Define your generation here. Generation What

تدوينة: عفريت محمد خان الذي لبسني

كانت عايدة (شادية) بطلة فيلم “عفريت مراتي” ترى اﻷفلام وتتخيل نفسها بطلتها، فتصبح غادة الكاميليا التي تبحث عن فارس أحلام لها، أو ريَّا أخت سكينة، أو حتى تغني “إيرما لادوس”، معبِّرة عن أنوثتها بفجاجة وبسخرية: “ماما وبابا عملوني حلوة، أنا ذنبي إيه؟”

أرى أنه من المنطقي أن يكون المشاهد جزءًا من حكاية الفيلم، أن يتوحد مع شخصية سينمائية تلمس فيه ولو جانبًا بسيطًا. من منا، نحن مواليد الثمانينيات والتسعينات، لم يواجه متلازمة “عايدة”؟

مثل عايدة، كنت أنا في علاقتي بأفلام محمد خان.

الخرطوم، يوليو ٢٠١٦، زوجة رجل مهم

من فيلم "زوجة رجل مهم"

“أي دمعة حزن لا.”

يحتل “زوجة رجل مهم” مكانًا مميزًا في قلبي. أستيقظ صباحًا في مدينة الخرطوم على أخبار عالم مجنون وقدرٍ “أحمق الخطى”؛ حادثة احتجاز رهائن في كنيسة بمدينة روين الفرنسية، ووفاة المخرج محمد خان.

تندهش منى (ميرفت أمين) من حالة الهرج والمرج التي تشهدها في محيطها، تتساءل مرارًا حتى تعرف أن السبب أفول العندليب. تنهار وتبكي، تكره هذا المنزل الذي صارت جدرانه كالقفص الزجاجي. تحزن بشدة، فلطالما كان حلمها حضور أحد حفلاته الغنائية، وهي الرغبة التي لم يتفهمها زوجها، ضابط الشرطة القاهر لانتفاضة الحرامية (١٨-١٩ يناير ١٩٧٨)، وأحد أقطاب ثورة التصحيح (مايو ١٩٧١).

ثمة حكمة في رحيل المبدعين بغتة قبل أن نقابلهم، وبعد أن يتركوا في ذاكرتنا أجمل ما لديهم.

تفوح من أرجاء الخرطوم رائحة الحنة. يقال إن الزوجات السودانيات لا يكتفين بالدبلة وإنما يحرصن على التحني دومًا إعلانًا عن الحالة الاجتماعية. تعددت التأويلات لسبب تسمية العاصمة بهذا الاسم، واتفق بعضها على أن الأمر يرجع إلى شكل المجرى المائي المنحنى الذي يلتقي فيه فرعا النيل الأزرق والأبيض ليشقا أرض المدينة “المثلثة”. وبين خرطوم الفيل ونقش الحنة تقع مساحة من الغربة.

أستعد- زوجي وأنا- لدعوة دبلوماسي عربي على العشاء. أعرف أن الرسميات تخفي في ثناياها جمودًا وتسلطًا تعجز البساطة عن استيعابه. يدور الحديث على طاولتنا حول شتى الموضوعات؛ السد العالي وسد النهضة، فيضان النيل في الخرطوم، ناصر والملكية وكتب التاريخ. المضيف المتفاخر بإنجليزيته الركيكة والمحتفي بقرب اعتماده في سفارة بلده بلندن، يحدثنا عن أمجاد العروبة وقيمة الأسرة التي يعتز بها عالمنا في مواجهة فجور الغرب.

أسرح بذاكرتي في مشهد من فيلم “زوجة رجل مهم”، حين كانت مني (ميرفت أمين) في حفل رأس السنة تحاول مناقشة الأرستقراطي الكاره لناصر، موضحةً تجربتها مع والدها، أحد مهندسي السد العالي.

يرد الدبلوماسي بعصبية على محاولاتي لمناقشته: “اندماج!؟ وفي فرنسا!؟ لا طبعا مش موجود. دي كلمة بيضحكوا بيها على الناس في الإعلام. العرب هناك متمسكين جدًا بأصولهم المسلمة رافضين يندمجوا في أوروبا. أنا زرتها وعارف أنا باقول إيه. أوباما اسود وبقا رئيس أمريكا. على المدى الطويل دا هيتكرر في أوروبا وهيكون دا في صالحنا، وأمجاد العرب هترجع تاني”. فقدت حماسي للنقاش وآثرت ألا أعيد الكرَّة، فـ”منى” لم تكسب من نقاشها سوى حرقة الدم. الصمت قطعًا فضيلة، خاصة مع أرستقراطيي ما بعد الاستعمار.

عبَّرت منى عن مصر الحالمة المرهقة. كانت الشعب الذي عانى أحلام الناصرية وأنياب ديمقراطية السادات. يصور خان – باكستاني الميلاد ومصري القلب والعقل- نهاية منى الملحمية في مشهد مهيب حين يطلق هشام زوجُها النار على والدها، أحد مهندسي السد العالي، ثم ينتحر هو، “الرجل المهم”، نجم الأجهزة الأمنية في السبعينات.

