Define your generation here. Generation What
في أول حوار صحفي بعد إخلاء سبيله.. طاهر مختار يروي لـ”مدى مصر” تفاصيل 6 أشهر من الحبس الاحتياطي
 
 

في الثالث من أغسطس الجاري قررت محكمة جنوب الجيزة إخلاء سبيل الطبيب السكندري طاهر مختار، عضو لجنة الحريات بنقابة الأطباء، بعد ستة أشهر كاملة من الاحتجاز قيد الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيقات في تهمة “الدعوة لتغيير نظم الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية” التي وجهتها له النيابة بعد  القبض عليه من منزله بوسط القاهرة في 13 يناير الماضي بصحبة رفيقيه في السكن أحمد حسن، الشهير باستاكوزا، وحسام الدين حمد، الشهير بسام.

مختار، الذي يعرف نفسه باعتباره ناشط نقابي واشتراكي ثوري، تحدث إلى “مدى مصر” في أول حوار صحفي له بعد الإفراج عنه، حول ملابسات القبض عليه، وظروف الحبس، ومعاناة رحلة إخلاء السبيل.

* نبدأ من النهاية، في اليوم المحدد لتنفيذ قرار إخلاء سبيلك علمنا أنك أمضيت 24 ساعة تقريبًا داخل سيارة ترحيلات لكي تصل إلى القسم التابع له عنوانك الرسمي بالإسكندرية، ماذا حدث؟

– في العاشرة والنصف من صباح الإثنين (8 أغسطس) ركبت  سيارة الترحيلات من قسم الخليفة بالقاهرة، استعدادًا للتوجه إلى الإسكندرية، مرت السيارة بشارع قصر العيني وصولًا لمجمع التحرير، وهناك التقطت السيارة 15 محتجزًا تقريبًا من المهاجرين السودانيين، ممن ضبطوا خلال محاولة التسلل لليبيا عبر السلوم، وجرى الإفراج عمن أبرز أوراقه الرسمية التي تفيد تمتعه باللجوء السياسي، وطلب من الآخرين إبراز وثائق سفرهم. كان أحدهم لا يملك وثيقة سفر فاصطحبه فرد من الشرطة إلى السفارة السودانية لاستخراج وثيقة سفر، وبقينا في انتظارهما لساعات في نفس المكان، بعدها انتقلت السيارة لمطار القاهرة لترحيل بعض المحتجزين، ثم إلى سجن القناطر لإيداع آخرين ممن كانوا لا يملكون ثمن تذكرة السفر. مضينا بعدها في الطريق لمرسى مطروح عبر طريق العلمين مباشرة دون المرور بالإسكندرية. قال لي الضابط معنفًا ردا على احتجاجي، إن السيارة لن تمضي خصيصًا إلى الاسكندرية لإيصالي.

* نعود للبدايات، احك لنا عن ملابسات القبض عليك واحتجازك.

– بدأ الأمر بطرق على باب منزلي. فتحت ففوجئت بأفراد شرطة في زي مدني داهموا البيت وشرعوا على الفور في تفتيشه. كانوا ستة، بينهم ضابطان وأربعة من أمناء الشرطة أو المخبرين، أو هكذا بدا الأمر لي أنا واستاكوزا وسام، من نمط تعاملهم معنا. رفضوا مطالبنا بالكشف عن هوياتهم، تدبرنا أمرنا بسرعة في محاولة لجلب المساعدة القانونية عبر رسائل نصية لأصدقاء، وفعلًا حضر المحامي الحقوقي مختار منير، ومع ذلك أصبحنا قيد التوقيف كما قيل لنا قبل نقلنا إلى قسم عابدين دون أن نعلم طبيعة التهمة أو الأحراز.

أتذكر كيف بقيت وحدي وقتها محتجزًا في حجرة لمدة سبعة ساعات دون تحقيق، بينما سام واستاكوزا يخضعان لتحقيق من قبل أفراد في مباحث الأمن الوطني في نفس القسم، في الوقت الذي تجاهل فيه الجميع الإجابة عن أسئلتي حول السبب وراء احتجازي ومصيري، حتى الساعة الحادية عشر مساء تقريبًا، حين نُقلت لغرفة حجز أخرى مع سام واستاكوزا هذه المرة، حيث بقينا هناك مقيدين حتى الصباح في زنزانة قذرة جدًا ومزدحمة وسيئة التهوية، قبل أن نُعرض على نيابة عابدين في اليوم التالي. رفضت بإصرار التحقيق معي انتظارًا لوصول محامي، وهو ما حدث. أتذكر كيف كانت الاسئلة مبهمة جدًا، ويصعب استنتاج طبيعة الاتهامات منها، بالنسبة لي كان عبثًا أن توجه لي تهمة تتعلق بالدعوة لتعديل النظم السياسية والاجتماعية والسياسية عبر منشورات معدة للتوزيع، بينما الأحراز هي تقرير صادر عن نقابة الأطباء عن الانتهاكات بحق السجناء، كما لو كانت الانتهاكات هي عماد نظام الدولة.

* أسئلة مثل ماذا؟

– على ما أتذكر، سألني وكيل النيابة على نحو مبهم مثلًا إن كنت قد شاركت في ثورة يناير. يُفترض في  مثل هذه الأحوال أن يسألني بشكل محدد إن كنت قد شاركت في حدث معين تضمن وقائع عنف مثلاً عقب الثورة، لا أتذكر إجابتي على وجه التحديد. هذه التحقيقات على كل حال سبقت قرار النيابة بتجديد حبسنا لمدة أربعة أيام، تجددت بعد ذلك مرات عديدة  متتالية، لمدة 15 يومًا عبر قاضي المعارضات، المختص فقط بالنظر في تجديد الحبس من عدمه، دون تحقيقات. جلسات تجديد الحبس كانت أمرًا لا يطاق، خصوصًا في الصيف، حيث كان الأمر يتضمن ساعات من البقاء في سيارة الترحيلات وساعات إضافية من الانتظار في “الحبسخانة” –مقر الاحتجاز في المحكمة– في ظروف مزرية للغاية من حيث القذارة والحرارة والازدحام والهواء الشحيح، قبل العرض على القاضي لمدة دقائق، على نحو يتخلله لقاءات سريعة جدا بأسرتي وأصدقائي. كنت أفضل، ما دامت قرارات تجديد الحبس حتمية، أن تصدر دون أن أضطر لحضور تلك الجلسات.

* وماذا عن ظروف الاحتجاز في السجن؟

– الوضع في سجن طرة كان أفضل حالًا من محبسي في قسم عابدين ومن “الحبسخانة”. في بداية الأمر بقيت لمدة 11 يومًا في عنبر “الإيراد”، وهو حبس مؤقت معتاد في زنزانة تضم 35 سجينًا، قبل أن يستقر بي الحال في زنزانة أفضل حالًا مع عدد أقل من السجناء بعدما أعلنت احتجاجي على بقائي هناك في اليوم الثاني عشر، في الوقت الذي توالى فيه نقل بقية السجناء للعنابر الدائمة، حيث طلبت لقاء ضابط المباحث، وهو أمر حاول أحد أمناء الشرطة عرقلته عبر مشادة مفتعلة انتهت بعرضي على الضابط في نهاية المطاف بعدما طلب لقائي. وقتها تعرضت لاعتداء بالضرب من أفراد شرطة في مكتبه، بينما كنت أعرض شكوتي عليه، وعالج الضابط الأمر بنقلي لعنبر التأديب، وقبل أن أدخله وجدت الضابط نفسه هناك، وبرر قراره بمحاولة الفصل بيني وبين أفراد الشرطة المعتدين تخفيفًا للتوتر، واستجاب في نهاية المطاف لطلبي بنقلي لعنبر جديد بقيت فيه حتى نهاية فترة حبسي. الزنزانة الجديدة كانت تضم عدد أقل من السجناء، لم يكن لدينا أسرّة، وكنا ننام على الأرض، لكن في المقابل كان بوسعنا مثلًا أن نطهو طعامنا في وجود سخان صغير لهذا الغرض. يمكن القول عمومًا إني كنت أفضل حظًا من العديد من السجناء في سجون أخرى أسوأ، من ضمنهم مالك عدلي (المحامي الحقوقي في المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية) مثلًا.

* ماذا عن رفاق الزنزانة، هل كانوا من الجنائيين أم السياسيين؟

– سياسيون، كان معظمهم إسلاميين.

* هل واجهت مشاكل معهم نتيجة الخلاف السياسي أو الأيديولوجي؟

– لم يكن الأمر كما توقعت. تعلمت من هذه الفترة صعوبة تعميم انطباع معين حول الإسلاميين ومؤيدي (الرئيس الأسبق) محمد مرسي، من حيث قدرتهم ورغبتهم في التعامل مع من يعتبرونه خصمًا سياسيًا. كان القطاع الأكبر منهم عازفًا دائمًا عن الخوض في أي نقاش قد يقتح الباب لأي خلاف. وعمومًا، كان قطاع لا بأس به منهم يعتقد أن ما حدث يستدعي إعادة النظر في أخطاء الجميع لا أخطاء الخصوم فقط، كثيرًا ما كان هذا الفريق يردد مقولات من قبيل “كلنا أخطأنا”. صحيح أن قطاعًا آخر يرى أن الفريق الذي أنتمي إليه، ممن شارك في (أحداث) 30 يونيو مثلًا، هو السبب فيما آلت إليه الأمور وفي معاناتهم، فقد ظل أولئك يتجنبون إثارة ما يمكن أن يجلب المتاعب من نقاشات. هذا ما نصبح عليه حين نصير سجناء، لا نلتفت إلا إلى ما يمكن أن يدعمنا في حياتنا اليومية التي تصبح بين ليلة وضحاها أعز أمانينا، ومن هنا كان الجميع يرى أن الأولوية هي ما يمكن أن يدعم راحتنا معا في زنزانة واحدة سنتشاركها برضانا أو رغما عنا.

* كيف كنت تمضي يومك في السجن؟

– كنت أستيقظ مبكرًا جدًا، في الرابعة صباحًا، وأنام في الثامنة مساءً. كنت أمضي نحو أربعة ساعات بعدما أستيقظ في القراءة، قبل أن أبدأ التريض، كان يُسمح لي كذلك بلعب الكرة. بعدها كنا نعود للزنزانة لطهو طعامنا وفقًا لتوزيع الأدوار والمسئوليات بيننا، لأن طعام السجن كان سيئًا جدًا، فكنا نعتمد على تقاسم الطعام الذي يأتينا في زيارات الأسر ومن ضمنه طعام نيئ كنا نطهوه معًا.

* “السجن خنقة” كما يقولون، كيف تغلبت على هذا الشعور، وبماذا تنصح السجناء للتغلب عليه؟

– بالنسبة لي كان أسوأ شعور هو الإحساس بأن لدي ما أريد قوله، وأن أدلي بدلوي حياله كالآخرين، مثلما كان يحدث في الأحداث المهمة التي كنت أشعر بالحرمان من الرد عليها أو السخرية منها أو حتى استنكارها. قد تسمع في السجن عن أمور حدثت لا ترى فيها إلا محض عبث كنت تود لو تخبر الجميع أنه عبث. لكن السجن قد يمنحك في المقابل شعور آخر بأن ثمة ما يبرر عجزك عن الفعل، في حين أن البقاء خارج السجن في ظل الظروف الحالية في ظل عجزك أيضًا عن الفعل، لكن دون مبرر، يسمح لك بأن تسامح نفسك، وقد يضعك في وضع أسوأ.

أسوأ ما قد يبتليك به الحبس هو شعورك بمضي العمر دون معنى، وبناء عليه فقد قررت شخصيًا أن أخلق معنى ما أو جدوى عبر تخصيص مدد طويلة لإنجاز أمور كنت أتمنى إنجازها، في الأساس عبر مواصلة دراسة اللغة الألمانية، ثمة ما يمكن فعله على هذا الصعيد من قبيل الدراسة لنيل درجة علمية. وبخلاف ذلك، فالوقت قد يمضي سريعًا حين تقرأ أو تكتب خطابات تأتيك أو ترسلها عبر أصدقاء مقربين، وإلا فستجد نفسك منقطع الصلة بمن تعرف بعد فترة، وكأنك قد صرت غريبًا عمن كنت تعرف.

اعلان
 
 
بيسان كساب