Define your generation here. Generation What

هل لشروط صندوق النقد الدولي أهمية؟

أثناء تواجد بعثة صندوق النقد الدولي في القاهرة، للتفاوض بشأن قرض بمليارات الدولارات، أصدرت وزارة المالية المصرية بيانًا، أمس الأحد، فندت فيه ما قالت إنه ادعاءات حول فرض شروط من جانب صندوق النقد الدولي على مصر.

شددت الوزارة في بيانها على أن “البرنامج الذي يتم مناقشته مع بعثة الصندوق حاليًا هو برنامج مصري مائة بالمائة حظي بموافقة مجلس النواب،  وهو جزء من رؤية مصر 2030”.

ورفضت الوزارة “ما تنشره بعض وسائل الإعلام من تقارير مغلوطة”، في إشارة واضحة إلى الموضوعات التي نشرتها وسائل إعلام محلية، من بينها تقرير نشرته صحيفة المصري اليوم الخاصة، يتضمن تصريح مصدر مسؤول رفيع المستوى عن وضع صندوق النقد الدولي أربعة عشر شرطًا للموافقة على القرض، ومن بينها طلب، رفضته مصر، بتسريح مليوني موظف بالقطاع العام.

لم يُصدر صندوق النقد الدولي أي تصريحات حتى الآن بشأن قرض محتمل لمصر، ولم يذكر أيًا من شروط القرض. وكان المتحدث الرسمي لصندوق النقد الدولي ويليام موري، قد أحال الإعلاميين إلى التوصيات التي تم وضعها عقب زيارة لمصر في 2015 قام بها فريق من المحللين الاقتصاديين بالصندوق، وذلك عند سؤاله الأسبوع الماضي عن طبيعة برنامج القرض المصري. لكن موري راوغ في إجابته: “لا أريد أن أسبق الأحداث بخصوص هذه الجزئية، لأنها قد تفسر باعتبارها شروطًا ملحقة ببرنامج تمويل الصندوق”.

وفق البند الرابع من بنود الصندوق في المشاورات التي جرت في 2015، يحاول الصندوق أن يؤسس لمقولة أن أي إصلاحات هيكلية في أي من برامجه، إنما تأتي وفق أجندة الإصلاح الاقتصادي للدول ذاتها. ويشبه هذا حديث كل من الصندوق والحكومة المصرية عن العدالة الاجتماعية والقضاء على الفقر عند وضع تدابير تقشفية، ويبدو أن الطرفين يسعيان إلى أن تبدو أفكارهما مصرية خالصة.

في عام 2015، أشاد صندوق النقد الدولي بالحكومة المصرية لتنفيذها “مجموعة واسعة من الإصلاحات، من بينها إصلاحات خفض دعم الطاقة، والتقدم في احتواء فاتورة الأجور، وزيادة العائدات الضريبية”، كما قال “كريس جارفيز”، رئيس البعثة، إن الصندوق رحب بخطط الحكومة على مواصلة الإصلاحات المالية والهيكلية، مشيرًا إلى  أن “خفض دعم الوقود والكهرباء، إلى جانب تطبيق ضريبة القيمة المضافة، من شأنه أن يقطع شوطًا طويلًا نحو زيادة قوة الميزانية”. وكان الانتقاد الحقيقي الوحيد الذي وجهه صندوق النقد الدولي – على الأقل علنًا- هو الدعوة إلى سعر صرف أكثر مرونة للجنيه.

وفي الواقع، أظهرت الحكومة المصرية، بعد قليل من التلكؤ، حرصها على تبني روح الانضباط المالي، بعيدًا إلى حد ما عن المشروعات العملاقة المؤقتة التي تشرف عليها القوات المسلحة. هل تسعى المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، إلى دفع مصر إلى تبني هذه السياسات في المقام الأول، أم أن هذه المؤسسات تضفي طابعًا من الشرعية على سياسات ترغب الحكومة المصرية بصدق في تنفيذها؟.

صحيح أن التفكير في إجابة هذا السؤال يثير الاهتمام، إلا أنه لا يوجد فارق فعلي بين الأمرين: سيتم تطبيق هذه السياسات، ويجب أن نوفر طاقتنا من أجل تحليلها، والتفكير في طريقة التعاطي معها.

البيضة أولًا أم الدجاجة؟

يمكن أن نتفهم شك المصريين في صدق الحكومة حين تنكر احتمال فرض شروط. في نهاية ديسمبر الماضي، قالت سحر نصر، وزيرة التعاون الدولي، إن أموال البنك الدولي سوف تصل في غضون أيام، وأنكرت في تصريحها لصحيفة الأهرام أن يكون تطبيق “ضريبة القيمة المُضافة” شرطًا مُسبقًا للقرض.

لكن أموال البنك الدولي لم تصل بعد مرور سبعة شهور، كما أظهرت الوثائق المسربة، التي نشرتها مدى مصر، بوضوح أن الضريبة كانت شرطًا مسبقًا من شروط قرض البنك الدولي، وهو أمر أخفاه المسؤولون منذ ذلك الحين.

مصداقية المسؤولين أمام الرأي العام أمر ضروري بالطبع، ولكن النقاش حول هذا الأمر يبتعد بنا عن صلب الموضوع، فالإصرار على أن سياسات التقشف هي سياسات مصرية مائة بالمائة، قد يكون مدعاة للفخر الوطني، إلا أنه لن يدفع فواتير الكهرباء عند إلغاء الدعم.

هل يهم بالفعل إذا ما كانت هذه السياسات نتيجة إملاء مباشر من صندوق النقد الدولي، أم أنها نتيجة إيمان المسؤولين في مصر والمسؤولين في الصندوق بنفس السياسات النيولبيرالية المتطرفة عند التفكير في طريقة إنقاذ مصر من أزمتها الاقتصادية الراهنة؟. ليس هناك أي فارق فعلي بالنسبة للمواطن البسيط.

بصراحة، يرى البعض أن الحكومة المصرية قد تستفيد سياسيًا –على الأقل داخليًا- إذا قدمت نفسها باعتبارها ضحية لمؤامرة تقودها واشنطون.

هذه الحكومة لا تخجل بالفعل من تقديم نفسها باعتبارها ضحية تدخل خارجي ذو نوايا شريرة، وأن مصر تمر بأزمة، وأنها تعتمد منذ سنوات على ضخ السيولة النقدية من الخارج للحفاظ على تماسك الاقتصاد. لدى المسؤولون الاقتصاديون فرصة هنا لتقديم أنفسهم كأبطال دفعهم سوء الحظ، كملاذ أخير، إلى فرض سياسات تقشفية نتيجة المؤامرة المزعجة التي يدبرها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. تذكر الطريقة التي وافق بها حزب سيريزا اليوناني على حزمة إنقاذ قاسية، في الوقت الذي أوضح فيه أنها تتم دون إرادته.

ولكن بدلًا من ذلك، اختارت الحكومة الدفاع عن فكرة أن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي أظهرت تقاربًا في وجهات النظر، وأن الصندوق سوف يساند السياسات المحلية ولن يفرض إملاءات خارجية.

ربما كان هذا صحيحًا، وربما لا، ولكن يبدو أن الحكومة تخشى الظهور بمظهر الضعيف أكثر من خشيتها من الظهور بمظهر الداعم لسياسات سوف تزيد من معاناة المواطن البسيط. ربما تظن الحكومة أن اتخاذها لموقف داعم للتقشف سوف يحسن من موقفها أمام المستثمرين الأجانب، الذين تسعى لاجتذابهم. ربما تعلم المسؤولون بعض الدروس من التداعيات التي أدت إلى شبه انهيار في حزب سيريزا عقب الموافقة على اتفاق إنقاذ اليونان.

الأرجح أن الموقف مزيج من كل ما سبق. أشك في قدرتنا على معرفة الإجابة الحقيقية، ولكن البحث عن تلك الإجابة يعد بمثابة إلهاء. ما يهم في الوقت الراهن هو السياسات التي سيتم فرضها في الشهور القادمة، وتأثيرها على الجماهير.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن