Define your generation here. Generation What
عن حياة الراحل روبرت مابرو (1934-2016)
 
 

في بداية هذا الشهر، وفي جزيرة كريت اليونانية، توفى عن 81 عامًا روبرت مابرو الأكاديمي المولود في الإسكندرية والمحلل البارز في قطاع النفط. تعيد مدى مصر نشر هذا البروفايل الذي كتبته ريم سعد المتخصصة في علم الأنثروبولوجيا منذ 20 عامًا ونُشر لأول مرة في الأهرام ويكلي.

أحد أهم ما اشتهر به مابرو هو دوره في الوساطة بين المملكة السعودية وفنزويلا والمكسيك بشأن التوقف عن إنتاج النفط في عامي 1998 و1999. وقد سهّل هذا الاتفاق استعادة سعر النفط الخام في منتصف الألفية الثانية، بحسب بلومبرج. نبعت وساطة مابرو من رغبته تجاوز الخلافات بين منظمة الأوبك ومستهلكي النفطبعد التحديات الناجمة عن حظر النفط في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في العالم العربي.

يوم 7 مارس 1996 توجه المواطن السكندري روبرت مابرو إلى قصر باكنجهام لاستلام وسام من الملكة إليزابيث الثانية. مُنح مابرو، مؤسس ومدير معهد أكسفورد لدراسات الطاقة وزميل كلية سان أنطوني، رتبة قائد في الإمبراطورية البريطانية.

كان من العرب القلائل الذين حصلوا على مثل هذا التقليد المميز، وامتلأت قصته بالمفاجآت والتحولات الحادة. فقد ولد لأسرة من أصول لبنانية، وكان الناس في شوارع الإسكندرية كثيرًا ما يصيحون فيه “أهلًا يا خواجة”، وكثيرًا ما كان يسبُّهم بسبب ذلك. إلا أنه حين سافر ليعيش في إنجلترا انعكس موقفه، فكان يصر على كونه “خواجة”. كان هدفه من السفر إلى إنجلترا هو دراسة الاقتصاد، إلا أن الأمر لم يكن تمامًا القصة المعتادة لـ”الدارسين بالخارج”. قبلها كان قد جرب الكثير من الأمور، بما في ذلك درجة في الهندسة المدنية وأربع سنوات في الدارسات اللاهوتية والفلسفية في أحد المعاهد اليسوعية. يقول إن “حياة بدون تناقضات لا طعم لها، مثل الكوسة المسلوقة.”

شارك أجداده من الناحيتين في موجة الهجرة من سوريا الكبرى في القرن التاسع عشر. وإذ جاؤوا في الأصل من طرابلس، فقد أخذتهم أعمالهم التجارية إلى الإسكندرية حيث استقروا هناك. كان جده لوالده، نيكلاس مابرو، تاجر تبغ تزوج من أسرة خلاط، إحدى كبرى العائلات في طرابلس. وكان السبب وراء إشاعة كونه يوناني الجنسية هو حصول جده على الحماية اليونانية على أساس تعاملاته التجارية. يقترح مابرو، نصف ضاحك، أن لقبه الذي يبدو يونانيًا قد ساعد في هذا الأمر. ويشير لأن الأمر المضحك بشأن نظام الحماية هذا، والذي سعى إليه الكثيرون من التجار اليهود والمسيحيين حماية لمصالحهم في حالة الخلاف مع التجار المحليين، هو أنه جعل من الممكن وجود مثلًا خمسة إخوة بخمس “جنسيات” مختلفة. ويفسر: “كان جدي “يونانيًا” وشقيقه كان “فرنسيًا” وابن أخيه كان “ألمانيًا”.

إلا أن عالم الامبراطورية العثمانية، بحدوده الفضفاضة و”جنسياته” المرنة، الذي عاش فيه جد مابرو كان شديد الاختلاف عن عالم الوطنية والاستعمار الذي كبر فيه، “في ذلك الوقت كان المصريون يطالبون بالاستقلال وكانوا شديدي الحزم فيما يتعلق بمن يُعتبر مصريًا حقيقيًا. فضلًا عن أن أغلب “الشوام” كانوا بدرجة ما متأثرين بالغرب”.

يمثل روبرت مابرو كابوسًا لهؤلاء المنشغلين بالتصنيف والوسم، فهم لن يحققوا شيئًا، خاصة في حضوره. هو في الواقع يرحب بمثل هذه المحاولات، لكن فقط بهدف تسلية نفسه وإشباع نهمه اللانهائي للسخرية. “هاودّيهم البحر وارجعهم عطشانين” كما يقول المثل الشعبي؛ شديدي العطش في الحقيقة. إلا أن هناك تصنيفًا واحدًا يسعد مابرو الانتساب إليه: أنه مصري سكندري. أحد الأمور التي لا يقبل المزاح بشأنها أو التقليل منها هو شغفه بالإسكندرية، أو “الإسكندرية المصراوية” كما يحب تسميتها.

