Define your generation here. Generation What
من الأطباء للحكومة: “بدل العدوى”.. نفذوا حكم القضاء
 
 

في الخامس من نوفمبر الماضي توفيت الدكتورة داليا محرز، الممارس العام بوحدة الشيخ زايد الصحية بالإسماعيلية، بعد إصابتها بعدوى الالتهاب السحائي قبل الوفاة بحوالي 10 أيام. وفقا لزوجها، المهندس هشام محمد سعيد، ذهبت داليا في عيادة متنقلة بضواحي المدينة، وبعد عودتها شعرت بتعب، ما استدعى نقلها إلى المستشفى، ونتيجة تشخيص خاطئ لحالتها بحالة نفسية وعصبية، كُتب لها خروج تحت ملاحظة زوجها، قبل أن يشتد عليها المرض مجددًا، فينقلها زوجها إلى مستشفى الإسماعيلية الجامعي بعد يومين، حيث بقت هناك أسبوعًا قبل وفاتها. لم ينته الأمر عند تلك الفاجعة، حيث خسر الزوج أيضًا ابنه الوحيد أحمد، ذو العام ونصف العام، الذي ضمته جدته لوالدته إلى حضانتها بحكم القانون بعد خلافات نشبت بينهما عقب الوفاة.

بعد أيام قليلة من وفاة داليا، أصدرت محكمة القضاء الإداري، في 28 نوفمبر 2015، حكمًا لصالح نقابة الأطباء بالحق في صرف بدل عدوى ألف جنيه للطبيب، ورفضت المحكمة الاستشكال المقدم من الحكومة لوقف تنفيذ الحكم، فأصبح الحكم واجب النفاذ، إلا أنه لم يجد من ينفذه، فأرسلت النقابة إنذارين إلى وزارة الصحة ومجلس الوزراء، لكن أيًا منهما لم يستجب، فخاطبت رئاسة الجمهورية في يوليو الماضي لإصدار التعليمات اللازمة للحكومة لتنفيذ الحكم، لكن دون جدوى، ما دفع النقابة إلى إطلاق حملة “نفذوا بدل العدوى”.

بدأت الحملة بطلب مشاركة جميع أطباء مصر من خلال دعوتهم لاستبيان عام في جميع المستشفيات، لتحديد الخطوات اللازمة التي يرون اتخاذها لإجبار الحكومة على تنفيذ الحكم. من أبرز المقترحات التي طرحها الأطباء: المشاركة في حملة إعلامية واسعة، ومخاطبة الجهات المسئولة عبر فاكسات أو زيارات رسمية، وتنظيم وقفات احتجاجية بالمستشفيات أو بالنقابات الفرعية والنقابة العامة، أو الإضراب الرمزي أو الجزئي عن العمل بشكل متكرر، كما تضمنت الحملة تقدم النائبة آمال رزق ببيان عاجل لرئيس مجلس النواب لاستجواب كل من رئيس الوزراء ووزير الصحة لتجاهلهما تنفيذ الحكم بالمخالفة للمادة 123 من قانون العقوبات، والتي تعاقب بالحبس والعزل لكل موظف حكومي يمتنع عن تنفيذ حكم قضائي بعد إنذاره، مشيرة في بيانها إلى أن بدل العدوى في مصر يتراوح ما بين 18 و30 جنيه، بينما يصل في بلدان أخرى إلى ألف دولار شهريًا.

عدم اكتراث الحكومة لتنفيذ الحكم وتفعيل سياسات تتعلق بصحة عشرات الآلاف من الأطباء، ومئات آلاف أخرى من أسرهم، ربما يفسر الإهمال الذي لاقته الدكتورة داليا في رحلة علاجها من العدوى حتى الوفاة كما يروي زوجها لـ “مدى مصر”.

“طول فترة العلاج ما حدش سأل فينا، ولو مكانش التشخيص في الأول غلط كان ممكن يكون في فرصة للعلاج”، يقول الزوج إنه فقط بعد وفاة زوجته اهتم الجميع، فهو كان مشغولًا مع زوجته، بينما إدارة الوحدة الصحية التي كانت تعمل بها لم تقدم أي دعم. ويضيف أن النقابة قدمت له لاحقًا دعم عبر دفع تعويض بلغ عشرين ألف جنيه، والضغط ومساعدته في إنهاء أوراق “الوفاة نتيجة إصابة عمل” بوزارة الصحة، والتي لم تنته حتى الآن، وذلك لصرف معاش شهري لأسرة الطبيبة المتوفاة، بالإضافة إلى تكاليف علاجها التي تكفلت بها الأسرة.

يُحمل سعيد مسئولية وفاة زوجته لوزارة الصحة، لـ “غياب أي وسائل لحماية الأطباء من التقاط العدوى من المرضى”، وهو بالتالي يدعم أي محاولات لمنع تكرار الأمر، خاصة لو كان الطبيب هو عائل الأسرة، فتكون الخسارة مضاعفة بغياب أي مصدر للدخل بسبب عدم اعتبار الوفاة ناتجة عن إصابة عمل.

تحت عنوان “العدوى مستمرة في الفتك بالأطباء دون حماية حقيقية”، نعت نقابة الأطباء وفاة الطبيبة الشابة، مؤكدة على غياب أي وسائل حقيقية تضمن مكافحة العدوى بالمستشفيات. وطالبت النقابة بصرف تعويض ومعاش استئنائي لضحايا العدوى، والاعتراف بأنها إصابة عمل، ورفع بدل العدوى. ونظمت النقابة لاحقًا عدة وقفات احتجاجية إثر الحادث خلال نوفمبر الماضي، من ضمنها وقفة أمام مجلس الدولة في نفس يوم صدور الحكم برفع بدل العدوى.

تشير الدكتورة منى مينا، وكيل نقابة الأطباء، إلى أن مطلب رفع بدل العدوي قديم، وأن الدعوى رُفعت في 2014، وأن الحكم واجب النفاذ من أول درجة في القضاء الإداري، ولكن الأمر لا يخص البدل فقط، بل يطالبون أيضًا بإجراءات حماية حقيقية. فالعدوى، حسب مينا، هي أحد مخاطر العمل في مهنة الطب في كل بلدان العالم، وهي واردة حتى في أكثر الدول التزامًا بإجراءات المكافحة.

وتصف مينا الوضع في مصر بأنه “سيئ نتيجة غياب الثقافة، وعجز الإمكانات، وانعدام الدقة من المرضى والأطباء، ورغم المطالبة بتحسينه سيظل خطرًا على الطبيب وعلى أسرته، حيث أن أطفال الأطباء أيضًا معرضون لالتقاط عدوى أمراض الجهاز التنفسي. من ناحية أخرى لا توجد مبالغ مالية تعوض أسرة الطبيب في حال وفاته، ولا يوجد إلزام لجهة العمل للتكفل بمصاريف العلاج، ولا يتم اعتبار الإصابة إصابة عدوى، تقدم النقابة بعض الدعم، لكنه يبقى ضعيفًا حسبما تقول مينا، والتأمين الصحي عاجز”.

لم تكن وفاة الدكتورة داليا محرز نتيجة العدوى أثناء العمل، الحالة الوحيدة، فقد رصدت النقابة حوالي ست حالات وفاة لأطباء نتيجة العدوى خلال الفترة ما بين ديسمبر 2013، ومارس 2016 .

في مارس الماضي توفى الدكتور محمد ياسين، طبيب النساء والتوليد بمستشفى سيد جلال الجامعى بالقاهرة، بعد تعرضه لفشل تنفسي حاد نتيجة عدوى تنفسية. وقبل وفاة “ياسين” بحوالي عامين توفى أربعة أطباء في شهر واحد نتيجة العدوى التنفسية (الالتهاب الرئوي الحاد)، وهم: أحمد عبد اللطيف، طبيب بالعناية المركزة في مستشفى بنها، وياسر البربري، الطبيب بمستشفى القناطر بالقليوبية، ودعاء إسماعيل، الطبيبة بالمديرية الصحية بمحافظة الدقهلية، وأسامة راشد، طبيب النساء والتوليد بمستشفى المنصورة الجامعي، بينما أصيب طبيبان آخران بنفس العدوى ونجيا من الموت بعد فترة من العلاج، هما أمير نصحي، وأحمد الشوادفي.

يروى “الشوادفي”، الذي يعمل الآن أخصائي أمراض القلب بمستشفى الأحرار التعليمي بالزقازيق، لـ “مدى مصر” ما أصابه نتيجة العدوى، والآثار الجانبية لإصابته، التي ترافقه حتى الآن. يقول إنه قبل أكثر من عامين ونصف، وتحديدًا في نهاية عام 2013، تم انتدابه إلى مستشفى ناءٍ بوادي النطرون ليتمكن من الترقي من درجة نائب إلى أخصائي. بعد حوالي شهر ونصف من عمله بالمستشفى، وبعد يومين من إنهائه الوردية الأخيرة في أحد أيام شهر يناير 2014، شعر بأعراض البرد، لكن جسده لم يستجب للأدوية المعتادة، وأصيب بضيق حاد في التنفس، الأمر الذي جعله يذهب إلى مستشفى خاص بالزقازيق. وهناك اتضح له أنه أصيب بالتهاب رئوي حاد نتيجة عدوى تنفسية، فانتقل إليه فيروس إنفلونزا الخنازير أثناء فحصه أحد المرضى.

كانت حياة “الشوادفي” في خطر، ما تطلب نقله إلى وحدة العناية المركزة “شريف مختار” بمستشفى قصر العيني بالقاهرة، حيث ظل بها في غيبوبة لمدة 45 يومًا، يحيا بفضل جهازي التنفس الصناعي و”إيكمو” لعلاج الالتهاب الرئوي الحاد، والذي لم يكن متوفرًا، حسب قوله، إلا في قصر العيني. رغم ذلك، يعتبر “الشوادفي” نفسه محظوظًا، فأثناء تواجده بالمستشفى الخاص بالزقازيق، كان هناك أحد المسئولين بوزارة الصحة، ساعده في الانتقال إلى القاهرة، وساعد في تحمل الوزارة تكاليف العلاج. يقول “الشوادفي”: “تكلفة علاج الـ 45 يومًا في وحدة شريف مختار حوالي 200 ألف جنيه، ده غير اللي أسرتي دفعته، واللي بلغ حوالي 100 ألف جنيه، لشراء مضادات حيوية وأكياس دم، وعمل تحاليل مش متوفرة في المستشفى”.

تدخلت نقابة الأطباء أيضًا لتسريع إجراءات خصم جزء من العلاج من التأمين الصحي للشوادفي، ثم تدخلت لاحقًا بدفغ مبلغ 8 آلاف جنيه، حين اضطر لاحقًا، بسبب بقائه وقتًا طويلًا على جهاز تنفس صناعي، لإجراء جراحة توسيع القصبة الهوائية في إحدى المستشفيات العسكرية على يد طبيب أجنبي، الجراحة التي كلفته 40 ألف جنيه. ولا يزال حتى الآن يعاني من مشكلات في التنفس نتيجة هذه العدوى.  يقول: “في دكاترة زمايلي توفوا بنفس العدوى، وفي نجوا بس قعدوا في البيت مش قادرين يشتغلوا بسبب حالتهم الصحية”.

يرى “الشوادفي” في رفع بدل العدوى “حفظًا لبعض من كرامة الأطباء”، لكن حل مشكلة العدوى بالنسبة له قد يكون في إنشاء مستشفى خاص للأطباء، والتي قد تتوفر تكاليف إنشائها وتجهيزها عبر دمغات تدفعها المستشفيات الخاصة للنقابة، وقد يكون الحل أيضًا في تأمين صحي شامل للأطباء، خاصة وأن رواتب الأطباء منخفضة للغاية، لن تكفي علاج أي مرض خاصة لو مزمن، فهو شخصيًا حين اضطر للمكوث في المنزل أربعة أشهر، كان يدفع نصف راتبه للأدوية.

رغم أن هناك إدارة لمكافحة العدوى بوزارة الصحة، إلا أن “الشوادفي” يشير إلى أنها “غير فعالة”، وإجراءات مكافحة العدوى غير مفعلة، كما أن الأطقم الطبية بالمستشفيات ليس لديها دراية أو خبرة بوسائل الحماية من العدوى. من ناحية أخرى، فإن ميزانية الصحة المنخفضة للغاية لا تسمح مثلًا لإدارات المستشفيات الحكومية بتوفير أدنى وسائل الحماية للأطباء، كالكمامات الجيدة، التي قد تكلف خمسة جنيهات للواحدة، ويحتاجها الطبيب أثناء كل كشف، فبسبب غياب الموارد تكون الأولوية للمرضى غير القادرين، يقول: “إذا مش قادرين نوفر أدوية للمرضى، هتكون الكمامات وغيرها رفاهية”. ويعتبر الشوادفي أن الأطباء في المستشفيات الحكومية “فئة مهملة”، لأن المريض في المستشفى الحكومي لا قيمة له لدى الدولة، وبالتالي طبيبه أيضًا بلا قيمة.

فيما يرى الدكتور أحمد ممدوح، طبيب الامتياز بمستشفى قصر العيني، أن بدل العدوى لن يحمي من الإصابة ولن يكفي لعلاج أمراض خطيرة مثل التهاب الكبد الوبائي، ولكنه سيمكن الطبيب من اتباع وسائل الوقاية، أو تقوية مناعته، أو عمل فحص طبي دوري لضمان كونه خالٍ من الأمراض، أو شراء وسائل تعقيم على حسابه كالكمامات والقفازات الطبية، لأنها ليست متوفرة في المستشفيات، فالوضع في المستشفيات “مزري للغاية”، كعدم توفر وسائل النظافة الأساسية بغرف العمليات من جيل وكحول ومطهرات، أو عدم توفر صابون أو مياه في كثير من الأوقات، بل وتسرق المواد المعقمة في بعض الأحيان لبيعها خارج المستشفى، على حد قوله.

يُحمل ممدوح الأطباء بعض المسئولية لعدم مطالبتهم بحقوقهم، ولعدم وعيهم بمخاطر العدوى، ولكن المسئولية الأكبر يُحملها للمستشفى التي لا تطبق سياسات مكافحة العدوى، ولا تطالب بحقوق العاملين بها، ولا تُخضع العاملين بها لفحص طبي دوري. ويُحمل المسئولية أيضا للفساد الذي يجعل أموال المستشفيات تُسرق، كما أن وزارة الصحة لا تطالب برفع ميزانية الصحة، ولا تراقب أو تشرف على حماية الأطباء.

بينما يرى الدكتور محمد حسن، أخصائي الجهاز الهضمي والكبد والمناظير بمستشفى منشية البكري، أن جزء من خطر العدوى يأتي من نقص التدريب والخبرة والمسئولية لدى الأطباء أنفسهم، حيث لا يهتمون بصحتهم وبحماية أنفسهم كما يجب، وهو يعتبر نفسه من هؤلاء الأطباء المهملون في صحتهم. المشكلة الأساسية بالنسبة لـ “حسن” في نقص الثقافة الوقائية والاستهتار بإجراءات مكافحة العدوى وكأنها “منظرة”.

يقول حسن إنه “رغم وجود لجنة بكل مستشفى لمكافحة العدوى، لها سلطة غلق المستشفى في حال عدم مطابقتها لمعايير الجودة، وتحرص على عدم إجراء عمليات جراحية، على سبيل المثال، إلا إذا توفرت كل الشروط من النظافة والتعقيم، إلا أن موضوع العدوى في العموم لا يكثر الحديث عنه إلا في حالة وفاة طبيب، لكن هناك عشرات الأمراض المعدية التي يلتقطها الأطباء يوميًا، يتعاملون معها بأنفسهم نتيجة فقدانهم الأمل في المنظومة الصحية، ولكن حين يموتون فقط قد تتدخل الجهات المسئولة”.

يعتقد الدكتور أحمد فاروق، جراح الوجه والفكين وعضو جمعية “أطباء التحرير”، أن مشكلة العدوى تبدأ من الأعداد الكبيرة لطلبة الطب، الأمر الذي لا يسمح بتدريبهم طبيًا بالدرجة الكافية التي تعطيهم الخبرة وتقنيات الوقاية من العدوى. ثم يستمر الأمر بعد التخرج، حيث لا تتوفر للأطباء وسائل الحماية بالمستشفيات التي يعملون بها، خاصة الأماكن الأكثر احتياجًا والأكثر عددًا. ويستشهد فاروق بأهم الوسائل الغائبة وهي توفير عمالة طبية وفنية مدربة للحرص على نظافة المستشفى، وغرف العمليات للوقاية من الأمراض، ومن وسائل الحماية أيضًا “الكمامات ومواد التعقيم والبلاطي النظيفة، الطبيب يضطر إلى أخذ البالطو لغسله في بيته فيعرض أسرته لخطر انتقال عدوى”.

يضيف فاروق أنه حتى لو توفرت كل وسائل الحماية وتم تفعيلها ستظل هناك احتمالات للعدوى، قد تظهر سريعًا، وقد تأخذ سنوات مثل فيروس سي، لذلك يرى ضرورة للكشف الدوري والتعويض للأطباء المصابين، ومحاسبة الأطباء المسئولين بإهمالهم عن نقل العدوى، والاعتراف بأن العدوى إصابة عمل، والاعتراف بحق الأطباء في العلاج مجانًا في المستشفيات التي يعملون بها، لذلك يرى فاروق قيمة بدل العدوى الجديدة غير عادلة، لأنها لا تتناسب مع حجم المخاطر التي يواجهونها.

أما وكيل نقابة الأطباء فتعتبر أن المطالب التي تخص العدوى لا تنفصل عن المطالب الأخرى التي تضع تصورًا أكثر عدلًا واحترامًا للمنظومة الصحية في مصر منذ سنوات، التصور الذي يتضمن مستشفيات نظيفة تعمل بكفاءة عالية وفاعلية، وتقدم خدمة محترمة لمرضاها وتحافظ على صحة وحياة وحقوق الفريق الطبي بها، ويكون هناك إنفاق كافي على المستشفيات، وليس مجرد رفع لميزانية الصحة يمكن سرقتها. في النهاية بدل العدوى هو مجرد جبر لجزء من الضرر ويجب تنفيذه ومصاحبته بسياسات فعالة لمكافحة العدوى.

حاول “مدى مصر” التواصل مع المسئول الإعلامي لوزارة الصحة للتعليق على مطالب نقابة الأطباء، إلا أنه لم يرد.

اعلان
 
 
هدير المهدوي