Define your generation here. Generation What
المفكر الماركسي ديفيد هارفي يتحدث إلى “مدى مصر” حول أزمة الليبرالية الجديدة
 
 

بعد عقود طويلة من سيطرة الليبرالية الجديدة على العالم كمنظومة تعمل على أقصى تحرير للاقتصاد في مقابل تهميش دور الدولة من أجل تحقيق الرفاهية والرخاء، تفاقمت معضلات كبرى كالفقر والبطالة والتهميش الاجتماعي لملايين البشر مصحوبة بصراعات دموية في مناطق مختلفة من العالم، إلى الحد الذي دعا صندوق النقد الدولي، أحد المؤسسات الدولية الممثلة للفكر الليبرالي الجديد، إلى طرح النقاش حول نهاية الليبرالية الجديدة نفسها. في كتابه “الليبرالية الجديدة.. موجز تاريخي”، قدم المفكر وعالم الجغرافيا الماركسي ديفيد هارفي تشريحًا اجتماعيًا واقتصاديًا لهذه المنظومة من منظور نقدي. الحوار التالي أجراه “مدى مصر” مع هارفي للوقوف على تحليله للمشهد الاقتصادي والاجتماعي العالمي.

* هل يمكن القول إننا نشهد نهاية حقبة الليبرالية الجديدة؟

– يعتمد الأمر على تعريفك لليبرالية الجديدة بالطبع. دائمًا ما أعرفها كمشروع طبقي لتراكم الثروات والنفوذ في أيدى طغم اقتصادية. وجزء من هذا المشروع يستهدف أَسر الدولة واستخدامها كأداة صرفة للحكم الطبقي. هذا هو المشروع. ثمة قواعد انبثقت من هذا المشروع، ومنها أن الدولة عندما تكون أمام الاختيار بين دعم الشعب ودعم رأس المال، فهي تختار دعم رأس المال. ومن قواعد اللعبة أيضًا أنها (الدولة) حينما يوجد صعوبات تعرقل المنظومة المالية تقوم بإنقاذ المنظومة المالية وتجعل الشعب يدفع ثمن ذلك. وهذا بالطبع هو نوع الحلول التي مثلتها بشكل واضح للغاية برامج التكيف الهيكلي لصندوق النقد الدولي. شهدنا ذلك  في عام 1982 في المكسيك، كما خضع العديد من البلاد إلى تلك السياسات تحديدًا. هذه هي الليبرالية الجديدة. وفي رأيي لم تنته الليبرالية الجديدة مع أزمة عامي 2007 و2008، فما فعلته الليبرالية الجديدة وقتها أنها أنقذت البنوك وجعلت الشعوب تدفع ثمن ذلك. ما الذي حدث في اليونان فى السنوات الماضية؟ ينقذون البنوك والمؤسسات المالية ويجعلون الشعب يدفع الثمن. الليبرالية الجديدة ما زالت على قيد الحياة إذًا وفي أحسن حال. إذا كان الليبرالية الجديدة تعني تراكم الثروات والنفوذ في ظل حكم أليغاركى (حكم أقلية)، فكل البيانات منذ 2007 و2008 توضح أن الطبقات الثرية ازدادت ثراءً منذ 2007 و2008، بينما ازدادت جموع الشعب فقرًا. وهكذا جاءت أزمة عامي 2007 و2008 في صالح الطبقات العليا بطريقة ما، ولقد استغلتها الطبقات العليا. الليبرالية الجديدة لم تمت إذًا.