الإسكندرية التي كبر فيها مابرو كانت مكانًا متاحًا للجميع، إلا أنها كانت بلا شك مدينة مصرية. ما يضايقه هو الطريقة التي استولى بها الأوروبيون على الإسكندرية؛ كانت “الإسكندرية العالمية” طريقة لسرقة المدينة من أصحابها المصريين. يرى أن “الأجانب” ممن ولدوا وكبروا في الإسكندرية، لم يكونوا هم المسؤولين عن هذه الفكرة الخيالية المتخيلة. “لم تكن لتجد أي أجنبي وُلد وتربى في الإسكندرية لم يشعر بأن المدينة مصرية تمامًا. من خلقوا الانطباع بأن الإسكندرية مدينة عالمية (أي غربية) هم المؤلفون والكتاب الذين لم يعيشوا هناك فعليًا، واكتفوا بالزيارة وحين جالوا بنظرهم وجدوا خليطًا من الناس يتحدثون لغات مختلفة، فأنتجوا كتاباتهم الجميلة مثل الخواجة داريل وغيره. فكرة العالمية فكرة جذابة للأوروبيين لأنهم لا يملكونها؛ الإنجليز إنجليز والألمان ألمان والفرنسيون فرنسيون. في ذلك الوقت ما كنت لتجد هذا الخليط من البشر في مدينة واحدة إلا في نيويورك والإسكندرية، ويمكن إسطنبول. لذلك كان الأمر مثيرًا بالنسبة لهم…”

لا ينكر مابرو أن هناك شيئًا مميزًا في هذه المدينة، إلا أن هذا الطابع “العالمي” لم يستمر لوقت طويل، وحتى في ذروته لم يمثل ثقافة المدينة ككل. “لا أقول إن هذا الطابع لم يكن موجودًا أو أنه غير هام. ما أقوله هو أن هذا الاهتمام والانشغال بالطابع “العالمي” جاء على حساب الجانب المصري من المدينة الذي تكاد لا تجد شيئًا بشأنه. حين أقرأ في الكتب الفرنسية والانجليزية أن كفافيس كان “شاعر المدينة” أشعر بالغضب. حسنًا، لقد قرأت كل سطر كتبه كفافيس. إنه لا يكتب عن المدينة الحديثة بل عن الإسكندرية الرومانية. من هو “شاعر الإسكندرية” الحقيقي؟ إنه بلا أدنى شك بيرم التونسي وليس كفافيس. الكتابات الغربية لا تذكر التونسي باستثناء دراسة واحدة أجرتها مارلين بوث في جامعة أكسفورد. نعم، كفافيس شاعر عظيم، لكنه كان يمكن أن يكون في أي مكان آخر: تونس، أثينا، باريس، فيينا.”

يتحدث مابرو غاضبًا عن النقص غير المبرر في دراسات التاريخ الحديث للإسكندرية. “كلما قرأت أكثر كلما شعرت بغضب أكثر. الكتب مليئة بالكتابات عن الشوام والأرمن واليهود واليونانيين ولا شيء عن المصريين. كيف يمكن هذا؟ هم يدعون أن الإسكندرية وجدت بواسطة الأجانب، لكن من أوجدها في الواقع هم الفلاحون. في زمن محمد علي كانوا هم من بنوا الترسانة والميناء وحفروا قناة المحمودية، ودونها لما وجدت الإسكندرية التي نعرفها. الأجانب جاؤوا فيما بعد: شيَّدوا بعض الفيلات وجاؤوا ببعض التجارة وهذا كل ما في الأمر. ستجدين كتابات عن أقل الأجانب شأنًا، ولكن حين يتعلق الأمر بالمصريين، لن تجدي شيئًا. لكن يجب علينا أن نبحث. وإذا لم تتوفر السجلات يجب اللجوء للتاريخ الشفهي.”

منذ أربع سنوات بدأ روبرت مابرو “مجموعته الإسكندرانية”. عن الدافع وراء ذلك يقول: “المرء دائمًا يحتاج لأن يشغل نفسه بأمر ما. كذلك حين نكبر في السن، دائمًا ما يجرفنا الحنين. أنا عشت في الإسكندرية على مدى ست وعشرين عامًا وابتعدت عنها لخمس وثلاثين عامًا. ورغم أنني أزورها كثيرًا إلا أنني لا أزال أحتاج شيئًا يجعلني أشعر بالقرب منها حين أكون بعيدًا. لذلك فكرت في “التجميع”. أنا أجمع الكتب والخرائط والتحف والبطاقات البريدية.. كل ما أجده. كذلك أجمع ما كتب عنها أو بواسطة أشخاص من الإسكندرية.”

