Define your generation here. Generation What

شوكان والكاميرا كأداة للجريمة

كانت أحد أهم الأسباب التي ساعدت في اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير وما سبقها من حِراك في السنوات القليلة قبل 2011 هو انتشار ما يُعرف بـ”وسائل التواصل الاجتماعي”، ودخول المجتمع المصري لمرحلة جديدة ومبهرة على مستوى نقل المعلومة وتداولها ونشرها لحظة وقوعها، المعلومة التي تنقل في حد ذاتها رواية للأحداث عبر الخبر والصورة والفيديو، والتي تختلف غالبًا عن الرواية الرسمية التي استأثرت بها السلطات الحاكمة على مدار عقود، عبر منظومة ضخمة ومتشعبة من إعلام “السلطة” أو إعلام الخدمة العامة -كما يجب أن يكون.

صارت وسائل التواصل الاجتماعي نافذة على عالم جديد أكثر تدفقًا وحيوية، ومكَّنت قطاعًا مهمًا من الشباب المصري أن يكتسب من خلال استغلال أدواتها مزيدًا من القدرة على التنظيم والنقاش الحُر في فضاء حُر -أو بتعبير أدق أكثر حرية- مهما حاولت الأنظمة السياسية المتعاقبة تقييده والتضييق عليه، فالتطور التكنولوجي كان أسبق من قدرة الأنظمة على قمع الأفكار ووقف تدفق الحقائق والمعلومات وتبادل الآراء بحرية.

وكانت أبرز ملامح استغلال أدوات التواصل الاجتماعي هو ذلك الدور العظيم الذي لعبته صحافة المواطن والصحافة الاجتماعية والمجتمعية المستقلة في نقل الحقائق لجمهور الناس بدون تحريف أو تحليل أو إضافة، وفي قلب تلك العملية اليومية من كشف الحقائق ونشرها وتداولها لدرجة وصلت لحد التأثير على توجهات الرأي العام بشكل كبير وملحوظ، كانت الصورة تلعب دورًا شديد الأهمية؛ أصبح التصوير الصحفي هوية الباحثين عن الحقائق، وقد شهدت مصر خلال السنوات الست الماضية انفجار العديد من القضايا المجتمعية الكبرى علي خلفية صورة أو فيديو جرى التقاطهما وتداولهما عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

تلك هي جريمة شوكان التي قضى بسببها 1102 يومًا من الحبس، بينها 372 يومًا من الاحتجاز غير القانوني بعد إحالة القضية المتهم فيها إلى المحاكمة، بعد استيفائه للحد الأقصى من الحبس الاحتياطي وفقًا للقانون.

لماذا يقبع شوكان كل هذه المدة خلف القضبان؟

الحقيقة أن شوكان لم يكن المصوِّر الصحفي الوحيد الذي تعرَّض لانتهاك كافة حقوقه في ممارسة مهام عمله كصحفي، والتي كفلها الدستور المصري وقانون الصحافة 96 لسنة 1996 وكافة المواثيق والمعاهدات الدولية المعنية بحرية الصحافة والإعلام، وتضع بدورها التزامًا على عاتق الدولة بتوفير بيئة آمنة وداعمة لأداءالصحفي لمهام عمله في نقل الحقيقة لجمهور الناس، فحاملو الكاميرات في مصر كانوا في مرمى استهداف الأجهزة الأمنية طوال السنوات الست الأخيرة وأنظمتها المتعاقبة بعد يناير 2011، بداية من الاستيقاف والاعتداء والاستيلاء على المعدات والمنع من تأدية عملهم، وانتهاءً باستهداف سلامتهم وأرواحهم، مرورًا بالقبض عليهم وتلفيق الاتهامات الجنائية لهم. حيث وثَّقت وحدة الرصد والتوثيق بـ”مؤسسة حرية الفكر والتعبير”، على سبيل المثال، منذ 30 يونيو 2013 وحتى 30 يونيو 2016، 1432 حالة انتهاك ضد الصحفيين، شملت 355 انتهاكًا ضد المصورين الصحفيين، و200 انتهاكًا جماعيًا بالمنع من التغطية أو تأدية العمل. كذلك رُصدت حالتا قتل لكل من المصوِّر الصحفي أحمد عاصم ومايك دين، إلى جانب عشر حالات إصابة بطلق ناري أو خرطوش بحق مصورين صحفيين. وهي أرقام تشير لحجم القمع الذي وجَّهته السلطات الأمنية للكاميرا، وحجم العداء الذي يحمله أفراد الشرطة للصورة، تلك التي فضحت قضية تعذيب عماد الكبير قبل 2011، والضابط “قناص العيون” كما أُطلق عليه عقب أحداث اشتباكات شارع محمد محمود في 2011، وما تعرَّضت له الملقبة بـ”ست لبنات” والتي جرى سحلها وتعريتها أثناء فض قوات الجيش لاعتصام مجلس الوزراء في العام 2012. وغير ذلك الكثير.

إلا أن حالة “شوكان” تظل الحالة الأبرز نظرًا لعدة أمور؛

– الفترة الطويلة التي يقضيها شوكان قيد الحبس الاحتياطي، والتي تخطت الألف يوم سواء قبل أو بعد إحالة القضية المتهم فيها، حيث ألقي القبض على محمود أبو زيد الشهير بشوكان على خلفية أحداث فض اعتصام أنصار الرئيس الأسبق محمد مرسي بميدان رابعة العدوية، ووجهت له اتهامات من بينها الإنتماء لجماعة محظورة والمشاركة في غرفة العمليات الإعلامية بالاعتصام. ورغم إرسال وكالة “ديموتكس” الدولية للمصورين الصحفيين ما يُفيد بأن شوكان كان يعمل في تغطية الأحداث لصالحها، ورغم القبض عليه وبحوزته كاميرا التصوير، وتفويض الوكالة التي يعمل لصالحها لتغطية الأحداث، وكذلك شهادة زملائه من المصورين أن “شوكان” كان يقوم بعمله مثلهم تمامًا في تغطية أحداث الفض، الذي دعت وزارة الداخلية المصرية وسائل الإعلام بشكل رسمي لتغطيته والتأكد من استيفاء قوات الأمن للمعايير الحقوقية والدولية فيه، كما دعت مراقبي المجتمع المدني لمراقبته. إلا أن كل هذا لم يشفع له لأن يُطلق سراحه حتى اليوم.

– رغم العفو الرئاسي، الذي صدر بعد ضغوط شديدة محلية ودولية، عن الصحفيين المتهمين في قضية خلية الماريوت وهم محمد فهمي، بيتر جريست وباهر محمد، ورغم تبرئة المصوِّر الصحفي أحمد جمال زيادة بعد حبسه احتياطيًا لأكثر من عام، إلا أن السلطات المصرية لم تتوقف عن انتهاك حقوق الصحفيين والاعتداء على حرية الصحافة والإعلام ومعاداة نقل الحقيقة وتداول المعلومات، ونال شوكان بالأخص قسطًا من التنكيل المتعمد، حيث تجوهلت كافة الدعوات المحلية والدولية لإطلاق سراحه، ولو بعفو رئاسي، أو لإخلاء سبيله على ذمة القضية. في هذا التنكيل غير المبرر بشخص تعرف الأجهزة الأمنية جيدًا- وتحديدًا جهازها المعلوماتي “الأمن الوطني”- أنه ليس منتميًا بأي وجه لجماعة الإخوان المسلمين، وأنه لم يمارس سوى عمله في تغطية ونقل الأحداث، تكمُن الجريمة وبيت القصيد. فشوكان لا يُعاقب لكونه عضوًا منظمًا بالاخوان أو مشاركًا في الأحداث بأي طريقة، وإنما يُعاقب بسبب الكاميرا التي يحاول تأدية دوره الصحفي بها.

إذن، لماذا كل هذا التنكيل بـ”شوكان” تحديدًا، والذي يبدو أنه ليس فقط تأديبًا لتغطيته الأحداث، كما حدث مع كثيرين غيره أُطلق سراحهم، طالت أو قصرت مدة احتجازهم، حتى ولو صدرت بحقهم أحكام كما حدث مع متهمي قضية خلية الماريوت؟ ماذا فعل شوكان إذن لتختصه السلطات الأمنية تحديدًا بكل هذا القدر من التنكيل؟!

رغم عدم وجود إجابة موثوقة، إلا أننا قررنا أن نورد هنا أحد الإجابات التي يجب أن تستوقفنا، وخاصة إذا ما وضعناها في إطار الثقافة العامة الأمنية في اختيار المُنكَّل بهم؛ الإجابة هي مضمون ما حصل عليه “شوكان” أثناء تغطيته لأحداث الفض، التي راح ضحيتها بحسب لجنة تقصي الحقائق الحكومية المُشكَّلة عقب 30 يونيو 607 شخصًا، وأكدت تقارير حقوقية عدة أن قوات الأمن (الشرطة والجيش) استخدمت فيها العنف المفرط والقتل العمدي ضد معتصمين سلميين، حتى أن منظمة “هيومان رايتس ووتش” ذكرت في تقرير لها أنها المجزرة الأبشع في تاريخ مصر الحديث.

ما الذي التقطته كاميرا شوكان ليدفع في مقابله 1103 يومًا من عمره؟ يبدو أن كاميرته التي استولوا عليها حملت قصصًا ما كان لها أن تُحكى! فشوكان إذن يجب أن يكون عبرة لكل مصوِّر أو مراسل قد تسوِّل له عدسة كاميرته التقاط حكايات مُحرمة بأمر السلطات الأمنية.

وما يؤكد وجهة النظر المطروحة والقائمة على فهم الثقافة الأمنية عمن يستحقون العقاب والتنكيل، هو ما تعرَّض له الباحث الحقوقي والصحفي الاستقصائي حسام بهجت مؤسس “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” حينما استُدعي للتحقيق بالنيابة العسكرية، واحتُجز بمبنى المخابرات الحربية لتجاوزه الحدود المُحرَّمة في ما يجب على الصحافة تناوله، حيث نشر بهجت تحقيقًا استقصائيًا مطولًا بموقع “مدى مصر” الإليكتروني بشأن محاكمة عدد من ضباط الجيش بتهمة محاولة الانقلاب العسكري، تناول خلاله قرار الاتهام وشهادات أسر المتهمين التي تروي جانبًا آخر للرواية، وهي قضية عسكرية حُكم فيها بالسجن بحق 28 متهمًا لمدد تتراوح بين العشر سنوات والمؤبد. إلا أن بهجت لم يقف عند استقبال الخبر بل تقصَّاه وتحرى مدى تطبيقه للعدالة بحق المتهمين، خاصة في ظل شبهات لم تفارق أداء منظومة العدالة في مصر من شرطة ونيابة وقضاء بشقيهم المدني والعسكري منذ الثلاثين من يونيو 2013. وهو ذاته -إذا أمعنا النظر- ما حدث مع الباحث والصحفي اسماعيل الاسكندراني الذي ألقي القبض عليه في 29 نوفمبر 2015، ولا يزال قيد الحبس الاحتياطيي حتى اليوم، لا لتهمة سوى تجاوزه الخطوط الحمراء للصحافة بتقصيه الأوضاع الأمنية في شبه جزيرة سيناء وعمليات ما يُطلق عليه “محاربة الإرهاب”، ونقله لوقائع وحقائق تجافي الرواية الرسمية للأحداث التي تتناقلها الأبواق الإعلامية للسلطة السياسية الحاكمة في كثير من الأحوال. بهجت والاسكندراني وشوكان وغيرهم تناولوا المسكوت عنه وحكوا بأقلامهم وكاميراتهم قصصًا ممنوعة من الوصول للجمهور.

ما حدث ويحدث لشوكان هو حلقة من سلسلة أكبر لتكبيل وتأميم الصحافة المصرية، المهددة بحبس نقيب صحفييها الخاضع لمحاكمة عاجلة ووكيل وسكرتير عام النقابة لقيامهم بحماية دور وكرامة الصحفي، بعد اقتحام نقابة الصحفيين للمرة الأولى في تاريخها وإلقاء القبض على صحفيين من داخلها لا يزالون قيد الاحتجاز باتهمات من بينها نشر أخبار كاذبة، وهي التهمة التي ترفقها الأجهزة الأمنية بقائمة من التهم الجنائية لكل من ينشر رواية للأحداث تغاير ما ترغب السلطة في تسييدها أو تفتح مساحة للنقد والتعبير الحُر عن الرأي. القضية واحدة ولا تنفصل مطلقًا، والمطالبة بالإفراج الفوري عن “شوكان” وكافة الصحفيين المحبوسين مهمة ضرورية على عاتق نقابة الصحفيين المصرية وكل مؤمن بحرية الصحافة والإعلام وكل داعم لحق الجمهور في المعرفة وتلقي الحقيقة. ويبدأ إنقاذ الصحافة المصرية بتنظيم الجماعة الصحفية لنفسها بالشكل الذي يسمح لها بانتزاع الحق في مناخ آمن وداعم لحرية العمل الصحفي واحترام دور الصحفي وحقوقه.

قبل يومين، 19 مايو، كان اليوم العالمي للمصوِّرين الصحفيين، ومنذ أيام، 14 أغسطس 2013، كانت الذكرى الثالثة لفض اعتصام رابعة العدوية، ولا يزال شوكان حبيسًا لأنه التقط صورًا تروي حكايات قد تحمل حقيقة غير التي يرددها من يدير شئون البلاد اليوم.

ما امتلكه شوكان من مادة مصورة هو ما يُلقي به اليوم في السجن، تلك حكاية يجب أن تٌحكى وتٌعرف، لأنها حكاية أخرى محرمة!

أفرجوا عن شوكان.

أفرجوا عن الحقيقة.

اعلان
 
 
مصطفى شوقي