لكن ما نشهده الآن هو حركات بين الشعوب المناهضة لهذه السياسات. والحقيقة أن هذه الحركات لها تاريخ طويل، فقد كانت هناك احتجاجات ضد صندوق النقد الدولي في الثمانينيات والتسعينيات. لكننا الآن نشهد صعود حركات مثل بوديموس في أسبانيا، وحتى في بريطانيا نجد بعض السياسات المعارضة للتقشف قد بدأت في التبلور. ولعل ذلك يشكل بداية ظهور تهديدات لهذا الشكل من السياسات. لكن هذا الشكل من السياسات لن يتوقف عند حدوث أزمة. هناك مثل يقول: “ينبغي ألا تدع أزمة جيدة تذهب هباءً.” ولقد استغلت الأقلية الحاكمة التي تتبع الليبرالية الجديدة الأزمة الأخيرة على نحو شديد الذكاء لكي تصبح أكثر ثراءً وتزيد من تمحور وتمركز الثروة حولها. قد ينتهي ذلك في يوم ما، لكنه لن ينتهي إلا عندما تصبح الحركات الشعبية واسعة المدى. ونحن نشهد الآن ظهور حكومات قمعية، سوف تحاول على الأرجح قمع الحركات المعارضة للتقشف، ويتهمونها بعدم الوطنية أو حتى الإرهاب. ونرى ذلك يحدث بدرجة ما في تركيا، وفي بعض البلاد الأوروبية حيث يتم حشد أقصى تيار اليمين في مواجهة السياسات المعارضة للتقشف التي بدأت في الظهور.

* لكن يبدو أن هناك بعض الاقتصاديين من التيار الرئيسي قد تخلوا عن تأييد الليبرالية الجديدة بشكل كامل، مثل جوزيف ستيجلتز وبول كروجمن وآخرون. وفي المؤسسات الاقتصادية مثل صندوق النقد الدولي، هناك انتقادات لطريقة التعامل مع الأزمة اليونانية مثلًا، وقد نشروا عددًا من الأبحاث عن التقشف وآثاره السلبية على النمو. هل ترى إذًا أن ثمة شعور بأن الصيغ القديمة بها عيوب، لكن مع عدم وجود إجماع على طريقة التعاطي معها؟

– الموقف كما أراه يمكن تلخيصه كالتالي: النظام الرأسمالي فى مأزق. أما طبقة الرأسماليين، الفئة التي تتحكم فعليًا في كل شيء، فهى فى وضع جيد. وما يحدث عادة هو أن قطاع من الطبقة الرأسمالية وواضعي نظريات هذه الطبقة يهتم بشكل كبير باستدامة النظام الرأسمالي، هؤلاء أمثال ستيجلتز وكروجمن، ويرون أن وضع الرأسمالية سيئ للغاية، ويريدون إنقاذ الرأسمالية كنظام اقتصادى. كما قال كينز: “أنا أنقذ الرأسمالية ولا أعارضها”. وأظن أنهم يحاولون إنقاذ الرأسمالية من الرأسماليين. لأن وفقًا لرؤيتهم فالرأسماليين الفرديين، وهم قطاع من الطبقة الرأسمالية، يتصرفون بأنانية من شأنها تدمير أساس ثرواتهم. وبالنسبة لهم هذا التناقض واضح جدًا، وهو ما يجعلهم ينادون بحركة من داخل الطبقة الرأسمالية لتعتني بحال الرأسمالية. وإن كان ذلك يتطلب تقليص نفوذ فئة ضئيلة فلا بد من فعل ذلك، لأن هذا هو الطريق الوحيد لاستمرار الرأسمالية. هذا ما يقولونه في رأيي. وأظن أن ذلك بدأ يتضح، كما بدأ يظهر في الخطاب السياسي، وهذا الاتجاه الذي تحاول هيلاري كلينتون تمثيله: “أنا أريد إنقاذ الرأسمالية. وعليّ أن أفعل ذلك من خلال إعادة توزيع الثروات والنفوذ، على أن أعارض تمركز الثروات والنفوذ”. لا أصدقها على الإطلاق، لكن هذا ما صرحت به. ولذلك أظن أننا إذا اتفقنا مع التحليل الذي يقول إن الرأسمالية فى مأزق، وهو في اعتقادي أمر لا يقبل الشك، وأن الطبقة الرأسمالية وضعها جيد للغاية، ما لا يقبل الشك في اعتقادي أيضًا، سوف نجد هنا تناقضًا يجبر قطاعًا من الطبقة البرجوازية في وقت ما على المطالبة بمعالجته. وهناك من ينادي بذلك منذ فترة، مثل ورين بافيت، وجورج سورس، الكثير من الأثرياء يقولون ذلك. وإن موقف جورج سورس لافت جدًا للنظر، فهو يقول: “أنا أدعم التغيير بالكامل، لكن حتى يحدث ذلك التغيير سوف أستمر في التربح، كما فعلت من قبل”، هذا موقف لافت جدًا للنظر. لكنه يدعم هذا الجناح الذي يسعى إلى إنقاذ الرأسمالية.

* كيف أثرت سيطرة الليبرالية الجديدة خلال الأربعين عامًا الماضية على الطبقة العاملة، وبالتالي توجهات الأحزاب والحركات اليسارية؟

– ليست لدي أية معادلة سحرية. أرى أن فهم طبيعة هذه المشكلة أمر شديد الأهمية للتنظيمات اليسارية، بحيث لا نستخدم نموذج تنظيمي يناسب عمال المصانع في البلاد الصناعية بشكل أكبر مثلًا. كما أرى أن كثير من محاولات تنظيم الطبقات العاملة  قد ركزت في أغلب الأحيان على مكان العمل. لكن في ظل ظروف غير مستقرة بدرجة عالية من حيث مكان وكيفية العمل، قد يكون من الأفضل تنظيم العمال حسب أماكن إقامتهم. ولقد شعرت دائما أن ممارسة السياسة في الحياة اليومية ومحل الإقامة على نفس درجة أهمية ممارسة السياسة في مكان العمل. ولذلك أظن أن في حالة وجود قطاع غير رسمي هائل، يتم تمدينه بشكل متكرر، أو فئات مهاجرة من العاملين بالزراعة لا يوجد لديهم عنوان ثابت، علينا اتباع الناس أينما يعيشون، لنبدأ الحديث معهم عن ظروف المعيشة، من ناحية سير العمل وأيضًا من ناحية مشاكل المعيشة والحياة اليومية. وأظن أن ذلك أصبح ينطبق حتى على البلاد رأسمالية المتقدمة، حيث توقفت الطبقة العاملة بالصناعة عن النمو، بل بدأت في الاندثار. وعليه ينبغي تنظيم أفراد الطبقة العاملة العابرة التي تدعم الحياة في المدينة، من عمال التوصيل إلى عمال المطاعم وعمال المواصلات، بناءً على مبادئ مختلفة. ولذا أنا معني بشكل كبير بنموذج تنظيمي يقوم على التوزيع الجغرافي، أي تنظيم كل حي على حدة، بحيث يتمكن جميع العمال الذين يعيشون في حي بعينه من تطوير وعيهم الجمعي من خلال محل إقامتهم، ومن ثمّ ينقلونه إلى محل عملهم أيضًا. لطالما رأيت أنه علينا زيادة العمل على هذا النموذج، وأظن أن التحولات التي طرأت على أشكال التوظيف وعلى الرأسمالية بشكل عام جعلت استخدام هذا الشكل التنظيمي البديل أكثر منطقية.

* كيف ترى الإمبريالية اليوم؟، ما هي حدودها وكذلك أشكال مقاومتها المحتملة؟، هل تغيرت طبيعتها مع صعود ما تسمى بمجموعة دول بريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا) اقتصاديًا؟

