Define your generation here. Generation What

هل نعرف تورجو ونيكر وكالون، أم نكتفي بلويس وماري أنطوانيت؟!

في مقال سابق لـ”مدى مصر” كتبت أن التاريخ هو معمل التجربة الإنسانية، لا سيما في مجالي الحكم والسياسة.

و أضيف اليوم أن أغلب المؤرخين وعلماء السياسة والاجتماع يتفقون على أن الثورة الفرنسية – بمقدماتها ومجرياتها ونتائجها – هي أخصب محتويات ذلك المعمل، وأحفلها بالدروس لمن يريد التعلم.

كانت أسباب الثورة الفرنسية كثيرة ومتداخلة، ولكن سببها المباشر كان الأزمة المالية (أو الاقتصادية بالتعبير الحديث)، فقد كانت خزانة الدولة خاوية، وكان اﻹنفاق الحكومي طائشًا. ورعبًا من شبح الإفلاس الماثل، اضطر الملك لويس السادس عشر للاستعانة على التوالي بأكبر خبراء المال والاقتصاد في مملكته ﻹنقاذ الموقف، وهم الثلاثة المذكورون في عنوان المقال، إلا أن الثلاثة فشلوا، لا لنقص في كفايتهم، ولكن لأن الطبقة الحاكمة (أو الدولة العميقة بلغة هذه الأيام) ظلت ترفض بإصرار تحمل نصيبها العادل من ثمن اﻹصلاح الاقتصادي.

كانت الطبقة الحاكمة في فرنسا تتألف من الملك والنبلاء الإقطاعيين، ومعهم الفرسان، ورجال الكنيسة الكبار أو اﻹكليروس، وكان أعضاء هذه المؤسسات الثلاث معفين من دفع جميع أنواع الضرائب، استمرارًا لقوانين وتقاليد العصور الوسطى، في حين أن من يمولون خزانة الدولة بالضرائب هم أعضاء الطبقة الوسطى من المهنيين في المدن والكادحون من مزارعي الريف. بل إن الكنيسة التي كانت تمتلك وحدها ما يقرب من 6% من الأراضي الزراعية في البلاد، كانت تفرض ضريبة “العشور” على رعاياها، بالإضافة طبعًا إلى رسوم الزواج والجنازات والتعميد إلخ، فوق ما كانت تتقاضاه من قيمة تأجير أراضيها للفلاحين عينًا أو نقدًا من المزارعين، وكذلك كان النبلاء الإقطاعيون يفرضون على مزارعي أراضيهم وجيرانهم رسومًا على الصيد في أراضيهم وغاباتهم وبحيراتهم، وعلى عصر النبيذ والزيوت في معاصرهم، إضافة إلى حق الحصول على العمل المجاني في المزارع عديد الأيام في العام، فوق ما يتقاضون أصلًا من هؤلاء المزارعين من قيمة إيجارية للأرض الزراعية.

في مواجهة رأي عام قوي، ألهمه مفكرو التنوير من فولتير حتى مونتيسكيو وروسو، يرفض استبداد وفساد الدولة العميقة، كما يرفض فرض أعباء ضريبية جديدة على الشعب دون النبلاء والإكليروس، دعا الملك مجلس طبقات الأمة إلى الانعقاد، ولم يكن هذا المجلس قد انعقد طيلة مائة عام أو أكثر، إلا أن الدنيا تغيرت، فقد رفض ممثلو الطبقة الثالثة “أي عامة الشعب” المبدأ القديم القاضي باجتماع ممثلي كل طبقة في قاعة منفصلة، وأصروا على اجتماع ممثلي الطبقات الثلاث في قاعة واحدة،كمقدمة إجرائية لإنهاء امتيازات العصور الوسطى لطبقتي النبلاء والإكليروس، ومن ثم إنهاء اﻹعفاء الضريبي لهاتين الطبقتين.

بدورهم، وبقصر نظر معهود من أصحاب الامتيازات الطبقية، رفض رجال الكنيسة وممثلو النبلاء الإقطاعيين الجلوس مع ممثلي الطبقة الثالثة، أو العامة، في قاعة واحدة، وكان هذا الرفض خطوة إجرائية ضرورية للاستمساك بالامتيازات القديمة، وأهمها الإعفاء من الضرائب.

