Define your generation here. Generation What

سد النهضة…عن العيش المشترك الذي لا يريده أحد

أصبح ذكر مشروع سد النهضة مقترنًا في وعي ملايين المصريين بالخراب والعطش وبوار الأرض، فقد تحولت قضية سد النهضة، وفي سياق الصخب السياسي الذي صاحب ثورة يناير، وفي إطار المزايدات السياسية التي اتسمت بها الصراعات السياسية بعد سقوط مبارك، إلى “إشارة” لمصير كارثي محتوم، وغاب بالكامل في هذا السياق أي نقاش موضوعي عن القضية، إلا من أصوات خافتة لم تثر أي انتباه، فبين سلطة المجلس العسكري التي استغلت قضية سد النهضة وغيرها لإرهاب الشعب المصري وتعبئته ضد الحراك الثوري، للإخوان المسلمين الذين تعاملوا مع الموضوع من نفس المدخل، مرورًا بالنخب السياسية المصرية التي تورطت ولا تزال تتورط في استخدام كل خطابات التحريض والتعبئة القومية والشعبوية لدى الحديث عن سد النهضة.

ربما كانت المهزلة التي دارت في الاتحادية بحضور الرئيس مرسي كاشفة عن هيمنة لغة التحريض والمزايدة والاستخفاف على النقاش حول القضية وغياب أي روح موضوعية وجادة لدى تناول الأمر، حتى في نقاشات داخل قاعات القصر الرئاسي. وحقيقة الأمر أن الاستغلال السياسي لقضية سد النهضة في سياق الصراع والمزايدة السياسية طغى على أي نقاش أو تقييم جاد للقضية، وبات الحديث محصورًا في روايات عن مؤامرات لتعطيش مصر وأطماع إسرائيل في مياه النيل، بالإضافة لألاعيب تركيا وقطر، إلخ. ولا يمكن اعتبار هذا صدفة، فتغذية الذعر لدى المواطنين ليست فقط أداة التقليدية للحكم المستبد، بل هي أيضًا بنت كل أمراض جماعات المعارضة الغارقة في المزاج القومي والشعبوي والمصابة بكل أمراض السلطوية والاستبداد التي تعارضهما.

ولا يمكن الحديث عن ضرورة إنتاج خطاب ديمقراطي عربي في سياق غرق المنطقة في الحروب الطائفية والهوياتية، وتعرضها لكل أشكال النهب والاستغلال الإمبريالي، دون محاولة تقديم قراءة لهذه القضية على أرضية أكثر ديمقراطية، لا تمنعها التهديدات الجادة للدول القومية في المنطقة من الاعتراف بحق الشعوب الجنوبية في التنمية، في سياق مقاومة حكم الطغم العسكرية والأمنية التي تحكم الإقليم العربي والأفريقي، وتمارس كل أنواع الإجرام في حق شعوبها ، وتتسابق في سوق العمل بالوكالة لصالح إمبريالية مأزومة بدورها، وهذا لصالح العمل على تأسيس جديد للعمل الديمقراطي الإقليمي الذي يعيد الاعتبار للشعوب ومصالحها.

ستحاول هذه الورقة في هذا السياق قراءة قضية سد النهضة بشكل موضوعي يضع القضية في سياقها، وقراءة موقعها في التفاعلات الإقليمية وأبعادها التاريخية واستقراء بدائل التعامل معها.

قصة هذا السد
لا يوجد أي إطار تنظيمي بخصوص مياه النيل بين مصر وإثيوبيا سوى اتفاقية 1902 التي كانت في حقيقة الأمر اتفاقًا بين المستعمرَيْن؛ بريطانيا المسؤولة عن مصر والسودان، وإيطاليا المسؤولة عن الحبشة، وهي اتفاقية تقضي بعدم قيام الحبشة بأي أعمــال على بحيرة تانا أو النيل الأزرق أو نهر السودان، تؤثر على حصة مصر والسودان! أما اتفاقية 1959 حول قرار مصر بناء السد العالي فكانت بين مصر والسودان فقط، في غياب إثيوبيا، وبموجب هذا الاتفاق احتفظت مصر بنصيب 55 مليار متر مكعب من المياه بينما احتفظت السودان بـ18.5 مليار متر مكعب، أخذًا في الاعتبار أن متوسط كميات المياه المتدفقة من النيل ازرق -الذي سيُبنى عليه سد النهضة- عند الوصول للخرطوم هو 52 مليار متر مكعب، ما يمثل 80-85% من مجموع المياه المتدفقة في النيل الكبير.