– منذ فترة وأنا غير راضٍ عن مصطلح “الإمبريالية”. كتبت كتابًا عن الإمبريالية الجديدة، لكنه كان بشكل ما نقدًا للمفاهيم التقليدية للإمبريالية. صديقي العزيز المفكر الإيطالى الراحل جيوفاني أريجي (1937-2009) لم يكن يرغب في الحديث عن الإمبريالية على الإطلاق، وكان يفضل الحديث عن الهيمنة في النظام العالمي وتحول تشكيلات ذات الهيمنة. و قد لا أتفق معه تمامًا في هذا الطرح، ولكن أظن أن ما قاله يحمل شيء من الصحة، لأننا إذا نظرنا الآن إلى أهم المستغلين في سوق النحاس في زامبيا مثلًا، سنجد شركتين كبيرتين إحداهما صينية والأخرى هندية. كما سوف تجد أن شخص مثل كارلوس سليم في المكسيك لديه مصالح في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية. بعبارة أخرى، إن استغلال شعب ما في مكان بعينه من قبل طرف آخر في مكان مختلف قد أصبح أمر شديد التعقيد في المشهد العالمي. من ناحية الجغرافية السياسية، تظل الولايات المتحدة المهيمنة عسكريًا. لا يوجد في العالم من يتفوق على الولايات المتحدة من حيث التقنية العسكرية. لكن كما نعرف، الأمر لا يقتصر على التقنية العسكرية فحسب. فوجود جنود على الأرض، كما رأينا في أفغانستان والعراق وغيرها، أمر مختلف تمامًا. لذلك لا أرى أنه يمكن اليوم تطبيق النظرية الكلاسيكية للاستعمار والإمبريالية التي كانت صالحة في القرن التاسع عشر، والتي كتب عنها لينين. على سبيل المثال، أنا أعمل أحيانًا في الإكوادور، 45 في المئة من الاستثمارات الأجنبية في الإكوادور تأتي من الصين. وتعاني الإكوادور من تضخم خطير في ميزانيتها القومية، بسبب ارتباط 40 في المئة من ميزانيتها بعائدات البترول. ولقد انخفض سعر البترول إلى النصف، ما أدى إلى أزمة هائلة في الميزانية. ماذا فعلوا؟ اقترضوا أموالًا من الصين. وما الذي طلبته الصين في المقابل؟، فتح المجال لاستخدام الموارد المعدنية في الإكوادور، وهم حاليًا يقومون بنهبها. ولذلك أظن عندما نرى ذلك يحدث، قد نقول إنه لا يمكن لوم الإمبريالية الأمريكية على الوضع في الإكوادور، رغم تاريخ أمريكا الإمبريالي الطويل والذي يجب أن تحاسب عليه، لأن الوجود الإمبريالي الحالي للصين.

لقد ذكرت دول بريكس، لا يعجبني هذا المصطلح. أظن أن هناك فارق كيفي بين البرازيل مثلًا والصين، من حيث الأهمية والقوة بالنسبة للاقتصاد العالمي. وأظن أن إنعاش اقتصاد البرازيل وجزء كبير من أمريكا اللاتينية مرتبط بشكل ما بتوفير المواد الخام إلى الصين. ولقد جاء انهيار قيمة السلع مثل النحاس والحديد، إلى آخره، على مدار الأشهر الستة الماضية بسبب الركود الذي أصاب الصين، والذي سبب مشاكل كبيرة لأستراليا وتشيلي والبرازيل. لذلك أكرر أننا أمام اقتصاد عالمي منقسم، هناك قطاع أمريكا الشمالية وأوروبا الذي يعمل على التقشف، وهناك تشكيل الصين ذو الميول التوسعية أو الكينزية إذا صح التعبير، والذي استقطب قسمًا كبيرًا من التجارة العالمية إلى مداره.