لكن لا يجب أن نصدقه حين يضيف بتواضع: “هذا مجرد تجميع، لا هو هنا ولا هناك”. هو أبعد ما يكون عن الشخص الجامع المتملك الذي يقتصر اهتمامه على تخزين أشياء نادرة والحصول عليها قبل الآخرين. فجل أهمية هذا التجميع بالنسبة له هو المساهمة في بناء مشروعه الخاص باستعادة تاريخ الإسكندرية المصرية. لقد بدأ بالكتابة عن بولكلي، المكان الذي ولد فيه: “هناك فكرة واحدة في هذه القطعة التي كتبتها؛ أنه رغم كون بولكلي المكان اﻷكثر حضورًا بالنسبة للأجانب إلا أنه لم يكن ليبقى بدون المصريين. ذكرياتي عن الشارع أنه كان شارعًا مصريًا. هذا ما كتبته عن بولكلي وهذا ما أريد أن يحدث بشأن الإسكندرية ككل.”

ليست خلفية روبرت ماربو هي الجانب الوحيد في حياته الذي لا يمكن اختصاره في جملة واحدة. ذلك أن تطور مستقبله العملي لا يقل إثارة. رغم رغبته في دراسة الطب إلا أن أول درجة حصل عليها كانت في الهندسة المدنية. تخرج من جامعة الإسكندرية (جامعة فاروق حينئذ) في عام 1956 وبدأ في ممارسة مهنته فورًا. حتى قبل ظهور نتيجة الامتحانات عرض عليه أحد أساتذته العمل مع أحد أقاربه الذي كان يعمل مقاولًا.

“في ذلك الوقت لم يكن لدينا أي مال، حيث أن والدي كان موظفًا صغيرًا. حين سمعت أنني سأحصل على راتب شهري قدره ثلاثون جنيهًا، في الوقت الذي كان مصروفي جنيهًا واحدًا في الأسبوع، التقطت الفرصة فورًا. بدأت في الإسكندرية، ثم أرسلني المقاول إلى بلبيس حيث تعاقد على بناء منازل للضباط. مكثت هناك لمدة عام ثم نُقلت إلى دمنهور للإشراف على موقع بناء.”

مثَّلت هذه المهمة نقطة تحول في حياة المهندس الشاب، حيث دفعته لترك الهندسة إلى الأبد، وواجه مشاكل كثيرة ومواقف صعبة لم يكن سنه الشاب ودراسته الجامعية قد حضرّاه للتعامل معها: “يمكنني القول إنه بين كل سنوات حياتي، كان الوقت الذي تعلمت فيه شيئًا عن الناس والحياة الحقيقية هو تلك السنوات الخمسة التي عملت فيها مع ذلك المقاول. كان زميلي لصًا، والمشرف المباشر على عملي لصًا، وصاحب الشركة لصًا وأخوه لصًا وشريكه لصًا، وكانوا يسرقون أحدهم من الآخر. سقطت في حالة من اليأس، وفي أحد الأيام تركت المكان وتوجهت إلى اليسوعيين في القاهرة وأخبرتهم برغبتي في أن أكون قسيسًا. كان عمري 26 عامًا. من عرفوني انصدموا، وعن حق؛ ذلك أنني لم أكن منغمسًا في الدين – أو على الأقل ليس بالدرجة التي تجعلني أدخل الدير. كان تصرفي اندفاعيًا، ولم تكن الخطوة مفهومة، حتى بالنسبة لي.”

في عام 1960 أرسله اليسوعيون إلى فرنسا للتدريب وأمضى أربع سنوات يدرس الفلسفة في معهد يسوعي بالقرب من باريس. ورغم حبه الفلسفة إلا أنه انتهى إلى استنتاج بأنه كان في المكان الخطأ: “أخبرتهم بذلك وقالوا لي إن بإمكاني الرحيل إذا أردت، ولكن هل هناك شيئ آخر تريد أن تتعلمه؟ قلت حسنًا، أحب الفلسفة جدًا لكنني لا أستطيع كسب عيشي منها. درست الهندسة في بلدي لكنني لا أعتقد أن ما تعلمته قد تكون له أي فائدة هنا. أعتقد أن ما أريد أن أفعله هو أن أدرس الاقتصاد.” أرسلوه إلى لندن لدراسة الاقتصاد في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية (سواس). بعد عامين، تأكد له أنه لن يصبح قسيسًا أبدا وترك اليسوعيين. “وجدت نفسي في لندن، غير ملتحق بالمعهد الديني، ومعي درجة علمية في الاقتصاد وبكالوريوس هندسة من مصر وبعض الفلسفة من المعهد”. عمل باحثًا في قسم الاقتصاد بجامعة سواس لفترة عامين. في تلك الفترة التقى جودي التي أصبحت زوجته في عام 1967.

