Define your generation here. Generation What
هل نجح “الشعار اﻷصفر” في “تسويق” المجزرة؟
 
 

في محاضرة ألقتها في مؤتمر TED في 2012، حكت بهية شهاب -المؤرخة الفنية، والأستاذ المساعد قسم الفنون بالجامعة الأمريكية بالقاهرة- عن قصة حائط في أحد شوارع القاهرة [الحائط أسفل كوبري 6 أكتوبر في حي الزمالك]، قالت: “قرر مجموعة من الفنانين رسم دبابة بالحجم الطبيعي على الحائط، يقابلها أحد اﻷشخاص يقود دراجته، حاملًا طاولة من الخبز على رأسه. بعد إحدى المظاهرات، جاء آخرون وأضافوا أجساد متظاهرين يسبحون وسط نهر من الدم تحت تلك الدبابة. جاءت السلطات، وقامت بمسح كل الجدارية بطلاء أبيض، لكنهم تركوا الدبابة، مع رسالة تقول “الجيش والشعب إيد واحدة”. واصلت “شهاب” حكايتها: “جاء فنانون آخرين ليرسموا أمام الدبابة وحشًا يرتدي زيًا عسكريًا يلتهم إحدى البنات. ومجددًا مسحت السلطات كل شيء، لكنهم تركوا الدبابة مكانها”. واستكملت “شهاب” بأنها قررت أن تملأ ذلك الحائط بشعارات “لا لحكم العسكر”.

تشير معركة الحائط إلى وعي السلطة بدور الرمز، معتبرة أن انتصارها على هذا الحائط يمثل جزءًا مهمًا من انتصارها العام. وإذا كان وعي السلطة وردود أفعالها يظهران أهمية هذا الحائط بالنسبة لها، فإن موقفها العنيف تجاه حملة “رابعة” وشعارها، وهي الحملة التي أدارها تنظيم عملاق كتنظيم اﻹخوان بنجاح كبير، يصبح مفهومًا.

كانت شبكات التواصل الاجتماعي قد اكتست باللون اﻷصفر مع يد سوداء تشير بأصابعها اﻷربعة، في أعقاب قيام قوات اﻷمن المصرية بفض اعتصام مؤيدي الرئيس اﻷسبق محمد مرسي منذ ثلاثة أعوام، مخلفة وراءها مئات القتلى في غضون ساعات قليلة.

وقتها، أصبح الشعار اﻷصفر سمة لكل تظاهرات جماعة اﻹخوان المسلمين ومؤيديها. عشرات اﻵلاف من المتظاهرين في الشوارع والجامعات رفعوا أيديهم بالشعار. ملصقات، ولافتات، وأدوات مكتبية، كلها تحمل الرمز.

“أعتقد أن موقفي لم يتغير، ولا أعتقد أن شعار رابعة غير من رأيي سلبًا أو إيجابًا.”

وجاء رد الفعل الرسمي عنيفًا: ألقت قوات اﻷمن القبض على طالب بالثانوية العامة لحيازته “مسطرة” تحمل شعار رابعة، ثم قررت النيابة العامة حبس والده بتهمة “حثه” على حملها. كما قضت الطالبة بكلية طب اﻷسنان، سارة خالد، شهورًا طويلة قيد الحبس بسبب حملها دبوسًا عليه الشعار نفسه. وأحيل لاعب اﻷهلي أحمد عبد الظاهر إلى التحقيق بسبب رفعه شعار رابعة بعد إحرازه هدفًا لفريقه في نهائي دوري أبطال إفريقيا، وعاقبه اتحاد كرة القدم من من تمثيل مصر دوليًا لعامين كاملين. فيما انخرطت الحكومة في محاولات لتجريم استخدام الشعار على فيسبوك. وفي أغسطس من العام الماضي، رأت الحكومة المصرية أن النصر في معركة الرمز ربما يأتي بالقضاء على ميدان رابعة نفسه؛ فقررت تغيير اسمه من ميدان “رابعة العدوية” إلى ميدان “الشهيد هشام بركات”، النائب العام المصري الذي تم اغتياله العام الماضي.

“نجح الشعار في تخليد تعاطف الناس مع ضحايا هذه المجزرة”.

تثير هذه المعركة أسئلة حول مدى جدوى التعامل مع القضايا والمآسي اﻹنسانية بمنطق السوق، وإلى أي مدى يمكن أن يكون تحويل المأساة إلى سلعة، يجري تسويقها، مفيدًا لهذه القضية، خصوصًا على المدى الطويل.

لم يخرج شعار رابعة إلى النور بشكل عشوائي، وإنما جاء نتيجة عمل قام به فريق متخصص. تحكي المصممة التركية صالحة إيرين، أحد اثنين قاما بتصميم الشعار الشهير، في مقابلة أجراها “مدى مصر” معها، أن الشعار جاء نتيجة عمل جماعي لفريق متخصص في شبكات التواصل الاجتماعي اسمه Haberseyret. “كنا نخبر الناس عن الربيع العربي منذ البداية، الشعوب التي تسعى إلى العدالة والحرية أثرت فينا بشكل كبير”، تقول إيرين. “لكننا صعقنا حين قام الجيش المصري بقتل المدنيين في أغسطس 2013. استمر الشعب في المقاومة في ميدان رابعة بمنتهى الشجاعة وبعدها قررنا أن نقوم بتصوير هذه المقاومة بشكل مرئي. فعلنا هذا بوازع من الضمير.”

تشير دراسة نشرها قسم اﻹعلام والتواصل بمدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية حول الـ branding في الحملات الانتخابية وما إذا كان استخدام أساليب السوق في تصميم الحملات الانتخابية يمثل نوعًا جديدًا من التواصل، إلى أن الـ branding يمكن تعريفه بـ “القيمة الرمزية”، أو “التمثيل النفسي” لمنتج ما؛ “طبقة من الرابط العاطفي، أو مجموعة الفوائد غير الملموسة التي ترتبط بالمنتج”.

توضح فاليري عريف، مصممة الجرافيك ومتخصصة الـ branding، أن المستهلك العادي يمنح مزيدًا من الثقة لأصحاب العلامة التجارية ويتعامل معها بجدية أكبر. “المسألة لها علاقة بقدرة المستخدم على إدراك العلامة التجارية والتعرف على صاحبها”، تقول عريف موضحة أن الانطباع بأن هذه الشركة صاحبة العلامة تتصف بالاحترافية، وهو أمر له تأثير نفسي قوي في حد ذاته على المستهلك.

تشير “عريف” في حديثها لـ “مدى مصر” إلى أن اختيار ألوان شعار رابعة كان موفقًا؛ “يُستخدم اللون اﻷصفر ﻹعطاء إحساس باﻹنذار أو الحذر، بينما يعطي اللون اﻷسود لرسمة اﻷصابع تأثيره المطلوب”. تضيف أيضًا أن الحملة حازت أحد أهم معايير نجاح الحملات الدعائية وهي أن يتمكن المستهلك من التعرف عليها بسهولة.

تستخدم “عريف” لوجو “ناشيونال جيوجرافيك” كمثال قوي على علامة تجارية يتعرف عليها المستهلك بسهولة. “نجحت ناشيونال جيوجرافيك في أن يصبح اللون اﻷصفر لونهم”، تقول “عريف”، مضيفة: “اﻵن يمكنك أن ترى صورة يحيط بها إطار أصفر لتدرك أنها من ناشيونال جيوجرافيك دون أن يضطروا لوضع لوجو عليها”.

بالنسبة لعملها، فإن تناول منتجات استهلاكية لا يختلف عن تناول حملات سياسية أو قضايا إنسانية فيما يتعلق بطريقة تقديم العلامة التجارية وتصميم الحملات المرتبطة بها. تقول: “تصميم علامة تجارية لمقهى جديد لن يختلف عن تصميم علامة لقضية إنسانية؛ كل العناصر واحدة”.

وعلى الرغم من أن العناصر التي يتم استخدامها مشتركة، إلا أن الرابط الشعوري الذي تريد الحملة إيصاله يتسبب في اختلاف طريقة استخدام هذه اﻷدوات.

تقول “عريف”: “المستهلك العادي يقوم بالربط بين استخدام اﻷلوان والخطوط، وبين مقدار المصداقية التي يستحقها صاحب هذا الشعار”، لكنها تستدرك “كل هذه اﻷشياء ضرورية لكنها ليست العامل الوحيد للنجاح، هناك عوامل أخرى كي تتمكن من تحقيق نجاحًا على المدى الطويل”.

لكن هل تمكن “منتج رابعة” من تحقيق نجاحات طويلة؟

منذ ثلاثة أعوام، اكتسح الشعار اﻷصفر حسابات العديدين على شبكات التواصل الاجتماعي، كعلامة واضحة على هوية يراد لها الفناء. تمكن الرمز من جمع مستويات عديدة من الروابط، بدءًا ممن فقدوا أقاربًا أو أصدقاءً في مذبحة فض الاعتصام، ومرورًا بأعضاء ومؤيدي جماعة اﻹخوان الذين شهدوا انهيار حلمهم التاريخي في عام واحد، وصولًا إلى عدد من هؤلاء الذين تعاطفوا بشدة مع ضحايا مجزرة بهذا الحجم دون أن يكون لتعاطفهم أي بعد أيديولوجي أو شخصي.

عمرو سلامة، طبيب بيطري في أواخر العشرينيات من عمره، أحد هؤلاء. قام “سلامة” بزيارة اعتصام رابعة مرة واحدة مع زوجته، شهدا فيها الليلة اﻷخيرة من شهر رمضان، وأديا صلاة العيد هناك.

لا ينتمي “سلامة” إلى جماعة اﻹخوان ولا يحمل معها تعاطفًا سياسيًا واضحًا. لكنه، وبعد فض الاعتصام، قام بتغيير صورة حسابه على فيسبوك للشعار اﻷصفر الذي تتوسطه اﻷصابع اﻷربعة السوداء. “في حسابي على فيسبوك، كان هناك عدد قليل جدًا من اﻷصدقاء متعاطفًا مع ضحايا المجزرة أو يجهر بهذا التعاطف”، يقول سلامة، ويضيف: “لهذا قررت استخدامه. كانت رسالة مني لمن أبدوا الشماتة في دماء مئات القتلى؛ إذا كان الشعار اﻷصفر يسبب لكم كل هذا الحنق، فها هو ذا”.

يضيف سلامة أنه استخدم الشعار كصورة لحسابه على فيسبوك مرة ثانية حين انتشر الحديث عن محاولة الدولة تجريم استخدام الشعار. بالنسبة إليه، فإن الشعار كان سلاحًا في يد مستخدميه وسط حالة من العجز التام؛ وكانت تلك هي الطريقة الوحيدة لمضايقة أنصار المجزرة.

يختلف الموقف السياسي للمهندسة المعمارية علياء الشبراوي، عن موقف سلامة. لم تكن علياء مؤيدة لما حدث في 30 يونيو لكنها لم تكن معارضة له كذلك. تقول علياء إن علامة رابعة كانت تضايقها أثناء الاعتصام. وتضيف إن الشعار كان يضايقها بعد فض الاعتصام بسبب أنه يتجاهل مذابح أخرى حدثت من قبل، مثل أحداث مجلس الوزراء أواخر 2011 أو ستاد بورسعيد أوائل 2012. مع هذا، تقول علياء إن الشعار نجح في إثارة بعض التعاطف بداخلها بعد الفض.

لكن هذا التعاطف لم يتسبب في تحول في مواقفها السياسية. توضح: “أعتقد أن موقفي لم يتغير، ولا أعتقد أن شعار رابعة غير من رأيي سلبًا أو إيجابًا.”

بالنسبة لسلامة، فإن مرور اﻷيام تسبب في أن يفقد الشعار القوي تأثيره. فيما تتفق “إيرين”، مصممة الشعار، بشكل جزئي معه. تقول إن العالم تغير كثيرًا في السنوات اﻷخيرة، وبالطبع فإن هذا التغيير طال شعار رابعة أيضًا. لكن هذا لا يعني بالنسبة لها أنه انتهى. “الشعار كان تحية إلى الشعب الذي يسعى إلى الحق والعدل. نعم، أظن أنه ما زال حيًا”، تقول إيرين.

من جانبها، تلاحظ علياء أن هناك مشكلة تكمن في التعامل مع المآسي اﻹنسانية بمنطق السوق، “أعتقد أنه من غير اللائق إنسانيًا أن يتم التعامل مع قضايا إنسانية بهذا المنطق”، وتضيف: “التلاعب بمشاكل وواقع الناس ليس من المفترض أن يكون بنفس مبادئ التلاعب بأحلامهم ورغباتهم [في عالم السوق والاستهلاك]”. لكنها تستدرك متفهمة المنطق وراء هذا الاتجاه: “مع ذلك، يبدو لي أن الناس لا تفرق كثيرًا بين هذا وذاك، لهذا فإن التعامل مع الحملات السياسية بمفهوم الحملات الدعائية غالباً ما ينجح في النهاية”.

وعلى الرغم من أن الشعار القوي لم يسفر بعد مرور ثلاث سنوات عن أي تغيير حقيقي، إلا أن “سلامة” يعتبر أنه نجح في تحقيق انتصار واحد لا يمكن محوه. “نجح الشعار في تخليد تعاطف الناس مع ضحايا هذه المجزرة”.

اعلان
 
 
محمد حمامة