لذلك علينا تحليل الموقف بهذه الطريقة بدلًا من التركيز على المفاهيم الكلاسيكية للإمبريالية، أو حتى نظرية المنظومات العالمية التي أرى أنها غير صالحة أيضًا، أفضل الحديث عن التنمية الجغرافية غير المتوازنة بجوانبها المختلفة، مع تبني بعض من نظريات أريجي حول التحولات في تشكيلات الهيمنة. فنحن نشهد حاليًا ظهور هيمنات إقليمية، ألمانيا تهيمن بشكل واضح على أوروبا، والبرازيل تهيمن على أمريكا اللاتينية، والصين تهيمن على الشرق الأقصى، وبالطبع هناك أمريكا الشمالية والمكسيك وكندا وتشكيلات هيمنة أخرى. نحن الآن أمام ظاهرة يمكن وصفها بأقلمة قوة الهيمنة. وبالرغم من قوة الولايات المتحدة عسكريًا، إلا أنها ليست على نفس درجة القوة اقتصاديًا. وهذا أمر متغير على نحو سريع. فقبل ثلاث سنوات كان الجميع منبهرًا بازدهار أمريكا اللاتينية، لكن عندما ننظر إليها الآن نرى أن الوضع كارثي. تحولات كهذه تحدث بسرعة كبيرة، ولذلك أظن أن الحديث عن الإمبريالية غير مرن بما يكفي لاستعياب ديناميكية هذه التحولات، وأنا أفضل استخدام لغة تتضمن تحولات أشكال الهيمنة والتنمية الجغرافية غير المتوازنة وما شابه.

* إذًا ما تطرحه هو وجود نظام عالمى يشمل مساحات هيمنة متداخلة بدلًا من نظام عالمي يحدث فيه تراكم رأس المال لصالح قوة إمبريالية واحدة بالأساس؟

– نعم، هذا صحيح. الصين الآن تواجه صعوبات بالغة، مع انهيار سوق الأوراق المالية والعقارات إلى آخره. وكل مكان مرتبط بتجارة الصين يواجه صعوبات أيضًا. لم يكن هذا هو الحال قبل ثلاث سنوات. والمفارقة أننا قبل ثلاث سنوات كنا نقول إن أمريكا الشمالية قد انتهت، لكنها المكان الوحيد الذي يحدث فيه نمو حقيقي. ولذلك فاستمرار الرأسمالية العالمية يبدو أنه مرتبط باستعادة أمريكا الشمالية عافيتها بشكل ما. والحقيقة أن بريطانيا أقرب إلى الولايات المتحدة منها إلى سائر بلاد أوروبا. ولذا فالعالم الأنجلو-أمريكي هو الأمل الوحيد لاستمرار الرأسمالية، لم نكن لنقول ذلك قبل ثلاث سنوات. لذلك علينا أن نتحلى بالمرونة في فهمنا لهذه الديناميكيات.

* يقولون إن الإمبريالية هي قرين الرأسمالية، ما رأيك؟

– من وجهة نظري يخلق رأس المال فائضًا على الدوام، وعند إنتاج هذا الفائض يجب أن تذهب إلى جهة ما لإعادة استثمارها في أنشطة مربحة. وهكذا يبقى السؤال مطروحًا، كيف نتخلص من فائض القيمة؟، كيف نتوسع وأين نتوسع؟، تكون فرص التوسع في الأغلب مقيدة بأماكن أو مناطق محددة. ولذا يبحث رأس المال عن مكان آخر يمكنه الاستمرار في التوسع فيه. عندما كان رأس المال البريطاني هو المهيمن عالميًا في القرن التاسع عشر كان رأس المال يُصدّر من بريطانيا إلى أمريكا اللاتينية والأرجنتين وأمريكا الشمالية وأستراليا وجنوب أفريقيا. لدى بريطانيا عدد مما أطلق عليه “التثبيت المكانى لرأس المال” لدينا فائض في رأس المال لا نستطيع استعيابه في بلدنا، ماذا نفعل إذًا؟ نتجه إلى الخارج. كثيرًا ما ارتبط ذلك بالطبع بالغزوات الاستعمارية أو الهيمنة الإمبريالية. لكن المثير للاهتمام هو أن البلاد التي خضعت إلى أكثر الممارسات الاستعمارية لم تكن مفيدة لبريطانيا، لأنها لم تخلق طلبًا لبريطانيا. وثمة أمر غريب هنا. فقد وصل الأمر ببريطانيا إلى أنها كبحت نمو الهند كقوة رأسمالية في القرن التاسع عشر، وبذلك دمرت سوقًا محتملة لمنتجاتها. فلطالما كانت الولايات المتحدة أكبر أسواقها، ولكنها توسعت بعيدًا عن الهيمنة البريطانية. يطرح ذلك معضلة: هل نغزو مكان ما ونستغله، أم نحرره ونترك رأس المال ينمو فيه ليصبح هذا النمو مصدر الطلب لمنتجاتنا؟ هذا ما أطلق عليه التثبيت المكانى لرأس المال لمشاكل تراكم رأس المال.

