Define your generation here. Generation What

“قناة السويس الجديدة” ليس فيها فيل

بصراحة، لم أكن أنتوي الكتابة مرة أخرى عن مشروع قناة السويس الجديدة، والعودة لنغمة هل هي قناة مكتملة النمو واطراف أم تفريعة (وهي لو تعلمون أصبحت كلمة قبيحة في معجم مصطلحات التخوين الوطني الذي دشنه إعلام النظام)، وذلك لأن الموضوع أصبح مثل مشهد عبد المنعم إبراهيم مع توفيق الدقن حين يقول اخير: “العلبة دي فيها فيل”.

ولكني كنت خصصت بضعة ساعات في العام الماضي محاولًا فهم جدوى مشروع القناة الجديدة من واقع خبرتي المتواضعة في تحليل البيانات والمعلومات، وكتبت مقالًا موثقًا بالمراجع والأرقام والنماذج الرياضية بعنوان “ديمقراطية قناة السويس“.

كان ناتج الدراسة أن توقعات الفريق مميش بوصول العائدات في 2023 إلى 13.3 مليار دولار لا تستند لأي أساس علمي أو معلوماتي، وأن المحدد الرئيسي هو معدل نمو حركة الملاحة العالمية، سواء حُفرت التفريعة أم لم تُحفر، وأن أقصى ما قد نصل إليه هو 8.1 مليار دولار، سواء بالتفريعة أو من غيرها، لأن هذا أقصى نمو متوقَّع لحركة الملاحة العالمية في 2023 تبعًا للتقارير الدولية.

ورغم الإرهاب الإعلامي الذي يمارسه النظام والرئيس، ضد كل من تسول له نفسه انتقاد هذا المشروع، بالاتهامات بالتخوين والرغبة في تدمير مصر، أو كما قال الرئيس بالحرف “محاولة لهزيمة الإرادة”، أو الاتهام الطريف الآخر الذي ألقى به أسامة كمال ضد شخص ما انتقد جدوى هذا المشروع: “كان يريد حتة من التورتة وماخدهاش”، رغم كل هذا كان بيان مميش (مع حفظ الألقاب في هذا المقال) غنيًا بالمعلومات والأرقام التي فتحت شهيتي لتحليلها، من واقع قراءاتي الشخصية في هذا الموضوع. لن أتطرق لما قاله الرئيس سابقًا من كون القناة “جابت تكلفتها”، أو قوله مؤخرًا بإن المشروع ستظهر نتائجه في 2020/2021 حسب الدراسات التي أُجريت عنه (ثم صححها مميش، للدقة، بالعام 2023!)

هذه الدراسات لم يشاهدها أو يسمع عنها أحد، ويبدو أنها اندرجت ضمن “امن القومي”، على غرار كون “البرنامج الانتخابي أمن قومي”، مثلما قال المتحدث الرسمي باسم الحملة بعد تنصيب الرئيس بشهور!

قال مميش إن عائدات قناة السويس ارتفعت بنسبة 4%، رغم انخفاض قيمة التجارة العالمية بنسبة 14%، وهذا لعدة أسباب، أهمها امتلاك قناة السويس الجديدة (على حد قوله). يعني بالبلدي: العائد كان ممكن ينخفض بنسبة 14% لولا وجود قناة السويس الجديدة التي أنقذتنا من هذا الانخفاض، وربنا سلّم!

قبل تحليل هذا الكلام الكبير أود الإشارة للآتي:

– في مطلع عام 2016 أعلنت هيئة قناة السويس زيادة العائد بالجنيه المصري، ولم تتطرق للعائد بالدولار، مع زيادة سعر اخير، في استخفاف واضح بالعقول. هكذا انطمس الفرق بين عائدات التشغيل وعائدات فرق سعر الصرف Forex gains versus operational gains. ثم انكشف بعدها انخفاض العائد بالدولار في 2015 مقارنة بـ2014، فلم تفلح هذه الخدعة.

– لأول مرة قررت هيئة قناة السويس، ولسبب غير واضح وغير مفهوم، عدم نشر العائد بالدولار، خلافًا لما كان متبعًا لأكثر من عشرة أعوام، ويمكن للقارئ التحقق من ذلك على الموقع (ويا ريت حد يوضح السبب من الهيئة).

– كانت العائدات تُنشر بصفة منتظمة شهريًا وبشفافية في السنوات الماضية، ثم تغير الأمر بعد الإعلان عن قناة السويس الجديدة في أغسطس 2015. نحن ان مثلًا في شهر أغسطس، بينما لم تُحدَّث البيانات على الموقع منذ مارس 2016.

– قارن هذا الكلام بعدم الإعلان عن منسوب السد العالي لسبب مجهول منذ أغسطس 2014، بعد أن كان يُعلن عنه بصفة دورية (هكذا تدار مصر وبهذه العقلية).

