كلبه (أخيه). تعطيه بعض البسكويت من أجل كلبه، تعرض عليه الجنس، وتعطيه رقم غرفتها. في النهاية يبلغ يأسها منتهاه فتخبره أنها إذا لم تجد شخصًا يتوافق معاها قريبًا فستلقي نفسها من نافذة إحدى الغرف بالفندق، من الدور الثالث أو الرابع، كلما كانت الغرفة أعلى كلما كان الأمر أفضل.

تنفذ سيدة البسكويت تهديدها بالفعل، وهنا يبدأ ديفيد بالشعور بالخطر؛ يجب أن يتصرف بأي طريقة. لا يجد أمامه سوى امرأة معروفة باسم “عديمة القلب”، سيدة معروفة وسط نزلاء الفندق بكونها عديمة الإحساس والشفقة. يقنعها ديفيد بأنه الشخص الأمثل بالنسبة لها. وفي صبيحة أول ليلة بعد الاحتفال بهما, تقتل “عديمة القلب” أخاه الكلب وتنظر لديفيد نظرة فاحصة لتتيقن إذا كان قاسي القلب مثلها. يحاول ديفيد التماسك وإتقان التمثيل. لكنها لا تلبث وقتًا طويلًا لتتيقن أنه يخدعها، فتنطلق إلى مديرة الفندق لتخبرها بأمر ديفيد الذي يعرف أن عقوبة هذا الغش هي الذهاب فورًا إلى غرفة التحويل. يستطيع ديفيد منع “عديمة القلب” من الوصول لمديرة الفندق, يطلق عليها سهمًا من بندقية التخدير خاصته. وانتقامًا لأخيه، يجر جسدها الغائب عن الوعى إلى غرفة التحويل!

الآن عليه الهرب من الفندق إلى الغابة، وهنا ينقلب مسار القصة تمامًا، لأن ديفيد يجد أن أولئك المطاريد قد شكَّلوا فيما بينهم ما يمثل “المقاومة السرية”، بل ولهم قيادة، وكذلك عميلة سرية داخل الفندق –خمنوا من؟ عاملة النظافة – وأنهم يخططون للاستيلاء على الفندق. تعرِّفه قائدتهم –وتقوم بدورها ليا سيدو- بقواعد الانضمام إليهم, تخبره أنه من الممنوع تمامًا إقامة أي علاقات عاطفية بين أعضاء المقاومة، وأن عقوبة ذلك هي “القبلة الحمراء” أو “الجنس الأحمر” –ويوحي الاسم الدموي بإيذاء الأعضاء المشارِكة في الفعلة الشنعاء كعقوبة- وأن على كل عضو حفر قبره بنفسه تحسبًا للحظة النهاية!

يقع ديفيد من أول نظرة في غرام إحدى فتيات المقاومة –وتقوم بدورها ريتشيل ويز- ويزداد تعلقه بها عندما يعلم أنها قصيرة النظر مثله. تبادله الفتاة المشاعر, ويحاولان بحذر الإفلات من قبضة المجموعة, والهروب للمدينة للعيش كزوجين طبيعيين.

* * *

إذا خُيِّرت في حيوان قد أرغب في التحول إليه, لن أختار “السلطعون” بالطبع, ففكرة أن يجري اصطيادي وينتهي بي الأمر في حساء من البحريات القشرية تبدو مرعبة. قد اختار التحول لهدهد على سبيل المثال؛ كائن جميل, ثاقب النظر, وقادر على الاستمتاع بالتحليق والهروب من الأخطار بسرعة.

لكن هل سأكون سعيدًا؟ سواء تحولت لهدهد أو لسلطعون –مع ضمانات صارمة ألا يجري اصطيادي؟ لماذا أتخلى عن إنسانيتي لصالح كائنات لم يتطور وعيها وإدراكها بالشكل الكافي ليصير لديها طموح وأحلام وخيال وإبداع وقدرات تجعلها تحقق ذاتها وتشعر بسعادة حقيقية؟ يحاول الفيلم الإشارة بشكل صارخ لأن الإنسانية وقعت في فخ مرعب من الأشكال والأنماط الاجتماعية التي علينا اتباعها بلا وعي, سواء كانت صالحة لنا أو لا, مناسبة لنا أو لا, تحقق السعادة أو لا, وبالتالي فنحن لا نختلف عن الحيوانات شيئًا في كون هدفنا النهائي والأسمى والوحيد هو البقاء أحياء. وبالتالي كان منطقيًا أن يختار “ديفيد” السلطعون, ليعيش مئة سنة لا يتوقف فيها لثانية واحدة عن تخصيب الإناث!

لماذا لا نبقى أحياء وفي نفس الوقت يمارس كل منا ما يجعله سعيدًا من وجهة نظره، بدون أنماط مجهزة مسبقًا, أو ماكينات تعليب نقضي معظم حياتنا داخلها, لنخرج في نهاية حياتنا مصبوبين في قالب صمَّمه آخرون عاشوا قبل مئات أو آلاف السنين، في إطار أيديولوجيات ونظريات دينية وتوازنات اجتماعية وسياسية واقتصادية وجغرافية ليس لنا في الحقيقة أي دخل بها؟

المرعب أن حتى محاولة الخروج من تلك الأنماط تأتي بتكلفة عالية جدًا, لأن طول مدة التأقلم عليها جعلتها تتغلغل في الحمض النووي للمجتمع ولأفراده.

في الفيلم تشعر قائدة المقاومة بالغيرة الشديدة من فتاة المقاومة لوقوعها في الحب مع ديفيد, وهي التي من المفترض أن تتمثل قيمًا تعاكس قيم الفندق تمامًا، وأن تبدي قدرًا واسعًا من التسامح مع أنماط غير مألوفة في هذا العالم من العلاقات، إلا أن تلك الغيرة –التي تأسست قديمًا كحيلة دفاعية ضد خطر فقد شخص ينتمي لدائرة “ممتلكاتنا الاجتماعية”- أقوى من أي أجندة تقدمية تمثلها المقاومة، وبالتالي تفقد قائدة المقاومة قدرتها على التقييم السليم للحظة, وتتحين فرصة لإيذاء فتاة المقاومة وعقاب ديفيد.

ينتهي الفيلم بسؤال مفتوح لا يجاب عليه: إلى أي مدى سيذهب “ديفيد” من أجل سعادته؟

تمثل نفس النهاية بداية محتملة لكل منا في إعادة تقييم الحياة بشكلها الذي نعيشه, هل هذا هو الشكل الذي نريده فعلًا؟ أم أننا لم ننتبه لكونه قد فُرض علينا فرضًا، وأننا تحولنا –أو في سيبلنا للتحول- لسلاطيع أو هداهد أو دببة تجرفها حياة كئيبة كيفما اتفق؟

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن