Define your generation here. Generation What
مسلسل القيصر: أعطونا دعاية سياسية، ولكن لا تحرمونا اﻹتقان فيها
 
 

أتخيل أن أولى خطوات إنتاج مسلسل القيصر، الذي أخرجه أحمد جلال وكتبه محمد ناير وقام بالبطولة فيه يوسف الشريف،  كانت اجتماع القائمين على العمل للاستماع لإحدى خطب الرئيس السيسي، واستلهام متن العمل من كلامه عن الإعلام المغرض وحروب الجيل الرابع والمؤامرات الخارجية ضد مصر، وبعدها عكف فريق العمل على تحويل مضمون الخطبة إلى قصة درامية تُثبت صحتها.

لست من هواة أعمال التشويق، ولذلك لا أتابع عادة أعمال يوسف الشريف الذي تخصص في السنوات الماضية في هذا النوع من خلال مسلسلاته المعتمدة على الأكشن المغلف في قصة شديدة التعقيد، جعلت البعض يسخر بالقول إن يوسف الشريف هو أكثر النجوم نجاحًا في الحفاظ على سرية موضوعات مسلسلاته، والتي تستمر حتى بعد عرضها، نظرًا لعدم فهم المشاهدين للأحداث. لم أكن لأهتم بالمسلسل لولا السطر المكتوب في الجزء الأسفل من الشاشة، والذي يحدد موقع اﻷحداث كـ”رفح المصرية”، في المشهد الأول الذي يبدأ بمداهمة أمنية لنفق تابع للمسلحين بشمال سيناء.

بدأتُ مشاهدة المسلسل على أمل أن يتيح التناول المركب الذي اشتهرت به أعمال الشريف المساحة لبعض من العمق في عرض موضوع الإرهاب في سيناء، وهو موضوع معقد لا يحظى بتغطية إعلامية مناسبة نظرًا للتضييق الأمني. ولذا يعد “القيصر” أول عمل فني بإنتاج كبير يتناول الحرب القائمة في شمال سيناء، بين القوات الأمنية والمسلحين منذ بدايتها في ٢٠١٣. إلا أن أملي في تناول عميق سرعان ما تلاشى.

لم يكن غريبًا تبني المسلسل لخط شديد التماهي مع النظام، يلقي الضوء على بطولة وكفاءة القوات الأمنية. بالعكس، فهذا يتماشى مع الخط المتبع في الإعلام، إلا أن مستوى شيطنة المجتمع المدني في المسلسل كان هو غير المسبوق. رفع المسلسل سقف الاتهامات الموجهة للمجتمع المدني إلى حد تصويره أكثر شرًا حتى من الإرهابيين أنفسهم.

يبني المسلسل خط تعاون مباشرًا بين المجتمع المدني، إرهابيي سيناء ومجموعات إجرامية عالمية، مع الإضافة الضرورية لوسيط إسرائيلي. إلا أن المسلسل لا يربط كل هذه الدوائر بحكومات أو أجندات سياسية معينة، وإنما يتوقف عند إعلان العقول المدبرة لتحالف الشر تكرارًا: “عايزين نولع الدنيا.”

بغض النظر عن رسالته السياسية، فتنفيذ المسلسل غير المتقن يضعفها. امتلأ المسلسل بالأخطاء والركاكة، من الأخطاء اللغوية ومستوى الكتابة السيئ للتفاصيل التي تنقصها الواقعية.

نقابل شخصية يوسف الشريف، والذي يعرّف نفسه فقط بـ”القيصر”، لأول مرة في نفق تابع للمسلحين بسيناء، حيث يلقَى القبض عليه أثناء اقتحام للقوات الأمنية، ويؤخذ إلى سجن المغارة السري، وفيه يتضح عدم انتمائه لأي من المجموعات الإرهابية المعروفة.

لم يكن أداء الشريف لشخصية يفترض فيها القوة والذكاء  مقنعًا، وكان أداؤه في مشهد يفترض أن يعكس تحديه للضابط أثناء التحقيق معه، أقرب ﻷداء الطفل المقموص، كما أن ضعف الكتابة جعل ردوده المقتضبة، التي يفترض فيها الدهاء والعمق، ركيكة وسطحية.

إيقاع المسلسل كذلك غير متزن، حيث يعاني المشاهد من البطء الشديد في الثلث الأول، الذي تتنقل فيه غالبية الأحداث بين السجن الذي يستعرض فيه القيصر غموضه والمقر الأمني الذي يحاول فيه ضابطان التوصل لانتمائه. لا يحررنا من هذا النطاق شديد الضيق سوى قرار الضابط عبد المحسن ثابت – والذي يؤدي دوره خالد زكي في أداء اعتمد بشكل أساسي على لحظة صمت بفم مفتوح مع أول كل جملة، ونظرة دائمة تعكس دهاء شديدًا وفهمًا كليًا للأشياء – أن يساعد القيصر على الهرب لتجنيده والاستفادة من قدراته ومعرفته بدواخل المجموعات الإجرامية. أما آخر حلقة، فالتفسير الوحيد للتسارع الهستيري للأحداث بها هو أن يوسف الشريف اكتشف في مرحلة متأخرة خلاء المسلسل من المنعطفات المعقدة في القصة، والتي اشتهر بها، ولذلك قرر ضغطها جميعًا في حلقة واحدة، غيرت وجه القصة في ٤٠ دقيقة من المفاجآت والشقلبظات بشكل مربك.

