Define your generation here. Generation What

30 يونية، أم 30 سونية؟

في يوم 30 يونية الماضي امتلأ التايم لاين بسخط عارم صبّه أصدقائي على ذكرى 30 يونية (سأتحاشى الآن وصفه بثورة أو انقلاب). أكثرهم انشغلوا بتقييم 30 يونية وفق معايير أخلاقية أو إنسانية، متبرّئين من المشاركة فيه لأنه كان مدخلًا للقتل والقمع. هذا تفكير أخلاقي مسئول، ولكن مشكلته أنه يمنع فهم 30 يونية باعتباره حراكًا اجتماعيًا ينبغي تأمّله بشكل سياسي، لفهم أبعاده ونتائجه بوضوح، مهما أوجعتْنا.

معنى تلك المحاولة للفهم أن ثمة شروطًا اجتماعية سياسية كانت تصوغ علاقة الشعب بالسلطة، وكان 30 يونية منعطفًا غيّر قيم المجتمع وعلاقته بالسلطة وشروطها، مما أنتج أوضاعًا جديدة؛ أعني أنتج “صراعًا” حقيقيًا سيستمر بدوره وسينتج نتائج أكثر تعقيدًا.

سأفكر في الأمر على هذا النحو: ثمّة ازدهار واضح في المجتمعات الديمقراطية، لماذا؟ لأن الشعب” يشارك” في اختيار سلطته ويحاسبها؛ بذلك يصبح حاضرًا في صراعات المصالح التي تؤثر في معيشته. والسياسة علم ذو مرتكزات وقواعد، منها أن المعيار الحقيقي الذي يصوغ علاقة أية جماعة بشرية بالسلطة هو قدرة السلطة على تحقيق مصالح معيشية ملموسة. في أي سباق انتخابي في الدول الديمقراطية تشكل الحلول الاقتصادية جوهر الصراع بين المتنافسين، لكن الشرط الأساسي لذلك أن يشارك الشعب في إنتاج السلطة، لأنه بعد تجارب مختلفة سيختار الأفضل.

من الملفت هنا أن القيم الأخلاقية لم تؤثر في الصراعات السياسية إلا حين حققتْ مصالح معيشية للبشر (مثلما اكتشفت المجتمعات الغربية أن الحرية ضمانة أساسية للتقدم، وأن المساءلة شرط لحماية حقوق الشعب)، بل سنجد رؤى سياسية بالغة الانحطاط الأخلاقي نجحت شعبيًا حين قدمت وعودًا معيشية مغرية في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. ثمة حشود مرعبة صفقت لهتلر وموسوليني في ظروف بالغة القسوة خلقها الكساد الكبير وتوازنات ما بعد الحرب العالمية الأولى.

لماذا هلل ملايين الألمان لانتصارات هتلر رغم أنه قتل ملايين اﻷبرياء؟ لأن ذلك كان وعدًا بحياة أفضل. حين انتهت الحرب بتدمير أوروبا أدرك الأوروبيون فظاعة الطرح النازي والفاشي. هكذا تأسست أوروبا حديثة مغايرة بينما كانت اليابان تتخذ المسار ذاته، وتتخلى عن نزعتها العنصرية التي ورطتها في جرائم حرب مروعة بحق الشعب الصيني.

أنتقل إلى نقطة أخرى: ما ضمانة تحقيق حياة سياسية يختار فيها الشعب سلطة سياسية؟ الضمانة هي مشاركة الشعب في صراع المصالح وتعديل اختياراته وفقًا لنتائجها. على أن ذلك لا يعني أن مصر 30 يونية تطابق المسار الأوروبي السابق، أعني فقط أن الجماعة البشرية المصرية تشبه أية جماعة أخرى “شاركت” في اختيارات سياسية أضرتْ بمصالحها ضررًا فادحًا، فعدلت مسارها وفقًا لكارثية نتائجه المعيشية (مرة أخرى: المعيشية وليست الأخلاقية).

على ضوء ذلك أحاول رؤية 30 يونية؛ ما قبله وما بعده. في الشهور الأخيرة من عهد مرسي وقع تدهور واضح في معيشة المصريين، تمثل في انهيار في الخدمات العامة؛ انقطاع الكهرباء والمياه وتدهور الأمن، مع موجة غلاء بعد تدهور قيمة الجنيه أمام الدولار في أبريل 2013. أيًا كانت أسباب ذلك، كان استمرار حكم مرسي وعدًا بانهيارات كارثية، مثلما كان تمسك مرسي وأنصاره بالسلطة إرهاصًا بوضع يشبه وضعي سوريا وليبيا؛ هكذا فهم المصريون الأمر دون أن يتخيلوا وقتها عواقب فهمهم. هكذا بدأت موجة مرعبة من الرغبة في سحق أنصار مرسي وإبادتهم بأي ثمن.

بهذا المعنى، لم يغتصب السيسي السلطة، بل منحه إياها المصريون لأنهم صدقوه. من عاشوا في مصر سنة 2014 يعلمون أن من كان ينتقد السيسي في وسيلة مواصلات عامة، كان ينال نصيبًا وافرًا من الرفض الذي وصل كثيرًا إلى الاعتداء.

المصريون الذين مارسوا هذا الاعتداء لم يجبرهم أحد على ذلك، وإنما كانوا يظنون أن السيسي سيحقق مصالح معيشية حقيقية؛ رفاهًا اقتصاديًا وأمانًا و”قد الدنيا”. هنا أيضًا لابد من التفكير في النتيجة الحتمية: اختار المصريون السلطة القادرة على الإبادة وبناء السجون، العاجزة عن التفكير في أية حلول اقتصادية حقيقية. النتيجة حتمية: أدرك أكثر المصريين أن اختيارهم أضر بمصالحهم، ومن لم يدركوا ذلك سيدركونه حين يزدادون جوعًا.

لماذا رحب الكثيرون، صراحة أو ضمنًا، بدعوة السيسي لتفويضه لمحاربة الإرهاب، بينما لم يرحب أحد بدعوته للاحتشاد احتفالاً بيوم 25 أبريل (باستثناء العشرات ممن رفعوا أعلام السعودية)؟ شأن أية جماعة بشرية أخرى، سيكتشف المصريون أن حماية حقوق الإنسان شرط للتقدم، لكن بعد أن يدفعوا الثمن فادحًا.

بهذا المعنى أيضًا، يمكنني تأمّل ثورتنا العظيمة، ثورة يناير، بمعزل عن تقديسي لقِيَمها. هل خلقت ثورتنا “صراعَ مصالح” حقيقيًا بيننا وبين السلطة، لنختبر نتائجه فنعدّل مسارنا؟ لا، وإلا كيف ظللنا لشهور نهتف في مظاهراتنا “الجيش والشعب إيد واحدة”؟ لأننا اختزلنا الجيش في مجندينا الغلابة، غير أن الأمر لم يكن بتلك الرومانسية، بل كان الجيش جنرالات المجلس العسكري، ورثة ضباط يوليو، الذين أسسوا “العسكرتاريا” المصرية الفاسدة، وفقًا لأدبيات السياسة. هؤلاء الجنرالات كانوا هم الطرف الرئيسي في صراعنا، لكننا رأينا أننا “إيد واحدة”. لم نكن أغبياء، وإنما فقط لم نجرب ثورة من قبل، فلم نختبر شروطها ونتائجها.

بهذا الفهم، لم تخلق ثورة يناير صراعًا حقيقيًا كالذي خلقه حراك 30 يونية بمشاركة شعبية لافتة. نعم، خلق 30 يونية صراعًا حقيقيًا؛ انحازت أغلبية الشعب لحكم رئيس عسكري، فسحق اﻷخير خصومه وانحاز لحلفائه من الشرطة والجيش والقضاء والإعلام؛ وهكذا اكتشف الشعب أنه الطرف الخاسر. في هذا الصراع الواضح، سيواجه الشعب السلطة حين يشتد جوعه، بحيث تتوازن مخاوف الجوع مع مخاوف قمع المتظاهرين. الصراع الآن أكثر وضوحًا وجذرية. ما الذي سيفعله الشعب حين يلامس الدولار الـ 15 جنيهًا؟ قد يواجه ساعتها سلطة العسكرتاريا، وحين ينتصر عليها سيتأسس وعي جديد بالسلطة وعلاقتها بالمواطن وحقوقه.

في سجن برج العرب، كنت محبوسًا مع محكومي قضايا الإخوان، وكانت أحاديثهم تؤذيني أذى شديدًا دون قصد منهم، فكنت أتفنن في عزل نفسي بسدّادات أذن مختلفة. لم أتحدث في السياسة إلا مع زملاء نادرين. بعد فوز السيسي بالرئاسة قلت لأحدهم إن أصدق كلمة قيلت عن 30 يونية هي “مصر عادت للمصريين”، فصُعق، لكني سألته: من هم المصريون؟ أليسوا هؤلاء الملايين ممن لم يمارسوا السياسة أبدًا؛ صفقوا لسقوط مبارك لأننا سنسبق أوروبا، ثم دفعوا ثمنًا فادحًا لسوء إدارة البلاد في عهد طنطاوي ومرسي، حتى إذا جاء من وعدهم بالقضاء على الإخوان والثوار، هللوا له لأننا سنصبح “قد الدنيا”؟ الذين ملأوا التحرير احتفالًا بفوز السيسي هم هؤلاء الذين لم يمارسوا السياسة إلا بهذا الاختيار الذي نتحمل عواقبه، هم الذين خافوا من ارتفاع سعر كيلو الرز نصف جنيه آخر، فزاد أكثر من خمسة جنيهات.

مؤلمٌ حقًا أن الإنسان لا يدرك الحقائق الفارقة إلا بثمن بالغ القسوة.

اعلان