ردًا على هذا العناد في مقاومة متغيرات العصر قرر ممثلو الطبقة الثالثة إعلان أنفسهم جمعية وطنية منتخبة (أي برلمانية) للشعب الفرنسي، ونفي صفة التمثيل البرلماني عن ممثلي الطبقتين الأخريين، مما جعل الملك، كرأس للدولة العميقة، يقرر فضَّ اجتماعات مجلس طبقات الأمة، وهو ما لم يستجب له أعضاء الجمعية الوطنية “الجديدة”، فأمر الملك الجيش بفض اجتماع الجمعية بالقوة، وهنا بدأت الثورة.

صحيح أن “لو” تفتح عمل الشيطان في الماضي، ولكن “لو” هذه هي نفسها التي تغلق عمل الشيطان في المستقبل، إذا استخلصنا الدرس الصحيح من أخطاء الماضي. وعليه، فلو أن الدولة العميقة في فرنسا الملكية استجابت لنصائح تورجو ونيكر وكالون، وشاركت في تحمل العبء الضريبي، وتخلت عن فسادها وإسرافها الماليين، ما كانت الثورة لتندلع، ولسارت البلاد في طريق التطور الديمقراطي السلمي المتدرج، كما جرى الحال في جارتها البريطانية عبر المانش، ولو كان الملك وممثلو النبلاء والإكليروس فهموا أن الدنيا تغيرت، وأن ما كان صالحًا للعصور الوسطى لم يعد يصلح للعصر الحديث عندما رأوا ممثلي العامة أصبحوا قادرين على قول “لا”، ومستعدين لتحمل تبعاتها، لما كانت الثورة قد اجتاحتهم جماعات وأفرادًا، ورقابًا وممتلكات.

***

ما الذي دفعني الآن لدعوة المصريين إلى تذكر تورجو ونيكر وكالون، مثلما يتذكرون بالتأكيد لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطونيت، خاصة ما نسب إلى اﻷخيرة من تساؤلها لماذا لا يأكل الثائرون من جياع باريس “الجاتوه” ما داموا لا يجدون الخبز؟

في ظني أن المصريين، من بين كل شعوب الأرض، يجب أن يتذكروا وزراء لويس السادس عشر الثلاثة هؤلاء في كل يوم، لأنهم، أي المصريين وحكوماتهم، يدورون حول أنفسهم منذ اثنين وأربعين عامًا ( أي منذ عام 1974) بحثًا عن دواء شاف لاقتصادهم المتهالك بكل آثاره الاجتماعية والثقافية والتعليمية والصحية المدمرة.

و قد اخترت عام 1974 ليكون عام البداية، لأنه العام الذي بدأت فيه سياسة الانفتاح الاقتصادي، والذي وُعدنا من خلاله- وبعد انتهاء عصر الحروب- بأنهار اللبن والعسل، والمصانع الدوارة، والطاقات الفوارة، والمزارع النوارة، وهو أيضًا العام الذي دخل فيه مصطلح “المجموعات الاقتصادية الوزارية” حياتنا السياسية.

ليس معنى ذلك أن ما قبل عام 1974 كان كله سخاء رخاء، لكن السياق العام في البلاد قبل ذلك العام كان مختلفًا كلية، فقد سيطر اقتصاد الحرب على السنوات الممتدة ما بين هزيمة 1967 وانتصار أكتوبر 1973، وقبلها وفي أثناءها كانت الدولة تتبع ما يُسمى بـ”اقتصاد التخطيط المركزي”، اعتمادًا على القطاع العام، حيث الدولة هي المستثمر الأكبر والصانع الأكبر، وكذلك التاجر الأكبر.

تعالوا نحصي معًا عدد المجموعات الاقتصادية الوزارية التي حاولت انتشال الاقتصاد المصري من القاع السحيق، منذ ذلك العام الذي نبدأ حديثنا منه.

