Define your generation here. Generation What

رابعة: مذبحة من؟

في الليلة السابقة على ليلة رأس السنة منذ 11 سنة، وفي حي المهندسين بالقاهرة، حيث يقطن أبناء البرجوازية والطبقة الوسطى العليا، ذبحت الشرطة المصرية سبعة وعشرين طالب لجوء سوداني، وأصابت عشرات آخرين إصابات متنوعة، لفضِّ اعتصام سلمي لطالبي اللجوء الهاربين من جحيم الحرب الأهلية المستعرة في بلاد “أشقائنا الجنوبيين”. كان المذبوحون يتقافزون في هلع أمام قوات الشرطة، ثم يسقطون صرعى أمام مسجد مصطفى محمود الشهير، ولا أحد يعيرهم انتباهًا.

قليلون من لا يزالون يتذكرون جريمة منتصف ليل القاهرة تلك. القتلى منسيون، والمذبحة مُحيت من الذاكرة. ربما يتذكرها، أحيانًا، بعض شهود العيان، وبالقطع لن ينساها شركاء المأساة من اللاجئين، لكنها مُحيت من ذاكرة التاريخ.

أرتنا مذبحة ميدان مصطفى محمود لمحة من قدرة القاهرة – القاهرة! – على التعايش بسلاسة مع الدم الحرام. نجحت مديتنا في اختبار التعايش مع القتل لأنها مدينة عنصرية. فلولا الكراهية لما مرت المذبحة. القتل نفي من الوجود، لكنه يبدأ بالتحقير في الوعي، وهذا بالضبط ما حدث مع طالبي اللجوء المكلومين، الذين اعتبرهم سكان المهندسين مجرد حثالة تستحق الموت، فـ”حقَّ عليهم الموت” دون أي وخز في الضمير.

علمتنا مأساة اللاجئين أن المذبحة الناجحة ليست تلك التي يجري القتل فيها بكفاءة، بل تلك التي ينجح مرتكبوها في سلب حق الوجود من ضحاياها؛ علمتنا كذلك أن القاهرة مدينة تمر فيها المذابح. فكل مذابح الثورة موضع تنازع أخلاقي، كالثورة نفسها، وكل مذبوحيها مشكوك في حقهم في الوجود. الوعي، والسردية، والتأويل، وأحقية التحدث باسم التاريخ، هم موضوع الصراع، تمامًا كالسلطة والثروة.

لهذه الأسباب بالتحديد يمكننا اعتبار مذبحة رابعة أكبر مآسي تاريخنا الحديث. فخلال بضع ساعات، وفي وضح النهار، وفي واحد من أكبر ميادين القاهرة، قتلت السلطة ما يقترب من ألف شخص، وحرقت جثث بعضهم، وماطلت في إعطاء ذويهم شهادات الوفاة، هذا بينما يظل “مواطنونا”، حتى بعض الثوريين منهم، يتجادلون حول شرعية المقتلة ومنطقيتها وضرورتها. المأساة الأكبر في رابعة ليست واقعة القتل، على فظاعته وهمجيته، بل واقع التدليس في الوعي وحقيقة النزاع حول شرعية الذبح.

تختلف مذبحة رابعة عن مذبحة اللاجئين السودانيين في كون الأخيرة مُحيت من الذاكرة؛ رابعة أكبر وأفظع من أن تُمحى، لأسباب عديدة ليس هنا مجال طرحها. لكن رابعة، تمامًا كمذبحة اللاجئين، واقعة نجح مرتكبوها، حتى الآن، في تبريرها أخلاقيًا بنزع حق الوجود عن ضحاياها. ولهذا قصة تستحق أن تروى، لأنها مفتاح تجاوز رابعة كحدث تأسيسي في تاريخ السياسة المصرية.

على مستوى الوعي والأيديولوجيا، على مستوى سردية التاريخ، يمكننا أن نلاحظ أن هناك شيزوفرينيا من نوع ما في التاريخ المصري. هناك تاريخان متنازعان لمصر الحديثة: التاريخ الحداثي لمصر المواطَنة التي استيقظت وطنيًا، ودخلت معركة الحداثة، وحاربت الاستعمار، وحققت الاستقلال.. إلخ، والتاريخ الإسلامي لمصر الخلافة التي سقطت بسقوط الباب العالي، وخضعت ماديًا وروحيًا للغرب الكافر، ثم ولد فيها الإحياء الإسلامي الذي يجاهد لاستعادة مجدها المحمدي.. إلخ.

يرجع أصل هذا الانقسام في الوعي التاريخي إلى أكثر من قرن من الزمان، حينما ولدت الحركة الوطنية الحديثة، التي سرعان ما زاحمها في المجال العام تيار إحيائي إسلامي كاره للحداثة راعه تفسخ الروابط والقيم التقليدية المصاحب للتحديث.

انقسام الوعي الناجم عن الحداثة وآلامها ليس قصة مصرية، بل قصة عالمية لها ظلالها المختلفة بين زمان وزمان ومكان ومكان. عندما تقرأ “تحطيم العقل” لجورج لوكاش، و”الخطاب الفلسفي للحداثة” ليورجن هابرماس، وعشرات الكتابات المثيلة الأخرى التي تؤرخ لتطورات العقل الحداثي الأوروبي، ستكتشف أن اللا عقلانية الحديثة ولدت كتوأم للعقلانية البرجوازية التي نكثت وعودها بتحقيق التقدم والحرية والعدالة. أصبحت العقلانية تبريرًا لبؤس الحاضر، فأضحت اللا عقلانية ثورة عليه، خاصة بعد انتكاس مشروع الثورة الجذرية الذي بشر بامتزاج العقل والثورة. وهكذا انتهى بالغرب الحال إلى الفاشية والنازية وإلى حربين عالميتين.

أما في مصر المتأخرة والمستعمَرة، ورغم حركة التحرر الوطني، فقد طرحت العقلانية الحداثية نفسها كمواءمة مع الاستعمار، ولما فشلت في التخلص منه بطرقها المهادنة، صعدت اللاعقلانية، فكرًا وسياسة، في صورة هجوم على الحداثة أخذ شكل الإحياء الإسلامي. ورغم أن مصر تغيرت كثيرًا كثيرًا على مدى القرن الأخير، إلا أنها لم تتجاوز انقسام السرديات الذي ميَّز ميلاد أيام حداثتها الأولى. والسبب هو الأزمة.

فبينما نجح الغرب المتقدم بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى وقت قريب، وبفضل انتعاشه الطويل وتقدمه الاقتصادي المتراكم، في احتواء لا عقلانيته داخل إطار المفاوضة الديمقراطية التقليدية، فشلت الدولة الوطنية المصرية في مشروع تحديثها فشلًا ذريعًا، فلم تحقق حرية ولا عدلًا ولا ديمقراطية ولا تقدمًا ولا أي إنجاز. لم تنجح الوطنية المصرية إلا في ضبط معدل التدهور الحضاري بحيث لا يتحول إلى فشل كامل للدولة.

هذه بالضبط هي البيئة التي استعاد فيها الإحياء الإسلامي عافيته كـ”لا عقلانية” نقيضة للعقلانية المتعفنة لدولة التحرر الوطني؛ لاعقلانية في أحسن الأحوال مترددة إزاء الحداثة وفي أسوأها رافضة كلية لها؛ لا عقلانية تطرح نفسها، وتطرحها السلطة، ليس كمعارضة تقليدية تتحرك في إطار عملية تداول السلطة، حيث تدور كراسي السلطة بين أحزاب وقوى مختلفة في ظل مرجعية سياسية (دستورية) واحدة، بل كمعارضة تأسيسية، أي معارضة تسعى إلى خلق دولة جديدة تقوم على أنقاض دولة التحرر الوطني، حتى لو فقط على مستوى المرجعية الفكرية الأخلاقية.