نعود إلى كلام مميش:

– مغزى البيان هو محاولة حثيثة لتأكيد معجزة قناة السويس الاقتصادية، التي أنقذنا حفرها من انخفاض ملحوظ في العائدات. اختار مميش فترة محاسبية تقع بين أول يناير إلى نهاية يوليو من كل عام، كمقياس للمقارنة بالأعوام السابقة. وتُظهر الفترة المحاسبية التي اختارها بالفعل نموًا قدره 4% في 2016 مقارنة بـ 2015، ولكن يلاحظ أن عائدات 2016 كانت هي نفسها في أعوام 2014 و2008 مثلًا، قبل حفر التفريعة أساسًا، وهذا من واقع البيانات التي أعلنها، كما هو موضح هنا في الشكل 1 في العمود الأخضر:

عائدات قناة السويس من يناير ليونيو 2016عائدات قناة السويس من يناير ليونيو 2016

– ورغم اختيار مميش ومركز المعلومات ودعم قرار الرئيس لهذه الفترة لإثبات زيادة العائدات، فمن الطبيعي والمنطقي أن تكون فترة المحاسبة عامًا كاملًا منذ الإعلان عن تدشين القناة الجديدة. بمعنى أن تمتد الفترة المحاسبية من أغسطس لنهاية يوليو في العام المقبل، لكي يكون الحكم على العائدات أكثر دقة وموضوعية. بالبلدي، نعطي عامًا كاملًا جراء مقارنة صحيحة، لكي نعطي القناة الجديدة أكبر فترة محاسبية ممكنة، وهذا ما فعلتُه في الشكل رقم 2، من واقع بيانات الهيئة وبيانات مميش في 2016:

عائدات قناة السويس على طول عام كاملعائدات قناة السويس على طول عام كامل

– العمود الأحمر 2015/2016 يمثّل ما بعد حفر التفريعة (عامًا محاسبيًا كاملًا) وبقية الأعمدة قبل حفر التفريعة. ويتضح من هذا الرسم البياني انخفاض -وليس زيادة- العائد بالدولار بنسبة 2%، مقارنة بعام 2014/2015 بدون تفريعة، واقتراب العائدات لعائدات 2012/2013 و 2008/2009 بدون حفر التفريعة أيضًا!

– كانت الأمانة العلمية (والوطنية) تقتضي أن ينشر مميش هذه البيانات أيضًا!

– أعود إلى نقطة أخرى، عن الإعجاز الاقتصادي الذي أشار اليه مميش، والكامن في الزيادة المعلنة بنسبة 4%، رغم انخفاض قيمة التجارة العالمية التي انخفضت فعلًا بنسبة 14%، قائلًا إنه لولا وجود التفريعة لانخفضت العائدات بهذه النسبة أيضًا. لا أدري من أشار على مميش بهذا الكلام، الذي لن أصفه تأدبًا، ولكن يبدو أن مركز معلومات ودعم قرارات الرئيس هو من وراءه! فهناك فرق بين حركة التجارة العالمية وحركة الملاحة العالمية World trade versus seaborne(maritime) trade, والنمو في حركة الملاحة العالمية هو المؤشر الرئيسي الذي تجب مضاهاته بنمو العائدات في قناة السويس Primary indicator versus secondary indicator.

– النقطة الأخرى هي أن نمو “قيمة” التجارة العالمية يختلف عن نمو “حجم” التجارة العالمية. فقد انخفضت القيمة الدولارية تبعًا لتقرير منظمة التجارة العالمية WTF بالفعل بنسبة 13%، لأسباب كثيرة منها تذبذب أسعار الصرف وأسواق المال والسلع الأساسية وتباطؤ النمو الاقتصادي في الصين. ولكن رغم ذلك، فهناك نمو في حجم التجارة العالمية يصل إلى 2.8%. هناك تباطؤ لكن لا يزال هناك نمو. والأهم من ذلك العامل المباشر، وهو نمو حركة الملاحة العالمية بنسبة 2%، وهو المؤشر الرئيسي الذي كان يجب أن يضعه مميش في الحسبان، وليس العامل الثانوي الذي لا تأثير مباشر له على عائدات قناة السويس. بمعنى أن مميش استدل بمؤشر ثانوي، وليس بالمؤشرات المباشرة الرئيسية، لغرض معين. ورغم ذلك فقد انخفضت العائدات بالفعل كما أوضحت بنسبة 2% بعد حفر قناة السويس الجديدة!

حقيقة، لا أدري إذا كان كل ذلك عن جهل أم عمد، فمثلما أن هناك ترزية للقوانين هناك ترزية أرقام “يقيّفونها” لغرض محدد، ولكن هناك أمانة علمية ومهنية ووطنية أكبر من إرضاء الرئيس ومن تحويل أحلام سعادته لأوامر.

بصراحة، الواحد زهق من الكلام، وإذا استمرت السلطة على هذا النهج من التطبيل والتلميع وطمس المعلومات وليّ الحقائق وتخوين الآخرين، فلا أدرى إلى أين سنصل. لا يلتفت هؤلاء لكوننا لا نملك وطنًا آخر نعيش فيه، وأن الفشل سيصيب الجميع في حياتهم ورزقهم ومعيشتهم واستقرارهم.

اعلان
 
 
حازم عبد العظيم