كانت البداية مع حكومة الدكتور عبد العزيز حجازي الذي جاء بأساطين أساتذة الاقتصاد من الجامعات المصرية، ثم تلته مجموعة الدكتور عبد المنعم القيسوني في حكومة ممدوح سالم الذي اندلعت في عهده مظاهرات الطعام في يناير 1977، بعدها جاءت مجموعة حكومة مصطفى خليل، وكان الدكتور علي لطفي وزير المالية فيها، ثم تلته مجموعة الدكتور عبد الرزاق عبد المجيد في حكومة رأسها الرئيس أنور السادات نفسه، وناب عنه في رئاستها الدكتور فؤاد محي الدين، ثم مجموعة حكومة كمال حسن علي، وكان نجمها الدكتور مصطفى السعيد قبل أن ينقلب عليه رئيس الوزراء نفسه، ثم جاء الدور على الدكتور علي لطفي نفسه ليرأس الحكومة هذه المرة، ومعه مجموعة اقتصادية وزارية جديدة، ليطاح به بعد عام واحد، وتأتي حكومة عاطف صدقي بمجموعتين اقتصاديتين متواليتين، ثم تقاعد الرجل وأتت حكومة الدكتور كمال الجنزوري (وزير التخطيط في حكومة صدقي) بمجموعته الوزارية الاقتصادية، وأطيح به ليحل محله الدكتور عاطف عبيد، بفريق آخر، سرعان ما أخلى مكانه لحكومة أحمد نظيف بفريقه الذي أُطلق عليه اسم “فريق الفكر الجديد”، بنجومه يوسف بطرس غالي ورشيد محمد رشيد ومحمود محي الدين إلخ، حتى قيام ثورة يناير 2011، ثم توالى تشكيل وسقوط الحكومات ومجموعاتها الاقتصادية الوزارية لدرجة تستعصي على التذكر رغم قرب العهد بها، ويقترب عددها من ست حكومات، وبالتالي ست مجموعات وزارية اقتصادية أو تزيد.

نحن نتكلم إذن عن قرابة عشرين مجموعة وزارية اقتصادية في حوالي 42 عامًا، أي بمعدل سنتين تقريبًا لكل مجموعة، وهناك مجموعات لم تكمل العامين، بل ربما لم يكمل بعضها العام الواحد مثل مجموعة الدكتور حازم الببلاوي والدكتور زياد بهاء الدين في أعقاب الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين. لكن كل هذه المجموعات، بكل من انضم إليها من رجال ذوي خبرة وضمائر، أو من رجال أقل خبرة (أو أسوأ سمعة أحيانًا) فشلت في تحقيق اﻹنقاذ الاقتصادي، مع الاعتراف بتفاوت نسب الفشل، ما بين انعدام النمو إلى تحقيق نمو مشوه، وما بين توافر ظروف دولية تتيح إسقاط الديون الخارجية على مصر، وظروف دولية أخرى غير مواتية. لكن تبقى الخلاصة النهائية صحيحة، وهي أن مريضنا، أي الاقتصاد المصري، حار فيه الأطباء، وفشلت معه كل الوصفات. فلماذا؟هذا هو السؤال الذي يجعل تذكر تورجو ونيكر وكالون ولويس السادس عشر وماري انطوانيت فرض عين على كل مصري، مواطنًا كان أو مسئولًا.

الإجابة على “لماذا” هذه، لا تحتاج سوى العودة للبديهيات، التي من أهمها في موضوعنا كون الاسم اﻷصلي والصحيح لعلم الاقتصاد هو “الاقتصاد السياسي”، ومعنى ذلك أن القرار السياسي إما أن يكون الداء، وإما أن يكون الدواء ،فما الذي كان بوسع الدكتور عبد العزيز حجازي مثلًا أن يفعله ليجعل الانفتاح الاقتصادي إنتاجيًا(وليس استهلاكيًا كما حدث)، إذا كان القرار السياسي الذي لم يكن حجازي ولا أي رئيس وزراء بعده يملكه، يساند الانفتاح الاستهلاكي، فإذا أبدى الرجل استياءه فما أسهل أن يطاح به، وتُشوَّه سمعته، وهو أصلا قد جاء إلى منصبه بالإرادة المنفردة لرئيس الدولة، ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الرئيس، وما كان منتصرًا. بمعنى أنه لم يكن له حزب سياسي بأغلبية برلمانية تمنع الإطاحة به.

وما الذي كان يمكن أن يفعله علي لطفي، وهو وزير للمالية أو رئيس للوزراء، إذا كان قد مُنع بقرار سياسي من تطبيق خططه لضغط وترشيد الإنفاق العام، وزيادة موارد الدولة على مؤسسات بعينها، مثلما منع تورجو ونيكر وكالون من فرض إصلاحاتهم على المؤسسة الملكية والنبلاء والإكليروس في فرنسا.