في أحد أيام عام 1969 تلقى مكالمة مفاجئة من الراحل ألبرت حوراني، الذي كان وقتها مديرًا لمركز الشرق الأوسط في كلية سان أنطوني بأكسفورد، يطلب منه موعدًا على الغذاء. دهش مابرو، الذي لم يكن اعتاد بعد على “الطريقة التي يقول بها الإنجليز الأمور الهامة”، حين قال له الحوراني: “سنعلن قريبًا عن منصب في أكسفورد وسنشعر بالأسف إن لم تلتفت إليه”.

تقدم مابرو للوظيفة واختير لها وأصبح زميلًا في كلية سان أنطوني، يدرس اقتصاديات الشرق الأوسط. في ذلك الوقت كتب كتابه الشهير عن الاقتصاد المصري، إضافة إلى كتاب عن “تصنيع مصر”. لم تكن اهتماماته الأكاديمية مقتصرة على مصر بل امتدت لمناطق أخرى من الشرق الأوسط، مثل أعماله عن الصناعات الصغيرة في إيران والعمل في ليبيا. تحول اهتمامه تدريجيًا لقضايا النفط والطاقة، وقبل مرور وقت طويل أصبح أحد أهم المراجع العالمية في الموضوع الذي يشتهر به القس السابق اليوم.

البساطة التي يسرد بها مابرو قصته لا يجوز أن تترك انطباعًا بأن الأمور “تحدث له ببساطة”. بل هو في الواقع شخص يختار مبادراته بدقة. في هذا الشأن يقول مؤسس ومدير معهد أكسفورد لدراسات الطاقة: “في بعض الأمور أكون ذكيًا وفي أمور أخرى غبيًا. لكن، نعم، إذا قررت عمل شيء، أعمله. لو لم أكن كذلك هل كان بإمكاني إنشاء المعهد؟! قبل المعهد،وفي عام 1976، أسست شيئًا اسمه “نادي الطاقة”. حين نجح بدأت ندوة سبتمبر السنوية في عام 1979. ثم فكرت أنه أصبح هناك اﻵن النادي حيث يلتقي الناس ويتحدثون، والندوة حيث يلتقي الناس ويتحدثون.. يجب أن يتوفر مكان يسمح للناس بالتفكير وإنتاج الأفكار. ومن هنا جاءت فكرة المعهد. عملت عليه على مدى ثلاث سنوات، حتى افتُتح في عام 1983. دخلت في مفاوضات طويلة مع العرب واليابانيين والفرنسيين، وكان لكل منهم تناول واهتمام مختلف. أعتقد أن خبرتي في التعامل مع أشخاص مختلفين في ظروف صعبة للغاية، وفي مواقع البناء علمتني كيف أتعامل بكفاءة أكثر مع المشكلات البسيطة التي واجهتها في العالم الأكاديمي والمجتمع البريطاني المتحضر.”

من المثير للإعجاب كيف اندمجت الجوانب المختلفة لخلفيته ومستقبله العملي بسلاسة. قرار اتخذه حين وصل بريطانيا لأول مرة وجعله يشعر بالراحة مع نفسه ووفّر عليه الكثير من الأسئلة المؤلمة التي طالما تواجه آخرين في موقعه: “أدركت سريعًا أنني مهما عوجت لساني لن أصبح إنجليزيًا، لذلك اتخذت قرارًا بألا أحاول أن أكون إنجليزيًا، وإنما سأكون نفسي – خواجة. في مصر كنت أغضب حين يطلقون عليَّ الخواجة، وكنت أتشاجر بسبب ذلك. في إنجلترا كان موقفي إيجابيًا: نعم، أنا خواجة. إذا قبلتموني هكذا، فهذا أمر جيد، وإن لم تفعلوا، إذن وداعًا. اتبعت سياسة عكسية ونجحت. لكن حتى حين اتخذت هذا القرار شعرت براحة أكثر مع نفسي؛ فلم أعد أسأل نفسي تلك الأسئلة الخاصة بالهوية: هل أنت انجليزي، مصري، يوناني، فيلسوف، مهندس أم ماذا؟ لم أهتم. أنا هو أنا.. أنا كل هذه الأشياء.”

ملحوظة: يعاد نشر هذا البروفايل بعد تحريره والحصول على موافقة الكاتبة والأهرام ويكلي.

اعلان