باريس، مارس ٢٠١١، موعد على العشاء

A Dinner Date

الإقامة في بلد غريب تحتم علينا أحيانًا الرجوع للأصول من حين لآخر. تقرر مجموعة من الأصدقاء متعددي الجنسيات اللقاء في “موعد علي العشاء”، على أن يحضِّر كلٌ منا الأكلة الشعبية في بلده. أفكر في المسقعة. رغم عدم إقبالي عليها، ولكنها تذكرني بمصر. يطاردنا شبح ماضينا وأصولنا أينما ذهبنا، ويبقى حاضرنا مسكونًا بخياراتنا الأولي.

عزت أبو الروس: “ياه، ومسقعة كمان؟ دي أكتر أكلة انا باحبها.”

نوال: “عشان كدا عاملاهالك.”

تحاول نوال، الباحثة عن الأمل في الحياة، بشتى الطرق الخروج من أسر الماضي ومرارة الذكريات. كلما تذمرت من زوجها الأول عزت أبو الروس، تذكرها أمها أنه كان اختيارها وأنها ربما أحبته. “كل نفس بما كسبت رهينة”.

مشاهد محمد خان رائعة. ففي مشهد ملهم، نرى نوال لأول مرة تشع حيوية حين تلتقي بصانع بهجتها، الكوافير شكري. فقط بأنامله حين يسدل خصلات من شعرها على وجهها، تتغير ملامحها وتستعيد شبابها. يعوضها عن “تايير” عزت أبو الروس. الذي ظل يطاردها حتى ارتدته مرة أخيرة، في مشهد اختارت فيه دفن ماضيها فسحبها معه للتهلكة.

تبرع سعاد حسني في مشهد طبخ المسقعة؛ تقطع الباذنجان، ثم تعصِّج اللحم المفروم، ترص الطبقات وتغطيها بالبشاميل. نجوع نحن على الجانب الآخر من الشاشة، حتى وهي تضع السم.

تخاطب نوال زوجها اﻷول: “في الأول غلبتني، وفي الآخر ضيعتني خالص”.

تفشل في الهروب من أسر تجاربها، فتضطر لأن تأكل لتنتهي. كان المشهد صامتًا، بدون موسيقى تصويرية حتى. فقط سعاد حسني في الكادر ومعها المسقعة وصوت الطبق والشوكة والسكين، ومحمد خان خلف الكاميرا.

نوال: “بعد ما سبتلي ورقة الطلاق ماصدقتش نفسي، ماصدقتش اني بقيت حرة واني هاقدر اعيش الحياة اللي انا اخترها. زي ما يكون اتكتب عليا اني هافضل طول العمر أسيرة ليك، حتى لما حبيت شكري واتجوزته كنت خايفة منك، خايفة منك لغاية دلوقتي”.

عزت ابو الروس: “ياه! هو انا باخوِّف للدرجة دي؟”

نوال: “لا أنا ولا انت نستحق نعيش يا عزت.”

أبو ظبي، يوليو ١٩٩٨، أحلام هند وكاميليا

Hend and Kamellia's Dreams

تنتشر في دول الخليج ظاهرة عاملات المنازل. نجدهن في تسعينيات القرن الماضي في كل مكان، يجالسن الأطفال أو يحملن حقائب التبضع لمن يعملن لديهم. من السهل تمييزهن عن طريق ملامحهن الأسيوية المختلفة عن مواطني البلد. كنا في إجازة الصيف حيث كنا نقيم في أبو ظبي، وكنت أداعب طفلًا يلعب أمام بوابة عمارتنا. تأتي جليسته الأسيوية لتأخذه، وتحكي أنها تتمنى العودة لديارها، فقط لرؤية ولدها البالغ من العمر أربع سنوات آنذاك. أسمعها، مرددة في سري سؤال هند: “مش أحسن من الخدمة في البيوت يا كاميليا؟”

يأخذنا محمد خان في فيلمه “أحلام هند وكاميليا” لرحلة إنسانية عن عاملات المنازل، بطيبتهن وسذاجتهن، وأحيانًا استنصاحهن. يعكس لنا في الفيلم تشبث هند وكاميليا بالحياة رغم ما تتعرضان له كل منهما على حدة من صدمات في إطار نظام أبوي فاسد. فهند لا تجد حماية من حبيبها عيد وتكتفي بحملها “أحلام” منه. وكاميليا تظل تعاني من بؤس الحياة، مع أخيها تارة، ومع زوجها البخيل تارة أخري.

تجدان المال الذي يدفع ثلاثتهن لقضاء ليلة مرح في ملاهي اﻷطفال. نهايات أفلام محمد خان لا تُنسى، ولا تتناسب مع رحيله الهادئ عن دنيانا. أحلام وهند وكاميليا في التاكسي، يشربن علب العصير المقدمة من نصاب آخر يقابلنه في رحلتهن، ثم يستيقظن على شاطئ البحر ويدركن ما حدث ويقررن أن يمضين قدمًا في حياة صعبة، في مشهد فريد.

تطرق محمد خان في أفلامه إلى مشاعرنا المسكوت عنها، نحن بعض فتيات وسيدات مصر. تكلم عن أفكارنا التي ربما لا نعرف التعبير عنها باللسان، أو لا نقوى عليه، فجاءت أفلامه تحفًا فنية وكادراته صورًا مطبوعة في ذاكرتنا.

أما حياتي أنا فقد ظلت تتأرجح بين شخصية عايدة في فيلم “عفريت مراتي”، وسينما الغائب الحاضر دومًا، محمد خان.

اعلان