في القرن التاسع عشر كان هناك العديد من الأماكن التي يمكن انتقال رأس المال إليها. في السبعينيات ضاقت الأماكن. لكن لحسن الحظ انفتحت السوق الصينية، وأصبح من الممكن توجيه جزء كبير من رأس المال إلى الصين. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي في التسعينيات أصبح توجيه الكثير من رأس المال هناك ممكنًا أيضًا. لكن بعدها شهدنا مسارًا مثيرًا للأحداث. بمجرد ما يتحول البلد إلى مركز لتحويل و تراكم فائض رأس المال الذي لم يعد من الممكن استيعابه داخليًا، يبدأ بدوره في تصدير رأس المال، ويمكن تعقب تواريخ حدوث ذلك، لا أتذكرها بالتحديد الآن. بدأت كوريا الجنوبية في تصدير رأس المال بشكل جنوني في أواخر السبعينيات. كما بدأت تايوان في تصدير رأس المال بشكل جنوني في منتصف الثمانينيات، لأنها كانت تعيد إنتاج فائض رأس المال ولم تتمكن من استيعابه داخليًا. وكنتيجة لذلك أصبح هناك مقاولين الباطن من كوريا وتايوان يذهبون إلى الصين، وإلى أمريكا الوسطى، وجنوب أفريقيا، وهناك مارسوا أبشع الطرق في استغلال العمال. معظم ما أنتجوه كان سلعًا تذهب في النهاية كجزء من تدفق السلع الاستهلاكية متعددة الجنسيات إلى الولايات المتحدة.

كيف نتناول هذا الأمر؟، من وجهة نظري، عندما يتدفق فائض رأس المال إلى الخارج يعني ذلك وجود إمبريالية ضمنية. الصين لديها الآن فائض رأسمال يذهب إلى الإكوادور وإلى أنحاء أمريكا اللاتينية، فهناك العديد من الاستثمارات الصينية في أمريكا اللاتينية. كما يوجه قسم كبير من رأس المال الصيني إلى أفريقيا. هل يعني هذا أنها علاقة إمبريالية؟، من الناحية الاقتصادية قد يكون ذلك صحيحًا، لكن ليس من الناحية السياسة والعسكرية. ولذا فالوضع أمامنا معقد. والحقيقة أن هناك سلسلة رائعة من الكتب تحت عنوان “التحول العالمي” للكاتب بيتر ديكن، وأظن أن أول إصدار للكتاب كان في منتصف الثمانينات وتلته خمس طبعات أخرى. إذا اطلعت على الطبعات الستة وسألت نفسك: أين رأس المال اليوم؟، سوف تجد أن هناك تحول تام في توزيع رأس المال. هناك حركة بالتأكيد. فنجد اليوم إنتاجًا في بنجلاديش وفيتنام، حتى رأس المال الصيني يتدفق إلى تايوان وفيتنام، لأن العمالة هناك أرخص من الصين. وهكذا بدأنا نشهد هذه التدفقات. وبصفتي عالم جغرافي كنت أهتم بمتابعة سير هذه التدفقات.