في بداية الحلقات نكتشف أن القيصر نشأ وتدرب في معسكر جحيمي يديره سيدٌ مقنعٌ يجبر الأطفال على معاركة بعضهم حتى الموت، ليصبح من استطاع البقاء منهم عضوًا في فريق من نخبة القناصة، الذين يتلقون مهامًا حول العالم، من التنظيم الإجرامي العالمي، غير المعروفة أهدافه بخلاف إثارة الفوضى.

ما يثير التعجب أن الفئة التي هربت من الشيطنة كانت المراتب المنخفضة للإرهابيين، حيث قُدموا كأشخاص غير أشرار بالضرورة، ولكنهم قاموا باختيارات خاطئة بعد إيهامهم ألا خيار آخر لديهم. ولتوضيح الفكرة، فقد جعل الكاتب الإرهابيين ينطقون بالدروس المفترض استخلاصها من قصصهم، بدون الحاجة لإرهاق المشاهد بتكوين انطباعه الخاص، في أسلوب مباشر مبالغ فيه استمر طول حلقات المسلسل. فالإرهابي السجين عبد القادر، وهو الصديق الوحيد للقيصر بسجن المغارة، يقول في رسالة لكل من يفكر في الاتجاه للإرهاب: “لم أكن أعرف شيئًا، أخبروني أني إما معهم أو ضدهم، ولكني لم أعلم أني عندما أرفع السلاح في وجه أحد، سيرفع غيري السلاح في وجه عائلتي.”

وإذا لم يصل الدرس المستفاد بشكل كاف، يؤكد أحد الضباط المعلومة، قائلًا بعد ظهور أبو راغب قائد الجماعات الإرهابية في سيناء: “الآن خرج من جحره ويرعبهم، الآن يدفعون ثمن وضع يدهم في يده، كانوا يتقون شره على حسابنا.” ورغم أن الجملة تعترف بصعوبة موقف المدنيين، إلا أنها تؤكد الاعتقاد السائد والظالم بأن جميع أهل سيناء متعاونون مع الإرهاب.

أما أغرب جملة تعليمية فقد جاءت من زعيم المجموعات المسلحة أبو راغب، ردًا على الضابط الذي وقع تحت يده أثناء اشتباك مع القوات. رجا هذا الضابط سائر الضباط، الذين كانوا يساومون أبو راغب على حياته عبر الهاتف، بألا يضعوا يدهم في يد الإرهاب من أجله، مبديًا استعداده للموت، فردَّ أبو راغب معجبًا: “صحيح اللي ربى خير من اللي اشترى. ياريت رجالي مثلك.”

يفتح أبو راغب قلبه للضابط المخطوف بطريقة غير مبررة، ويخبره أن الأسلحة التي يمتلكها ليست هي الأسلحة الحقيقية، وإنما الكلمات والصور القادرة على إشعال الحروب.

خطاب “حروب الجيل الرابع” موجود بقوة في المسلسل، حيث يقدَّم المجتمع المدني والإعلام باعتبارهما الحليفين الأقرب للإرهابيين. يُقدَّم العاملون بالمجتمع المدني بدرجات متفاوتة من الشر، وباعتبارهم يعملون جميعًا تحت مظلة “جمعية حقوق الإنسان” ومقرها وارسو، والتي يعكس اسمها التعميم في الأحكام التي يصدرها المسلسل على المجتمع المدني.

في أدنى نقطة بمنحنى الشر يأتي سعيد، الشاب المتحمس الساعي لتغيير العالم والذي سرعان ما يترك المجال بعد اكتشافه أنه قد خُدع. ثم تأتي فريدة، والتي تقوم بدورها ريهام عبد الغفور ذات النطاق التمثيلي الضيق الذي لا يسمح إلا بالتعبير عن المشاعر في أخف صورها، وتصبح جزءًا من الثلاثي البطل المتصدي للإرهاب، بالمشاركة مع القصر وعبد المحسن. فريدة تهتم بمصالحها، لديها ١١ حسابًا على الفيسبوك وعندها استعداد للتعاون مع الشيطان، إلا أنه عندما يتعلق اﻷمر بمصلحة مصر، تتغلب وطنيتها على  كل هذا. يأتي بعد ذلك، وعلى الدرجات العليا من منحنى الشر، مصطفى صدقي، معلم فريدة والحقوقي الشهير، الذي يصدم فريدة باستعداده للمشاركة في مؤامرة ضد مصر من أجل الأموال. في فقرة أخرى من فقرات الدروس المستفادة التي تتمتع فيها الشخصيات بصراحة مفرطة مع النفس، يصرح مصطفى لفريدة: “الناس تصدق ما أقول رغم أني لا أعرف عنه شيئًا. أنا وأنت نريد نفس الشيء: التمويل. وإلا كيف لنا أن نتمتع بكل تلك الأشياء الجميلة وبالمؤتمرات والفسح في أوروبا، وكيف لك أن تنظمي النشاطات التي تقيمينها مع الشباب في مصر؟”

ثم تأتي أنهار، الرأس الشيطاني للمنظمة، والتي لا تتعاون فقط مع الدساس، وهي شخصية بن لادنية يؤديها بإقناع أحمد حلاوة، ولكنها تصل أيضًا لدرجة قتل زملائها غير المتعاونين، ولا يوقفها شيء عن تنفيذ هدفها الأسمى، وهو “توليع الدنيا”.

يُظهر المسلسل المجتمع المدني بديناميكية داخلية شبيهة بالمافيا، فعندما تتصرف فريدة بعناد، يخطفها مصطفي ويلقيها من السيارة مغشيًا عليها على طريق مهجور، وعندما يعود إلى رشده ويساعد فريدة في تعاونها مع الشرطة، تقتله أنهار.

الإعلام أيضًا كان على قائمة المغضوب عليهم، وخصوصًا الأجنبي منه، والCNN بالتحديد التي جاء ذكرها بالاسم ثلاث مرات في سياق بث مواد تحريضية. ولتأكيد وجود علاقة مباشرة بين الإعلام الأجنبي والإرهاب، يمسك عبد المحسن بحفنة جرائد أجنبية ويستنتج، من خلال تغطيتها، الخطوات القادمة للإرهابيين، وكأن تلك الإصدارات هي فعليًا ناطقة بحال الجماعات الإرهابية.

كنت لأحترم دهاء المسلسل لو كان نجح في إيصال تلك الرسائل الداعمة للدولة بمهارة، إلا أن تنفيذه كان ضعيفًا، ورسائله السياسية بالغة الشفافية. كما غابت الواقعية عن تفاصيل المسلسل بدءًا من القوات الشرطية التي تليق بأن تكون في مسلسل أجنبي، للسجن السري الذي لا تنتهك فيه حقوق الإنسان، لضابط يضع سلاحه أثناء مداهمة منزل في سيناء، لتهدئة روع طفل يبكي.

The Caesar 2

غياب الواقعية عن التفاصيل الصغيرة أثّر أيضًا على قدرة المسلسل على إقناع المشاهد بالرواية، مثل مخبأ الإرهابي أبو راغب الواقع في وسط الصحراء، والذي يبدو أقرب للفندق الفاخر بثيمات سيناوية.

تعكس بعض التفاصيل كسلًا في تنفيذ المسلسل؛ فقائد الإرهابيين أبو راغب يتحدث باللهجة البدوية للتعريف بهويته المتماشية مع الصورة النمطية لبدو سيناء كمسؤولين عن الإرهاب، ثم يعود للتحدث بلهجة قاهرية مبعثرًا بعض الألفاظ البدوية بين الحين والآخر كي لا ننسى. كما كان يستحسن لصناع المسلسل، لدى اختيار اسم لشخصية رجل أعمال هندي، أن يبحثوا أبعد من اسم النجم الهندي الأيقوني راج كابور.

كما لم يُبذل أي مجهود في استخدام لغة سليمة، في الأجزاء التي تستخدم اللغة الإنجليزية، والتي جاءت مليئة بالأخطاء الجسيمة. في الخبر المكتوب الذي يعلن وفاة الوسيط الإسرائيلي أنطوان آبال نرى اسمه بهجاء خاطئ في مشهد، ثم بالصحيح في المشهد التالي.

The Caesar 3

The Caesar

تسببت إحدى هذه التفاصيل المنفذة بإهمال في موجة غضب ضد المسلسل، عندما استُخدمت صورة لجثة أحد ضحايا عاصفة مأساوية أودت بحياة شباب في وادٍ بسانت كاترين في ٢٠١٤، بوصفه ضحية عملية إرهابية. استدرك صناع العمل بنشر اعتذار ظهر بعد تتر البداية لعدة حلقات، وبتعديل الصورة في النسخة الموجودة على الإنترنت.

أدرك الآن أن أملي الأول في العثور على عرض عادل للحرب في سيناء، عرض يعترف بأخطاء الدولة وينصف المجتمع المدني والمدنيين، كان ساذجًا، إلا أني أرفض خفض سقف توقعاتي لأقل من تغليف الرسائل السياسية في عمل متقن، يُظهر للمشاهد أن البروباجاندا لم تكن الهم الأول والأخير لصناع العمل.

اعلان
 
 
هبة عفيفي