Define your generation here. Generation What

أحمد زويل، ونقد لمقولته في التطبيع

في عام 1993 زار البروفيسور المصري الراحل أحمد زويل إسرائيل، ليتسلم جائزة “وولف” الدولية من معهد فايتسمان. من يد الرئيس الإسرائيلي حينها عيزِر فايتسمان تسلم الجائزة، وألقى بهذه المناسبة كلمة، أضحى بموجبها ثاني اثنين مصريين  يخطبان في الكنيست، بعد الرئيس الراحل أنور السادات، رحم الله الرجلين.

بعد عودته إلى القاهرة سٌئل الدكتور زويل أكثر من مرة عن الزيارة باعتبارها فعلًا تطبيعيًا، يخالف ما درج عليه علماء مصر ومثقفوها، رغم ما بين القاهرة وتل أبيب من معاهدة اتفاق، فعلل موقفه استنادًا إلى القول بأنه “لا سياسة في العلم، ولا علم في السياسة”، أي أن موقفه يَنطلق من إيمانه بالفصل بين المجالين، ويَنبع من تعريفه لذاته بأنه عالم لا سياسي.

وهي مقولة قد تبدو –لوهلة- عقلانية، رغم تهافتها من عدة وجوه، لكني لست معنيًا هنا بإثبات تهافتها، بقدر ما أنا معني بإثبات انقلاب صاحبها عليها وعدم وفائه لها.

وقد كان يمكن تفهمها، ومن ثم تفسيرها دون تبريرها، والتفسير غير التبرير، لو أن صاحبها استقام عليها، لكن ذلك لم يحدث، وهذا ما نسعى لإيضاحه هنا.

وطبعًا حديثنا ينصب -حصرًا- على النظر في علاقة صاحب نوبل بإسرائيل، كونها موضع الإشكال، وليس منصبًا بأي حال على علاقته بأمريكا التي هي بلده الثاني، ولا على اشتباكه بالوضع السياسي المتأزم في مصر، التي هي بلده الأول.

في البدء ووفقًا لما أورده جلال أمين في كتابه “شخصيات من مصر”، فإن زويل أثناء كلمته في الكنيست قال ضمن ما قال:

“إن الجزيئات والذرات تتعايش مع بعضها وتتآلف وتتجاذب، وإنه هكذا يجب أن تكون العلاقة بين إسرائيل والشعوب العربية”.

وهذه الجملة تمثل أول خروج لعالم الكيمياء على مقولته في الفصل المزعوم بين ما هو علمي وما هو سياسي، إذ أن الجملة الآنفة تكونت من شطرين؛ أولها علمي والثاني سياسي، وجمعت بينهما في علاقة استدلالية، كما أسقطت حقيقة علمية أخرى تشير إلى تفكك الرابطة غير المتماثلة.

وفي سبتمبر عام 2011، حين وقع هجوم على السفارة الإسرائيلية بالقاهرة بعد مقتل جنود مصريين في سيناء، أبدى زويل انزعاجه من هذه الهجمات التي أدت -حسب رأيه- إلى ذعر كبير في الولايات المتحدة، التي تشعر بالخوف على أمن إسرائيل ومستقبل السلام في الشرق الأوسط.

وفي الثامن من أكتوبر من عام الثورة نفسه، كتب عالم نوبل مقالًا باللغة الإنجليزية بعنوان “السلام مع إسرائيل لن يقوم إلا على الدعم الشعبي“، نشره في موقع جلوبال فيوبيونت، جاء فيه:

“إن ثاني أخطر تحدٍ يواجه مصر بعد الثورة هو الالتزام بمعاهدة السلام في الشرق الأوسط، التي يدعمها حقًا جمهور المصريين”.

والمقطع الأخير من هذه الجملة يتجاوز مجرد الحديث في السياسة إلى الافتئات الصريح على الشعب المصري، الذي لم يُستشر لا في توقيع المعاهدة ولا في استمرارها أو حتى تعديلها.

لكن، وفي معرض تدليله على صحة رأيه، نقل زويل حديثًا دار بينه وبين السفير الإسرائيلي في القاهرة حينها يتسحاق ليفانون، يفيد باقتناع الأخير أن جمهور المصريين يؤيدون السلام مع إسرائيل، استنادًا إلى أن السفير لم يتعرض لأي أذىً طيلة إقامته بالقاهرة!

في المقال ذاته، حذر زويل القوى السياسية من أي محاولة لاستغلال أوضاع ما بعد الثورة للمساس بمعاهدة السلام، معتبرًا أن من يفكر منهم في ذلك في هذه اللحظة الحاسمة، سيُعد مداناً بارتكاب جريمة ضد الأمل!

ليس خافيًا أيضًا أن حائز نوبل حدد موقفه بوضوح من الصراع العربي الإسرائيلي، حين أطلق دعوة للقوى الكبرى، لإنهائه وفق قاعدة إقامة الدولتين، على أن تكون الفلسطينية على حدود ما قبل العام 1967.

الأكثر وضوحًا مما مضى أن طبيعة الدور السياسي الشرق أوسطي لزويل هو ما أهلّه للصعود إلى المكتب البيضاوي، مستشارًا علميًا للرئيس أوباما عام 2009، ذلك حسب ما اتضح من بيان البيت الأبيض بشأن حيثيات اختياره، وهو البيان الذي جاء فيه:

“إن هذا المصري الأمريكي احترامُه ليس ناتجًا فقط من أجل ما قدمهُ للبشرية في العلوم، وإنما أيضًا لجهوده في الشرق الأوسط، والتي هي صوت للحكمة”.

الاختيار إذن -وفق هذه الحيثية- جاء تتويجًا لرحلة تمكن فيها حائز نوبل من لعب دور البطولة المزدوجة في مختبرات العلم كما في ملاعب السياسة، حتى مكنتهُ الأخيرة مما لم تمكنهُ منه الأولى.

وربما هي “الحكمة” ذاتها التي دفعت كلًا من السفارة الإسرائيلية بالقاهرة والمتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي لنعيه باعتباره بطلًا شجاعًا لعب دورًا أساسيًا، لا باعتباره عالمًا فحسب، وفق ما جاء في البيانين.

وهذا الدور السياسي الجلي الذي لعبه زويل يكشف بجلاء مدى الهشاشة في مقولته بـ”فصل العلم عن السياسة”.

فهذه المقولة لا تعدو سوى رافعة –عقلانية- مهدت فقط للصعود في سلم التطبيع، في حين أن تجربة صاحبها الذاتية تثبت أنه لم يلتزم بها، بل كان حريصًا على عكسها، أي الوصل لا الفصل بين المجالين العلمي والسياسي، وجني الأرباح من كليهما.

يتبقى في النهاية التأكيد على أن هذا النقد لصاحب نوبل، هو هامش سياسي على متن علمي. وفي المتن لا يختلفُ عاقلان على مكانته العلمية التي ارتقاها، فيما قد يختلفان في الهامش على مواقفه السياسية التي تبناها.

وإذ يُغيٌب الموتُ المصري النوبلي كلاعب سياسي، فإن التاريخ حتمًا سيُحضرُه كعالم كيميائي، تمكن، وهو الخارج من رحم أمة تعيش في عصور الظلام، أن يمنح البشرية قياسًا جديدًا للزمن.

رحم الله صاحب “الفيمتو ثانية”.

اعلان
 
 
عبد الهادي حريبة  heriba500