* على ضوء التحليل السابق، كيف ترى اقتصاد الشرق الأوسط، خاصة اقتصاد دول الخليج المنتجة للبترول؟

– المشكلة في الشرق الأوسط هي عائدات البترول بالطبع. ما الذي يمكن فعله بكل هذا الفائض من عائداتك؟، هل يمكن توجيهه إلى التنمية التقليدية؟. لسبب ما تأتي الإجابة بالنفي. ماذا يفعلون إذًا؟، يبنون مدنًا شديدة البذخ مثل دبي، إلخ. ما نراه هو استعياب فائض رأس المال من خلال تطور عمراني مدهش. وفي نفس الوقت تسعى دبي إلى أن تصبح مركزًا ماليًا، مثل شانغهاي، إسطنبول تهدف الى نفس الشيء. الجميع يريد أن يتحول إلى مدينة عالمية. ولتحقيق ذلك يجب أن تضم كل الشركات المالية الكبرى، وتبني فنادق في وسط الصحراء بها حلقات للتزلج. هل هذه طريقة ملائمة لاستخدام الموارد في جزء من العالم يعاني معظم سكانه من تدهور مستوى المعيشة؟!، هذا أمر سخيف، لكنه مستمر. كان هناك رجل يطلعني على صور من الهند لمجمعات ضخمة يعد كل دور بها شقة منفصلة، وكل شقة تحتوي على حمام سباحة بدلًا من شرفة عادية. ترى على ارتفاع 40 طابقًا شققًا بها حمامات سباحة في بقعة من العالم تعاني من نقص المياه، في بلد تحتاج جموع الشعب فيه إلى التنمية الاقتصادية بشدة يوجهون الفائض إلى أمر كهذا. لذا أرى أن كيفية استخدام الفائض في مختلف أنحاء العالم مسألة مثيرة للاهتمام. لم أتتبع الأمر جغرافيًا، لكني ألاحظه أثناء سفري، في ساو باولو مثلًا، وفي سانتياجو في تشيلي هناك مكان يطلقون عليه “مانهاتن الصغيرة” لأنه نسخة من مانهاتن بمبانيها الضخمة، وبالقرب منه تجد أحياء الفقراء. هذه هي رؤيتي الجغرافية للأمر. ومن المهم تتبع هذه التدفقات في جميع أنحاء العالم لتتضح لنا الأمور. كنت أتمنى لو كان لدي فريق كامل يعمل على تتبع ذلك. لكن بعض المؤسسات البحثية في البنوك الكبيرة تقوم بتتبعها طوال الوقت. فهم يبحثون عن مكان يضخون فيه المال، سواء في دول الخليج أو أمريكا اللاتينية أو كازخستان. يبحثون عن مكان ملائم لاستعياب فائض رأس المال. هذه الحسابات يقوم بها خبراء في الجغرافيا في قطاع البنوك.

* هل نجحت تجارب يسار أمريكا اللاتينية التي وصلت للحكم في تقديم مشروع سياسي/اقتصادي مختلف عن الأنظمة الاشتراكية في القرن العشرين؟

– يمكننا القول إنه كانت هناك حركات ثورية حقيقة في أمريكا اللاتينية منذ منتصف التسعينيات استمرت من 10 إلى 15 عامًا. تحدت هذه الحركات قوة النخبة التقليدية، وبدأت إضفاء طابع ديمقراطي على الحكومات، وقد تأثرت بشكل بالغ بحركات السكان الأصليين والمزارعين الذين كثيرًا ما كان يتم إهمالهم. لا يوجد شك أنه كانت هناك حركات كبرى، مثل الحركات الثورية التي أطاحت بالعديد من الحكومات في بوليفيا والإكوادور، وتولي شافيز الحكم في فنزويلا، والتجارب الديمقراطية التي تلتها من خلال حزب العمال في البرازيل، وبشكل ما كيرشنر في الأرجنتين، لكن هذه حالة مقعدة نظرًا لتاريخ البيرونيين الاستثنائي. وكان الهدف الأساسي منها تحويل عملية الوصول إلى السلطة إلى المسار الديمقراطي، كما كان الهدف الثاني التصدي للليبرالية الجديدة. كانت إذًا حركات معارضة لليبرالية الجديدة والنخبة، نتج عنها انتخاب رؤساء شعبويين مثل شافيز فى فنزويلا، وهو حالة فريدة لأنه أول رئيس في أمريكا اللاتينية من أصول عرقية لا تنتمي للنخبة، وتبعه موراليس في بوليفيا الذي ينتمي إلى جماعة آيمارا من السكان الأصليين. لقد حدث تحول هائل بالفعل، فقد شهدت النخبة تحولًا ديمقراطيًا، تم استعياب الفئات الأخرى، وأصبحنا نرى الآن في الإكوادور مسؤولين بالحكومة يرتدون الزي التقليدي للسكان الأصليين، لم يكن ذلك ممكنًا قبل 10 أعوام، لو رأيت شخصًا كهذا في البرلمان وقتها كان من الممكن أن تستدعي الأمن لإطلاق النار عليه. وهكذا تم استعياب المتعلمين في الهياكل الحكومية. ومع هذا الاستعياب خفت نشاط حركات السكان الأصليين أحيانًا، وفي أحيان أخرى انقسمت حركات السكان الأصليين إلى مجموعة تعمل بالحكومة وأخرى ترفض ذلك. لكني أشعر أن الطاقة التي جاءت من هذه الحركات العرقية قد تضاءلت بشكل كبير، ولم يعد هناك حس ثوري كما من قبل.