النفي المتبادل بين المشروعين الوطني والإسلامي هو الجذر الفكري لشرعنة مذبحة رابعة. فمن ناحية أولى لم تعد دولة التحرر الوطني، بعدما فقدت كل مبرر للوجود، وأصبحت مجرد جماعة من اللصوص، قادرة على الدمج والاحتواء شعبويًا، لم تعد حتى قادرة على الإقصاء وفق عقد اجتماعي جامع، بل أصبحت فقط قادرة على اختراع الأعداء الوهميين وشحن الكراهية. ومن ناحية ثانية فالمشاريع الإسلامية غير الديمقراطية غير إدماجية بطبيعتها. هذه تربة ممهدة لهيمنة ثقافة النفي والنفي المضاد مع أول اشتعال لفتيل الأزمة. وهو ما حدث.

هنا بالضبط وجدت الثورة المضادة فرصتها. أسست الثورة المضادة خطتها للانتصار على هذا المرتكز بالتحديد. الثورة المضادة، ككتلة عملية انتهازية، لا يعنيها كثيرًا إلا مصالحها، فهي إسلامية حينما يكون هذا مناسبًا وعلمانية حينما يكون هذا مناسبًا (وتحالف مجلس طنطاوي العسكري مع الإسلاميين خير دليل على ذلك). لكن هذا الانقسام الفكري، المتأصل وطويل المدى، مثَّل بالنسبة لها فرصة تاريخية لتسهيل الهجوم. فها هو “آخر”، غيرنا ومضاد لنا، نراه آخر، ويرى نفسه غيرنا، ويمكننا بالتالي تلبيسه قناع الشيطان، وتأجيج المشاعر ضده، كعدو لابد من نفيه من الوجود.

لا أتحدث هنا عن حقيقة وطبيعة الإخوان المسلمين، ولا عن توزيع المسؤوليات على الجرائم، فهذا موضعه حديث آخر، وإنما أتحدث عن أرضية فكرية خصبة ساهمت في الإقصاء والشيطنة، ووفرت الفرصة للثورة المضادة كي تزرع سرديتها في العقول، فأصبح الطريق ممهدًا للقتل المجاني، مع التهليل والمباركة على الانتصار!

شهداء رابعة ليسوا فقط ضحايا لرشاشات ومدافع سلطة الثورة المضادة، هم كذلك ضحايا للنفي المتبادل بين أصحاب سرديتي تاريخ مصر. حتى المعترفين من المعسكر المدني بشهداء رابعة يعترفون بهم من وجهة نظر الشياكة الحقوقية: “هم ليسوا شهداءنا، هم شهداء “الآخر”، لكنا نرثي لهم لأن القتل كله حرام”. والحقيقة أن جرح رابعة لن يندمل أبدًا إلا إذا انتزعناه من دوائر الاستقطاب والنفي وزرعناه في حقول الإنسانية، حتى لو اقتضى الأمر المنازعة مع الإخوان المسلمين الذين يرون أن رابعة “مصيبتنا نحن ولا أحد غيرنا”.

لا، ليس حقيقيًا، رابعة ليست مصيبة هذا الفصيل أو ذاك، رابعة مصيبة الثورة المصرية ككل، ليس لأن معتصمي رابعة كانوا ثوريين (أغلبهم لم يكونوا كذلك)، بل لأن شرعنة المذبحة تكريس لمنطق النفي، وتعميق لهيمنة الثورة المضادة، وقنبلة تدمر جسور احتواء المحافظة الإسلامية وهزيمتها – سياسيًا – في إطار مشروع ديمقراطي جذري. رابعة ذروة درامية لنجاح مشروع إسقاط الثورة المصرية بتغيير خطوط المواجهة من السياسي والاجتماعي إلى الهوياتي والعقائدي. ولن ننتصر، حين تندلع المواجهة من جديد، إلا إذا نجحنا في إرجاع خطوط المواجهة إلى أصلها، فالحرب بين الثورة والثورة المضادة، ولا يوجد بيننا شياطين، بل يوجد أصحاب سلطة وملكيات وثروات، ويوجد انتهازيون ولاعبون على الحبال، جميعهم يحرمون الكادحين والفقراء والمضطهدين من حقهم في “العيش والحرية والعدالة الاجتماعية”.

اعلان