في سياق الصراع بين عبد الناصر والغرب، وتمركز الصراع في أحد محطاته حول قضية السد العالي، قام المكتب الأمريكي للإصلاح بالرفع المساحي للنيل الأزرق بين عامي 1956-1964، وحينها تحدد موقع مناسب لبناء سد عملاق في النيل الأزرق، ليستمر حلم المشروع يراود أثيوبيا بعدها لعقود.

ومع نهاية الألفية ونتيجة الشعور المتنامي بالنشاط الكثيف لدول المنبع من أجل تحريك موضع السد وفتح النقاش حول أنصبة دول المصب التاريخية، شاركت مصر في الدعوة لمبادرة حوض النيل في 1999، وهو نشاط وجد هوى عند مؤسسات التمويل الدولية، خاصة البنك الدولي الذي رعى المبادرة تحت تأثير قناعة متنامية بحجم الفرص التي يمنحها هذا الاتفاق لتمويل مشاريع متنوعة في دول المصب، وهو ما لا يمكن أن يحدث سوى بتعديل الاتفاقات التاريخية المنظمة لتوزيع مياه النيل. وبالفعل، ففي فبراير 1999 في تنزانيا، وُقِّعت مبادرة حوض النهر التي ضمت مصر، السودان، أوغندا، إثيوبيا، الكونغو الديمقراطية، بوروندي، تنزانيا، رواندا، كينيا، وأريتريا. ونصت على الوصول لتنمية مستدامة في المجال السياسي-الاجتماعي، من خلال الاستغلال المتساوي للإمكانيات المشتركة التي يوفرها حوض نهر النيل، وإنشاء مفوضية تتولى آليات تطوير مشاريع تنموية على النهر، ولكن لم يُقدَّر لهذه الاتفاقية التفعيل بعد مقاومة مصر لتفعيلها وتراجعها عن قبولها.

ولكن في مايو 2010 بعنتيبي بأوغندا، وفي إجراء ضد مصر والسودان وبغيابهما، تجرأت أربع من دول المنبع، هي إثيوبيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا، على توقيع مقترح باتفاقية إطارية لتقاسم المياه نصَّت على “أن الاتفاقية الإطارية تطبق لتحقيق التنمية والحماية والحوار حول إدارة موارد نهر النيل وموارده وإنشاء مؤسسة كآلية للتعاون بين دول حوض النيل” في صيغة تفتح الطريق لإقناع دول أخرى بالانضمام وتحقيق أغلبية داخل مبادرة حوض النيل وتسمح بإقرار الاتفاقية بشكل نهائي وتجاوز الاتفاقات التاريخية حول الأنصبة المائية لدول المصب والحق في استغلال المياه. وبالفعل انضمت بورندي لاتفاقية عنتيبي، ليصبح الموافقون على الاتفاقية أغلبية بين دول مبادرة حوض النيل، وبالتزامن مع هذا أعيد الرفع المساحي لموقع السد بين 2009-2010 من جديد، لتبدأ عمليات انشاء في أبريل 2011 بعد التعاقد مع شركة المقاولات الإيطالية ساريني كوريستيسوري، بعقد قيمته 4.7 مليار دولار، قبل اضطرار مصر للعودة للتفاوض.

كيف يُموَّل السد؟
خوفًا من رد الفعل المصري ولكون السد مشروعًا شائكًا، ترددت كل الجهات الدولية قبل تمويله، ما اضطر الحكومة الإثيوبية لتمويله بنفسها، بالأساس من خلال بيع شهادات استثمارية للمستثمرين وللبنوك المحلية وللمواطنين، بالإضافة لإطلاق حملات لجمع تبرعات المساهمة في بنائه، حتى نجحت إثيوبيا في تأمين الدفعات المتتالية للبناء.

وتظل قدرة إثيوبيا على سداد هذه الديون المحلية مرهونة بقدرتها على إنتاج الكهرباء وبيعها لدول الجوار من خلال شبكات إقليمية للربط، ما يجعل استكمال السد وبدء إنتاج الكهرباء، ونقلها لدول الجوار في إطار اتفاق للبيع الكهرباء، قضية حياة أو موت بالنسبة للحكومة الإثيوبية. ونظرًا للظروف الاقتصادية والأمنية لدول الجوار، يبدو أن عملية الربط تلك، واتفاقية بيع الكهرباء، تواجهان عثرات جادة حتي الآن.

في البدء كان الصراع
تعاملت إثيوبيا مع قضية بناء السد منذ اللحظة الأولى، بوصفها معركة حقيقية مع مصر، فموقف مصر التاريخي هو الرفض البات لبناء أي سد على النيل الأزرق، وقد رأته مصر منذ الخمسينات لعبة غربية ضد إرادة التحرر والاستقلال قبل أن تكون مساعي للنيل من “الأمن القومي المصري”. وبالتالي كان بناء سد النهضة مشروعًا بدأته إثيوبيا في سياق معركة للتحرر من سطوة مصر على مياه النيل، وحرمانها لعقود دول المنبع من الاستفادة بالمياه ودعم خططها للتنمية. ولهذا بدأت إثيوبيا في تعبئة دول المنبع للعمل على وضع إطار جديد لاستغلال النهر، كما تجلى في اتفاقية عنتيبي، قبل أن تشرع عمليًا في بناء السد سرًا، بينما لم تر مصر، ومنذ اللحظة الأولى، المشروع سوي كإجراء يهدد حقوقها التاريخية في مياه النيل، التي اكتسبتها نتيجة وزنها النسبي في القارة، بالإضافة لتقدمها النسبي ووزنها في صراعات التحرر الستينية، الذي مكنها من بناء السد العالي والاستفادة من قدرات إنتاج الكهرباء وتخزين مياه النيل، وقت كانت الشعوب الإفريقية لا تزال بعيدة كل البعد عن امتلاك مصائرها والبدء في أي خطط جادة للتنمية، ما أدى عمليًا لتدفق المياه من السد بكميات بين 60-65 مليار متر مكعب، أي ما يزيد عن متوسط نصيب مصر من المياه كما نصت المعاهدات بـ10-15 %، نتيجة غياب أي قدرات تخزينية معتبرة لإثيوبيا والسودان.

لم يكن مقدرًا لهذا الاستمرار، فاحتياج دول الجنوب للاستفادة من مياه النيل ودعم خطط التنمية كان ليهدد حصة مصر التاريخية لا محالة، إلا أن مصر كانت دائمًا تستخف بقدرات هذه الدول على التجرؤ والشروع ببناء هذه السدود. ولهذا بدأ الأمر “صراعيًا” بين إثيوبيا التي تري السد ضرورة لتلبية ضرورات التنمية في مواجهة حقوق مصر ونفوذها، وبين مصر التي استمرت في رفض بناء هذه السد واعتبرته دومًا تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي وجزءًا من مؤامرة غربية صهيونية على حقها في الوجود. ولهذا، فمن أول لحظة لم تكن مساحات التفاهم والتعاون متاحة، حيث خططت إثيوبيا لبناء السد سرًا، مستغلة ربما سقوط نظام مبارك والثورة الشعبية في مصر، كما رأت مصر في استغلال اللحظة تأكيدًا على النوايا السيئة لإثيوبيا تجاه مصر.

اتفاق المبادئ.. 2015-2016 العام الطويل
في سياق تقديم السيسي لنفسه إلى العالم، ومحاولاته الأولية لانتزاع شرعية دولية وإقليمية وأفريقية، وعلى هامش المؤتمر الاقتصادي في مارس 2015 الذي استضافته مدينة شرم الشيخ، اتُفق على وثيقة مبادئ بحضور السيسي والبشير ورئيس وزراء إثيوبيا، ربما تكون أول مقاربة جادة ومسؤولة حول القضية التي تبناها السيسي في سياق تقديمه نفسه للعالم بوصفه رجل “الأمن والسلام” في المنطقة المنكوبة، في لحظة الانتصار”العابرة” التي صاحبت انعقاد المؤتمر الاقتصادي، حيث أكد الاتفاق على ضرورة “التعاون على أساس التفاهم المشترك، والمنفعة المشتركة، وحسن النوايا، والمكاسب للجميع، ومبادئ القانون الدولي، والتعاون في تفهم الاحتياجات المائية لدول المنبع والمصب بمختلف مناحيها، مشيرًا إلى أن الغرض من سد النهضة هو توليد الطاقة، المساهمة في التنمية الاقتصادية، والترويج للتعاون عبر الحدود والتكامل الإقليمي من خلال توليد طاقة نظيفة ومستدامة يعتمد عليها. وتوفر كل من مصر وإثيوبيا والسودان البيانات والمعلومات اللازمة لإجراء الدراسات المشتركة للجنة الخبراء الوطنيين، وذلك بروح حسن النية وفي التوقيت الملائم”. كما تضمنت الوثيقة اتفاقًا على تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية والدراسات الموصى بها في التقرير النهائي للجنة خلال المراحل المختلفة للمشروع، فقد نص البيان على “استخدام الدول الثلاث، بروح التعاون، المخرجات النهائية للدراسات المشتركة الموصى بها في تقرير لجنة الخبراء الدولية والمتفق عليها من جانب اللجنة الثلاثية للخبراء والتي تضمنت الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد الملء الأول لسد النهضة والتي ستشمل كافة السيناريوهات المختلفة، بالتوازي مع عملية بناء السد وبخصوص الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي لسد النهضة، والتي يجوز لمالك السد ضبطها من وقت لآخر.”

وكانت لجنة الخبراء الدولية تلك قد تشكلت في نوفمبر 2011 من عشرة أفراد؛ ممثلين حكوميين اثنين عن كل دولة من الثلاث دول، بالإضافة إلى أربعة خبراء دوليين في مجال هندسة السدود والتخطيط المائي والمحاكاة الهيدروليكية والبيئة والاقتصاد الاجتماعي. كما تشكلت اللجنة بقرار من الثلاث حكومات، وأصدرت تقريرها النهائي في مايو 2013، بعد اطلاعها على وثائق المشروع المُرسلة إليها من الحكومة الإثيوبية بين مايو 2012 إلى مايو 2013، وبعد ستة اجتماعات وأربع زيارات للموقع أصدرت هذه اللجنة بعض التوصيات لإجراء تعديلات في التصميم، ولاستكمال الدراسات الهندسية والبيئية والاقتصادية اللازمة للتوافق على المشروع، والتقييم الشفاف لتأثيراته المحتملة وسبل التعامل معها، لتجنب أي ضرر قد يلحق بأي من الثلاث دول في إطار من بناء الثقة بينها.

وقد شمل التقرير دراسة جسم السد الأساسي وجسمه الإضافي والبوابات المائية والحسابات الهيدروليكية، وتقرير نموذج المحاكاة الهيدروليكي ونتائج اختبارات مواد البناء، وأوصى التقرير في نهايته بضرورة إجراء دراسات شاملة باستخدام تقنيات متقدمة للمحاكاة الهيدروليكية لتقييم التأثيرات المحتملة على دول المصب.

وبناء على وثيقة المبادئ التي أوصت باستخدام توصيات لجنة الخبراء الدولية، قررت اللجنة الثلاثية المكونة من الدول الثلاث اختيار عدد من المكاتب الاستشارية لاستكمال الدراسات الموصى بها.

وبالفعل، ففي النصف الأول من أبريل 2015 سُمِّي مكتبان استشاريان، هما “دلتارس” الهولندي و”بي آر إل” الفرنسي، وتواترت الأخبار حينها عن تصميم مصر على المكتب الهولندي، وتصميم إثيوبيا على المكتب الفرنسي العامل في مشاريع متنوعة داخل الأراضي الإثيوبية، وتربطه علاقات وثيقة مع النظام الإثيوبي. وجرى تقسيم الدراسات المطلوبة بحيث يقوم المكتب الهولندي بـ30% من الدراسات، ويقوم الفرنسي بـ70 %.

لم يستطع هذان المكتبان تقديم العرض الفني في الموعد المحدد في أغسطس 2015، ثم أعلن المكتب الهولندي عن انسحابه في شهر سبتمبر 2015، بعد إعلانه أن الشروط التي تفرضها اللجنة الثلاثية والمكتب الفرنسي لا تقدم الضمانات الكافية لإنجاز الدراسات اللازمة بالجودة والدقة المطلوبين. وتزامن هذا مع إعلان إثيوبيا عن اقترابها من استكمال 50 % من بناء السد، وسط تكهنات بأن انسحاب المكتب الهولندي جاء نتيجة ضغوط مارستها إثيوبيا، وقبل أن يدخل مكتب فرنسي جديد “أرتيليا” بدلًا من المكتب الهولندي في آخر ديسمبر 2015.

في يوليو2016، وبعد جولات من المفاوضات أعلنت اللجنة الثلاثية أنها بصدد توقيع العقد مع المكتبين الاستشاريين “بي آر إل” و “أرتيليا ” جراء الدراسات الهيدروليكية والاقتصادية والبيئية عن سد النهضة الإثيوبي، والتي سبق أن أوصى بها تقرير الخبراء الدوليين.

تقرير ماساتشوستس.. التأثيرات والبدائل
من بين كل ما كُتب حول السد، يُعد التقرير الذي خرج عن ورشة عمل استضافتها جامعة ماساتشوستس في نوفمبر 2014 من التقارير المكثفة والناضجة. انعقدت هذه الورشة في إطار برامج عمل الجامعة مع المنظمات والدول والشركات الكبرى للوصول إلى حلول فيما يخص الأمان المائي والتنمية المستدامة، واستعين فيها بخبراء مستقلين ومُوّلت على يد هيئات مستقلة لا تربطها صلة بالدول المعنية، وبدون حضور ممثلين رسمين، وتحدد النقاش في هذه الورشة في أربع نقاط أساسية :

1- ضرورة الاتفاق حول الإدارة المشتركة لسد النهضة مع السد العالي.

2- ملاحظات حول تصميم السد.

3- اتفاقات بيع الكهرباء.

4- التأثيرات المحتملة، الزراعية بالأخص، على دول المصب.

وأكد التقرير المتعاطف مع حق إثيوبيا في بناء السد على عدم إمكانية إدارة سدَّيْن عملاقين على ممر مائي واحد بهذه السعات التخزينية التي يزيد كلٌ منها عن كميات المياه المتدفقة سنويًا في النهر، سوى من خلال إدارة مشتركة لعملية التخزين وفقًا لاتفاقية معلنة تأخذ في الاعتبار نصيبي السودان ومصر، والمستوى الأدنى للمياه المطلوب في السد العالي لإنتاج الكهرباء والحفاظ على تدفق معقول للمياه إلى المصب، دون التأثير على المستوى المطلوب لإنتاج الكهرباء في سد النهضة. هذا التنسيق سيكون ضروريًا، خاصة في أعوام التخزين والجفاف، وربما تكون هذه الادارة المشتركة، إذا احترمت اتفاق المبادئ، آلية جيدة للغاية لإدارة النهر، من حيث ما تقدمه من إمكانية لتقسيم أمثل للمياه المخزنة سنويًا بين السدين، بحيث تقل كميات الفقد من خلال البخر، ما يعني استغلالًا أفضل لمياه النيل، في مصلحة الجميع.

بالنسبة لتصميم السد، يقول التقرير إن الحفاظ على كميات معقولة من تدفق المياه للمصب سيحدث بالأساس من خلال مخارج التوربينات المائية التي ستسمح بتدفق كبير للمياه من خلالها. ولكن لبدء تشغيل هذه التوربينات يلزم توافر شبكات نقل وتوزيع للكهرباء المنتَجة المقدَّرة بـ6000 ميجاوات، وهو ما يزيد عن الاستهلاك الإثيوبي المحلي، ويتطلب بنية تحتية للنقل والتوزيع غير متوفرة حتى الآن. ما يتطلب بدوره وجود فتحات سفلية في السد تسمح بتدفق المياه بالكميات المطلوبة، حين يكون مستوى المياه أقل من المستوى المطلوب لتشغيل التوربينات في حالة عدم وجود التوربينات في الخدمة أو أثناء أعوام الجفاف.

أخيرًا، اعتبر التقرير أن أهم تأثير سلبي محتمل على مصر تحديدًا، هو زيادة الملوحة في الأرض الزراعية، فتقدير التقرير أن مصر استفادت من كمية المياه الزائدة عن نصيبها للتخلص، عبر كميات الصرف الكبيرة، من الأملاح المختزنة في الأراضي الزراعية نتيجة البخر الزراعي (transpiration) ، والذي أصبح الطريقة الأساسية التي تعتمد عليها مصر للتخلص من الأملاح. ونتيجة لأعوام التخزين في سد النهضة والتنمية المتوقعة في دول المنبع، ستفقد مصر قدرتها على التخلص من هذه الملوحة، ما سيؤدي إلى تمليح الأراضي الزراعية، والذي قد يصبح كارثة إذا لم تستعد مصر لمواجهته.

ويرى التقرير أن سد النهضة لا يلام على هذا، فهذا التغير كان ليحدث لا محالة مع أي نشاط تنموي جنوبي. وربما كان التأكيد هنا على أن بقاء أنظمة الري المصرية يعتمد بالكامل على تخلف دول المنبع، بدون أي استعداد من الجانب المصري لمواجهة مشكلة نقص المياه، وأن البحث عن سبل بديلة لحماية الأرض من الملوحة هو مسؤولية الدولة، التي راهنت على قدرتها على منع أي نشاط تنموي في دول الجنوب من العمل على تطوير نظم الري، من خلال أنظمة حديثة وأكثر كفاءة ولا مركزية.

هل يعني العيش مشترك أحدًا حقًا؟
نعيش في حقبة سياسية تشهد تفسخ النظام العالمي، بعد مسيرة انحطاط طويلة بدأت تتسارع بعد غزو العراق في 2003، وقوضت كل القيم الديمقراطية وفتحت الطريق لمستويات غير مسبوقة من النهب وتحكم المؤسسات المالية وعصابات البيزنس الدولية في مصير الشعوب، وفي هذا السياق قامت الثورات العربية كانتفاضات شعبية تسعي للإنقاذ من براثن الاستبداد والتخلف والارتهان لتحالفات الطغم الحاكمة المحكمة، وهي انتفاضات لم يكن العالم على استعداد لدعمها بينما يتراجع المركز الرأسمالي عن الإنجازات الديمقراطية التي انتزعتها الشعوب عبر عقود من النضال والتضحيات الهائلة قبل أن يؤدي سقوط الأنظمة الهشة في الوطن العربي إلى تفكك الدول والصعود المخيف للعصابات الطائفية التي لا يمكن إعفاء النظام العالمي وحلفائه المحليين من تغذيتها ورعاية البيئة المناسبة لنموها، تُركت لترث النصيب الأكبر من الغضب الشعبي من الاستغلال والقهر، فتحولت بدورها لشريك أساسي في صعود الفاشية في دول المركز. نحن نشهد إذن مرحلة اضطراب كبرى مرشحة للاتساع في ظل عدم قدرة النظام العالمي على فرض السلام امبريالي وإدارة العلاقات الدولية بشكل متوازن، يضمن حدًا أدنى من الاستقرار والحياة الآمنة واستقرار الدول القومية والأنظمة الإقليمية، وادارة المسؤولة للموارد والثروات.

تصاعدت قضية سد النهضة إذن في عالم تتحكم فيه الشركات، وتتسع فيه الاضطرابات وتعمل فيه كل الأنظمة الباقية في الإقليم تحت تهديدات وجودية، في ظل غياب أي شروط رشيدة لتفعيل أنظمة إقليمية تفرض شروط وقواعد الأمن والاستقرار، فقد كان نظام السيسي من اللحظة الأولى أمام تحد أساسي، وهو انتزاع شرعية دولية لحكمه، وكان إعلان المبادئ مع إثيوبيا في هذا السياق محاولة هشة للتعامل الرشيد مع الأزمة، لم تقو على الصمود في مواجهة مقتضيات الصراع وضرورات البقاء في هذا العالم غير المهيأ لرعاية أي مقاربات أو أي سياسات رشيد. دفعت هذه الضرورات النظام المصري للتعاقد مع شركة سيمنز لإنتاج 15000 ميجاواط من الكهرباء، في عقد يفتح الطريق لقلب ألمانيا، عرابة الاتحاد الأوروبي، وهي صفقة تأتي ضمن سلسلة من الصفقات التي عقدتها مصر والتي ضمت أيضًا الاتفاق على إنشاء المحطة النووية مع روسيا الاتحادية، صفقات تحمل موائمات دولية تحولت مصر على أثرها إلى سوق كبير للشركات متعددة الجنسيات تحت رعاية خليجية. فأزمة السلطوية التي تأسست في مصر على خلفية الإطاحة بالإخوان هي تحركها المحموم لانتزاع الشرعية الدولية من مدخل جذب شركات الحفر والغاز والطاقة والسلاح الدولية بضمان مشايخ الخليج، ما منع مصر من التفكير في بدائل نتاج الطاقة بعيدًا عن نفوذ الشركات متعددة الجنسيات، مثلًا عبر الشراكة مع إثيوبيا في مشروع سد النهضة أو الاستثمار في البنية التحتية لنقل وتوزيع الكهرباء المنتجة من سد النهضة والاستفادة من بعض هذه الكهرباء المنتجة، خصوصًا مع زيادة الكهرباء المنتجة عن حاجة إثيوبيا عبر اتفاقية تعاون مشترك تؤسس عمليًا لاتفاق “المبادئ” الهش.

وكما احتاج السيسي لإنجاز شعبي داخلي مثل مشروع “القناة الجديدة”، بغض النظر عن جدواه، بهدف التعبئة الشعبية الداخلية، تحتاج النخب الحاكمة أيضًا في إثيوبيا وفي مواجهة الاضطرابات والنزاعات الداخلية، لمشروع سد النهضة الذي يمنح شرعية شعبية للنظام هناك، كما يضع أثيوبيا على الخريطة الدولية عبر تحول سد النهضة بدوره إلى غنيمة للشركات متعددة الجنسيات، بغض النظر عن استكمال الدراسات اللازمة وبالقفز على حقيقة عدم استكمال البنية التحتية والاتفاقات اللازمة لنقل وتوزيع الكهرباء المتوقع توليدها من السد. ووفقًا لهذه الشروط المحيطة بالمشروع لم يكن يمكن ثيوبيا اعتبار مصر “المعادية” له شريكًا مناسبًا، بل يجعل قوة الإنجاز متوقفة على تحدي الإرادة المصرية، في إطار معركة شعبوية مبتذلة محورها هو “أيّ النخب الحاكمة هنا أو في إثيوبيا ستفرض إرادتها وتؤكد شرعيتها؟” وفي هذا السياق، وارتباطًا بالترويج الدائم للنظام المصري لفكرة التحديات التي تواجهه من الشرق والغرب ومن الجنوب والشمال، يأتي الغطاء الشرعي لصفقات السلاح المستمرة.

في هذه الأجواء المتوترة تتعثر مجهودات استكمال الدراسات المطلوبة لطمأنة كل الأطراف، رغم التوافق المبدئي على ضرورتها، وتفشل الاجتماعات المتتالية في أديس أبابا والخرطوم (ويعد تورط سامح شكري في إلقاء ميكروفون قناة الجزيرة في المؤتمرات الصحفية نموذجًا على حالة التوجس والتشكك)، ما يفتح الطريق لإسرائيل لمد أذرعها في أعماق الإقليم والحضور الفاعل في أهم قضاياه، مع تزايد حالة عدم الثقة لدى النخب الإسرائيلية الحاكمة في النظام الدولي وقدرته على السيطرة على الإقليم، ودخول أطراف دولية غير موثوقة مثل روسيا للعمل هناك، والتصالح الدولي مع إيران في سياق الاحتياج إليها لتهدئة الأوضاع في سوريا والعراق واليمن، لتتحرك إسرائيل بالأصالة عن نفسها لتكسب مساحات جديدة تتحول فيها على سبيل المثال إلى وسيط مقبول بين مصر وإثيوبيا في قضية سد النهضة، بينما تستغل الشركات الإسرائيلية الوضع لاستكشاف أسواق جديدة في أفريقيا.

دوامة من التفاعلات والصراعات المحكومة بمصالح النخب الحاكمة وشركائها من عصابات البيزنس، في لحظة انحطاط وعدم استقرار عالمية وجدت في الإقليم مسرحًا لكل تجلياتها وجعلت كل الاستراتيجيات غير حساسة لمصالح الشعوب وحقوقها في الأمن والاستقرار والتنمية ومعادية لإنتاج أدوات وأنظمة إقليمية تعمل في اطر رشيدة وعادلة.

الخلاصة
هناك بالطبع بدائل لاحتواء أزمة سد النهضة في إطار مبدأ “العيش المشترك”، والتي يجب أن تتضمن 1) استكمال الدراسات الفنية لطمأنة كل الأطراف في إطار احترافي بعيد عن أجواء التوتر والصراع، 2) إنشاء لجنة مشتركة لإدارة السدَّين يمَثَّل فيها كل الأطراف وفقًا للائحة مشتركة معلنة، 3)عقد اتفاقية لبيع الكهرباء المنتجة من سد النهضة وإنشاء البنية التحتية اللازمة للربط الكهربائي بين الدول الأفريقية في المنبع والمصب بتمويل البنوك الأفريقية بعيدًا عن ألعاب البنك الدولي،5) إحياء الأطر الأفريقية كالاتحاد الأفريقي ومبادرات حوض النيل، وتوضع على أجندتها قضية التنمية والأمان المائي وإنتاج الطاقة ومواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة واتفاقات التبادل التجاري والأسواق المشتركة ونقل الخبرات الفنية وإعادة الاعتبار للاتفاقات الإطارية مثل “مبادرة حوض النيل 1999″ و”عنتيبي” 2010 “واتفاق المبادئ 2015” والتعامل الجاد مع مخرجات هذه التوافقات بهدف تفعيلها والعمل في إطارها.

ويبقى السؤال: هل هذا ممكن في سياق الوضع الإقليمي والدولي والتحكم غير المسبوق للنخب الأمنية وعصابات الشركات الدولية في صناعة القرار الإقليمي والدولي، أم أن أجواء الحرب والتعبئة الهوياتية الشعبوية ستظل هي المناخ المناسب لعمل العصابات المحلية والدولية؟

ويبقى من الضروري أن يظهر هذا الصوت الإقليمي الذي يعلن بوضوح أنه لا سبيل للإنقاذ سوى العمل الديمقراطي المشترك، معترفًا بحق الجميع في الحياة، الحق الذي لا يستقيم سوي بتوزيع أكثر عدالة للموارد والثروة. لا بديل سوي تأسيس شروط “العيش المشترك” في مواجهة كل هذا الإجرام والعفن.

_____________________
يُنشر المقال بالتزامن مع صفحة “حزب العيش والحرية” على موقع فيسبوك.

اعلان
 
 
أكرم إسماعيل