هل كان هناك نموذج تنمية اقتصادية بديل؟، أظن أن الإجابة لا. فكل هذه البلاد قائمة على استخراج الثروات والمعادن والنفط من الأرض للتصدير، وفي حالة البرازيل لا يقتصر الأمر على المعادن بل يمتد أيضًا إلى الزراعة، فقد تحول معظم بلاد أمريكا اللاتينية إلى مزرعة ضخمة لفول الصويا تخدم التجارة الصينية. أثناء إحدى رحلاتي الكثيرة إلى الأرجنتين منذ 15 عامًا لاحظت محصولًا غريبًا لم أره من قبل، وعندما سألت عنه قالوا هذا فول الصويا، تحولت الزراعة كلها إلى فول الصويا على نحو متطرف. من تلك اللحظة يزدهر اقتصاد الأرجنتين عندما ترتفع سعر فول الصويا وينحدر الاقتصاد مع انخفاض سعره. لذلك أرى أن أسباب فشل هذه الأنظمة في خلق نموذج اقتصادي بديل تعود إلى تأثير الارتباط بالاقتصاد العالمي من ناحية، واستعياب العناصر الثورية في الهياكل الحكومية من ناحية أخرى، بالإضافة إلى عدم القدرة على التخلي عن قدرات الطبقة الرأسمالية واستثماراتها، فحتى شافيز لم يتمكن من مهاجمة سلطة الطبقة الرأسمالية، ورغم تأثر سلطة الطبقة الرأسمالية في الإكوادور بالتعديلات الضريبية وإعادة توزيع الثروات إلخ، لكنها ما تزال متحكمة في الاقتصاد. ينتج عن ذلك نموذج اقتصادي تنموي، فنجد طرق سريعة جديدة في كل مكان والمزيد من السيارات والمجمعات التجارية ومطار جديد، لا يختلف عن أي مكان آخر، فهو مشروع تحديث نموذجي مع بعض عناصر إعادة التوزيع. لا شك أن بلاد مثل الإكوادور وبوليفيا والأرجنتين وفنزويلا، وكذلك البرازيل بدرجة ما، قد شهدت موجة ما يمكن أن نسميه “اشتراكية إعادة التوزيع الثروات”، لكنها لم تتخل عن النموذج التقليدي للتنمية والذي نراه في المجمعات التجارية والأسواق المركزية والسيارات والطرق السريعة. إنه أمر ملهم بلا شك أن نرى خيارات ممكنة في اتجاهات أخرى في ظل هذا النظام العالمي الحالي، قد يستفيد منها قطاع كبير من الشعب. لكن هل هذا نموذج معارض للرأسمالية؟، هو بكل تأكيد غير معارض للرأسمالية.

اعلان
 
 
طارق محمود