أمامي مجموعة أرقام تثبت أن لدينا الآن في مصر من يشبهون الدولة العميقة في فرنسا قبل ثورتها الكبرى، ممن يتطلب إنقاذ الاقتصاد القومي إخضاعهم لضروراته العادلة، حتى في ظروف الرخاء، وليس فقط في ظروف أزمة طاحنة كالتي نمر بها. هذه الأرقام كلها من خلاصة دراسات المنتدى الوطني الذي عُقد بنقابة التجاريين في مارس الماضي، وهي لا تحتاج إلا إلى القرار السياسي، فالدولة تستطيع فورًا الحصول على إيرادات تصل إلى أكثر من مائة مليار جنيه موزعة على النحو التالي:

– 50 مليار جنيه فروق أسعار الأراضي المخصصة بأقل من أسعارها.

– 20 مليار جنيه من أموال الصناديق الخاصة.

– 15 مليار جنيه من دعم الطاقة والصادرات.

– 15 مليار جنيه من الاحتياطات العامة ومصروفات المستشارين.

– 10 مليار جنيه من الضرائب التصاعدية.

وهذه الأرقام لا تشمل بالطبع فروق أسعار الشركات والمصانع التي بيعت بأقل من أسعارها الحقيقية بعشرات المرات فيما سُمي بـ”برنامج الخصخصة”، كما أنها لا تشمل كل أموال الصناديق الخاصة، ولا تشمل الاستثناءات الممنوحة (عُرفًا لا قانونًا) للمؤسسات القوية في تكلفة استخداماتها من الكهرباء والمياه، والمستحق عليها من الضرائب والجمارك والتأمينات إلخ، وهذه الأرقام لا تشمل أيضا وفورات مكافحة الفساد في سائر أشكاله التي لم نذكر منها سوى فروق أسعار الأراضي وفساد الخصخصة، ثم وهذا هو الأهم، لا تشمل هذه الأرقام ما كان يمكن تجنبه من هدر فادح للموارد بسبب القرارات السياسية الفردية الطائشة مثل حربي اليمن و1967، والمناطق الحرة وتوشكى وفوسفات أبو طرطور، وحديد أسوان وتفريعة القناة الأخيرة.

وتقترح دراسة المنتدى الوطني أيضًا برنامجًا معتدلًا جدًا لترشيد الاستيراد، فتقول إن خفض المستوردات، من الثلاجات وأجهزة التليفزيون والملابس الجاهزة والحاسبات والمولدات والمحركات والهاتف المحمول، إلى النصف لمدة عام واحد فقط، يوفر ما يقرب من عشرة مليارات جنيهًا، وبالطبع فهذه كلها سلع يمكن الاستغناء عنها لمدة عام أو أكثر.

لم تكن هذه إلا إحدى الوصفات، إذ أن هناك وصفات أخرى ربما أكون أكثر ميلًا إليها بصفة شخصية، مثل ضريبة الثروة لمدة عشر سنوات على كل من تزيد ثرواتهم عن مائة مليون جنيه، ومثل شمول الموازنة العامة للدولة، ومن ثم الرقابة البرلمانية والشعبية على كل جنيه يدخل ويخرج. لكني اخترت التركيز على دراسة المنتدى الوطني المشار إليها، لأنها ليست ذات نزعة راديكالية، وبالتالي لا يستطيع أحد اتهامها بمعاداة رجال الأعمال الذين يرهبون كل من يتفوه بمطلب الضرائب التصاعدية، كما أن هذه الدراسة لم تتطرق إلى اقتصاديات ما يُسمَّى بالجهات السيادية، ومن ثم فلا يسهل اتهام القائمين عليها بأنهم يريدون هدم الدولة، مع أنها تهمة باطلة يراد بها باطل، هو الاحتفاظ بالنصيب غير العادل للدولة العميقة من الثروة والسلطة، ومع أن ما هدم دولة لويس السادس عشر لم يكن مقترحات تورجو ونيكر وكالون، وإنما من قاوموا وأحبطوا هذه الإصلاحات هم من هدموا الدولة، وهدموا معها كل صروح العصور الوسطى، ففتحوا الطريق (دون قصد بالطبع) أمام تدفق أنوار الحرية والإخاء والمساواة على العالم كله. ولكنه كان طريقًا طويلًا ومليئًا بالدمار والدماء.

وقى الأرضَ شر مقاديره لطيفُ السماء ورحمانُها.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد