Define your generation here. Generation What

خواطر شخصيّة في الذائقة النغميّة (1)

لمّا كان النغم كالكلام، ينقسم لألسن ولغاتٍ ولهجات، منه الفصيح والدارج، الأصيل والهجين، المدروس والعفويّ، الصادق والمدّعي، تعدّدت ذائقة الناس فيه بتعدّد أذواقهم في سائر الفنون، على أنّ الرغبة من بعض فئات المجتمع في أمّتنا باحتكار الذائقة، واحتقار مَن ارتأوا فيه شخصًا دون معرفتهم، دفعت هذه الفئات المستعلية لتوجيه ذائقة الأمّة وتعليبها وتقديمها جاهزةً للناس، كفعلهم بسائر مناحي الحياة من شؤون الحكم والتعليم والاقتصاد والطعام والشراب واللباس وحتّى الحبّ.

انقسمت تعليب الذائقة إلى تعليب باسم الدين تارةً والوطنيّة تارةً والثقافة تارة، وإنّي لأرى أنّ كلَّ هذا تعدّد أوجهٍ رغبة في الاستحواذ والسيطرة والاستقواء على الناس.

وبعد، فإنّ الكلام لن يتعدّى الحديث عن الذائقة النغميّة، خلا ما يؤول له الكلام بالتمثيل والمقارنة مع حالٍ آخر من أحوال فنٍّ آخر أو منحىً آخر من مناحي الحياة.

وستكون الكتابة في خواطر، لا فصليّةً ولا بحثيّةً ولن يُستخدم فيها الأسلوب العلميّ المدرسيّ، لكن سيُعتبر فيها بالأمانة العلميّة والاستدلال بالتوثيق ما استطعت لهذا سبيلًا.

لنبدأ بالجيّد والرديء والحكم عليه:

لماذا يؤخذ انطباعٌ بسابق جودة عملٍ ما، إذا كان الغناء فيه لأمّ الشهيد أو للمقاومة، أو حملت مقطوعةٌ عنوانًا ثوريًّا أو مقاومًا. ويُفترض في العمل سوء جودةٍ إذا حمل في طيّاته كلامًا غير مألوفٍ أو خارجًٍا عن الآداب العامّة (مع التحفّظ على المصطلح)؟

هل ينبغي أن يُقاس النغم بمحتواه الكلاميّ؟ وإن كان، فما معيار قياس المحتوى الكلاميّ؟ هل بمضمونه أم بجودته؟ كم تكون نسبة جودة النغم في الحكم على جودة العمل، لو كان العمل غنائيًّا؟ وكم تكون نسبة قياس العنوان، لو كان العمل نغميًّا خالصًا لا غناء فيه؟

لماذا يعتبر الكثيرون مَن يعلن عدم حبّه لحنًا عن القضيّة أو الثورة تافهًا أو سطحيًّا؟ لماذا يطلقون الصفتين السابقتين على مَن يميل لسماع ألحانٍ ذات كلامٍ غير مألوفٍ أو خارجٍ عن الآداب العامّة؟لماذا يقسَّم النغم وفق مضمونه الكلاميّ والطبقيّ لا محتواه النغميّ؟

وقد نمت لأُذُني ألحانٌ من النوع الثاني بها طربٌ وصنعةٌ وجديّةٌ في التعامل مع النغم أكثر من النوع الأوّل.

دُرنا في فلك نفس الفكرة بما فيه الكفاية والتمثيل، والآن نضرب بعض الأمثال العمليّة على مقصدنا من الحكم على النغم، لكن، علينا أن نقف في مقدّمةٍ أُخرى تحوي بعض الأسانيد المنطقيّة والتفسيرات الاصطلاحيّة التي سنسير بها سويًّا في هذه الخواطر، ونحاول إسناد المصطلحات التي سنستخدمها لأقرب شائعٍ لها في أمّتنا بأيّ لغةٍ كانت، في أوّل مرّةٍ نأتي على ذكر مصطلحٍ ما، ثمّ نكتفي بذكره بالطريقة التي نرى أنّها الأنسب في مقامنا هذا.

في الأمم التي ينتشر فيها الظُلم، ينتشر فيها بالمِثل حبّ القديم، وعدم مساسه بالنقد ولا حتّى الاستفادة من أخطائه. مَن يستطيع تخطيئ السلف الصالح في الدين أو السياسة أو النغم!؟

حين طالعتُ بعض كتب التراث في الشِعر مثلًا، وجدت بعض الرواة ينقدون شاعرًا في مكانة النابغة الذبيانيّ بأنّ في شعره إقواء، وبصرف النظر عن تعريف الإقواء، وتعدّى هذا أنّ شاعرًا كجرير في إحدى مجالسه نقد قصيدةً نظمها هو، فنرى أيضًا مجاوزة نقد الأقدمين إلى فكرة النقد الذاتيّ.

ماذا لو قُلنا إنّ الكثير من نجوم الطرب في القرن العشرين في أمّتنا هم صنعة إعلامٍ وسلطةٍ أكثر من جودة نغمٍ أو عظيم موهبة؟

لماذا نضع الأقدمين من أوّل عبده الحامولي ومحمّد عثمان، مرورًا بيوسف المنيلاوي وعبد الحيّ حلمي وسلامة حجازي وسيّد درويش، وصولًا لأمّ كلثوم إبراهيم ومحمّد عبد الوهّاب ورياض السنباطي ومحمّد القصبجي وزكريّا أحمد والأخوين أسمهان وفريد الأطرش، ومن تلاهم مثل عبد الحليم حافظ والأخوين عاصي ومنصور الرحباني، وبليغ حمدي وكمال الطويل ومحمّد الموجي، والأسماء لا تنقطع في كلّ عصر، لماذا نضعهم في مرتبةٍ لا يجوز فيها نقدهم أو حتّى إبراز ما يمكن أن تكون أخطاء، لماذا تُدارى الأخطاء ولا يُستفاد منها؟ لماذا نركّز في تفاصيل حياتهم الشخصيّة؟ لماذا نهتمّ بحياتهم الشخصيّة أصلًا؟ لماذا لا ننظر للشخص بعمله؛ يؤخذ بمحاسنه ويُستفاد من خطئه؟

الظنّ عندي أنّ هذه الأعمال السينمائيّة والتلفزيونيّة التي جعلت من أولئك الأشخاص ملائكةً تمشي على الأرض أساءت لهؤلاء الناس الذي لم يُرِد أغلبهم إلّا أن يكون ذا فنٍّ، وغير هذا هو واحدٌ بين الناس.

إذن، في هذه الخواطر لا يقدَّس الماضي، ولا يُساء لأحدٍ، وإن أشرت لما أراه إخفاقًا أو خطأ، فإنّما هو الرأي والرغبة في الفائدة لا الإساءة والانتقاص من قدر أحد. ورغم هذا فسأذكر الأسماء في ما أشير له بالإجادة، وسأحاول اجتناب ذكر أيّ اسمٍ يشار له بغير هذا، إلّا في حالة الضرورة القصوى، لا لشيءٍ إلّا رغبةً في احترام مشاعر من يختلف معي في التوجّه.

بعد بيان عدم رغبتي في تقديس الماضي، ستنقسم الظواهر الموسيقيّة في هذه الخواطر إلى الموسيقى الفصحى (CLASSIC) والموسيقى العاميّة أو الدارجة (POPULAR) والشعبيّة (FOLKLORIC) والاستهلاكيّةٍ التجاريّة أو المنوّعات (COMMERCIAL, VARIETY). ولا أدّعي هنا امتلاك الحقيقة في تقسيم النغم، ﻷن من أشكاله ما يصعب تصنيفه لتداخله، لكن أقول أنّ هذا ما سأعتمده تسهيلًا على نفسي وعلى من قد يتابع هذه الخواطر.

أخيرًا، لا يُقصد من هذه الخواطر أيّ تقسيمٍ لها أو تبويبٍ أو تقطيع لفصول، لكنّها خواطر خالصةً لا ينبغي أن تُعطى أكبر من قدرها، وكلّما جال خاطرٌ في البال يُطرح دون أولويّة لخاطرٍ على آخر أو أهميّةٍ لفكرةٍ عن أُخرى.

عودةٌ لمسألة تقديس المحتوى العاطفيّ دون النغميّ.

تجربة الأستاذ حميد الشاعريّ:

لا يزال لحن “لا كان على الخاطر” يطنّ في أُذُني، وأستمتع به حقًّا، كذلك لحن “اضحك بقى وابسطها يا عمّ”، أو “جنّة جنّة”، أو “يا واد يا اسكندراني”، أو “يا ليلة يا ليلة”، التي ذكرها الأستاذ شعبان عبد الرحيم في معرض ازدرائه للفيديو كليب مقارنًا إياه بعبد الحليم الذي “ياما قال موعود وفريد الأطرش ملك العود”، وهي طريقة ازدراء نقّاد أولي السلطة والدين والثقافة، تلك الفئات التي أُطلق عليها اسم “النُخبة المسقّفة”، نسبة للسقف!

ما علينا.

سمعنا كثيرًا على شاشات التلفاز، ومنابر دور العبادة، وأروقة المسارح القوميّة وقصور ومراكز الثقافة، ازدراء لهذه الألحان، وفي نفس الوقت، تمجيدًا وتعظيمًا لموسيقيّين يقيمون الحفلات في الأماكن التي لا تُدخل إلّا بالملابس الرسميّة.

رأيت المحتوى متقاربًًا، خلطًا بين النغم الشعبيّ في برّ مصر والشام، مثلًا، مع الدارج من النغم الاستهلاكيّ الغربيّ، جاز أو رُك، يعني حسب صرعة العصر.

وجد مزج حميد الشاعريّ طريقًا إلى أُذُني، وهو المُزدرَى والأكثر انتشارًا، ولم يجد طريقًا ﻷذني نغمُ الموسيقيّين أصحاب مسارح الملابس الرسميّة، وجمهور النخب. رأيت حميد أصدق.

بعد ما يزيد عن عِقدٍ ونصف، أعدت النظر في المسألة، سمعتُ الكثير من حوارات حميد الشاعريّ ولقاءاته، فوجدته دارسًا، واعيًا، لم يقل كلمة سوءٍ في حقّ أيّ نوعٍ من أنواع الموسيقى، قال ما مضمونه أن هذه طريقتي في النغم.

بينما وجدت موسيقيّي الملابس الرسميّة أقلّ دراسةً منه للأنغام التي يريدون خلطها ببعض، سواءً نغم أمّتهم، أو نغم الأمم التي يريدون مزجها. وجدتهم يزدرون أنغامهم وينعتونها بأسوأ النعوت. وأبسطها أن الموسيقى العربيّة متخلّفةٌ عن ركب الحضارة، ونريد أن نطوّرها.

هم أنفسهم يتحدّثون في ألحانهم، آليّةً أو غنائيّةً، عن الشهيد والقضيّة والثورة.

في كل هذا، أفضّل مزجًا صادقًا من عينة الواد الإسكندرانيّ وحلال عليك ويا ليلة يا ليلة واضحك بقى وابسطها يا عمّ!

عُذراً، لا أقصد شقّ الصفّ الثوريّ!

اعلان