Define your generation here. Generation What
محمد خان: بالعِند في الحزن
 
 

لا مهمة أصعب من كتابة مرثية، خاصة لشخص يحيط به إجماع من الحب والتقدير مثل محمد خان.

تلقائيًا، تقع أي توليفة من كلمات الإطراء والتذكير بالمآثر والحسنات في خانة المجاملات الاجتماعية الباردة. أما محاولات البحث في تركة الراحل عن موروث يفيد العامة من الأحياء، فتبدو قلة ذوق وتجاهلًا لفجيعة الفقدان في قلوب المحبين.

الموت مأساة بلا شك، وما أكثر المآسي في بلد مثل مصر، بلد اعتاد الحزن وأدمنه، تتشح نساؤه بالسواد منذ أن تعرف أجسادهن طريقها للأنوثة وحب الحياة. نجحت مأساة مصر في إجبار شخص بروح مشرقة، مثل روح خان، على الانصياع لقانونها واحترام هذا الحزن، والبحث داخله عن أدوار محتملة لشغفه بفن السينما، ولولعه بالحب وتواطئه المعلن مع الخيال.

علاقة محمد خان بالحزن من خلال أفلامه في رأيي من أنضج العلاقات الفنية وأكثرها ندرة في المنتج الفني المصري. واختياره أن يكون هذا المخرج وأن يصنع هذه الأفلام يبدو نابعًا من شجاعة لم تنل التقدير المناسب. أحاول في هذا المقال الاستلهام من هذه الشجاعة، وتخيُّل كيف كان خان ليتلقى خبر وفاته، وكيف كان الخبر ليجعله يفكر في العالم ومعناه.

في كتابه “مخرج على الطريق” يقول خان إنه قبيل عودته لمصر من لندن بأسابيع قليلة في أواخر السبعينات، كان يفكر جديًا في مشاركة صديقه المخرج الراحل صلاح أبو سيف في مشروع مطعم فول وطعمية، كان ليصبح الأول من نوعه في لندن! واقترح على أبو سيف أن يكون اسم المطعم “الأسطى حسن” نسبة لأحد أشهر أفلام اﻷخير. كان هذا المطعم ليكون مقبرة جميلة لأحلام محمد خان السينمائية بعد سنوات من المغامرة والتجريب. عندما شعر خان أن حلمه بأن يكون مخرجًا في مصر يبتعد عنه بلا رجعة، كان رده أشبه بنكتة كبيرة حزينة، عتاب رقيق ظريف ورسالة محبة لمصر من بعيد لبعيد.

هكذا كانت علاقة خان بمصر وبؤسها الساحر ومنطقها اللا منطقي، وربما كانت هذه الروح الحلوة هي ما جرجرته مرارًا وتكرارًا إلى حضن مصر، بعد ترحال متكرر بين مصر ولندن وبيروت. وربما بسبب هذه الروح أنعمت عليه مصر أخيرًا – بدون تبرير كالعادة – بفرصة تنفيذ فيلمه الأول القصير في ١٩٧٧. وبعدها بقليل تحمس نور الشريف لقصته “ضربة شمس” وقرر إنتاجها، وهو الانفجار السينمائي الذي قدم خان وموهبته ولغته السينمائية الجديدة لسوق كان متعطشًا لأصوات حرة. لا إراديًا ربما، وربما بتخطيط دقيق وتكاتف لا مفر منه، أصبح محمد خان عنصرًا رئيسيًا في حركة سينمائية شابة غيرت السينما المصرية تقريبًا للأبد.

انتمى محمد خان لحركة الواقعية الجديدة، جنبًا إلى جنب مع أسماء مثل عاطف الطيب، داوود عبد السيد وخيري بشارة، الذين تمردوا على ما كانت مصر تبتلعه آناء الليل وأطراف النهار وقتها من سينما المُسكّنات؛ أفلام المعارك الرديئة وحمامات السباحة وجبال لبنان. كان المجتمع المصري يُسحَل وقتها على وجهه نحو انفتاح اقتصادي وانبطاح ثقافي مستعجل، فبدلًا من حمامات السباحة والسيارات الفارهة امتلأت أفلام هؤلاء بتاكسيات وأوتوبيسات ومصالح حكومية متهالكة وأحياء فقيرة على مشارف التفسخ، وباختصار، كل ما لا يريد الناس مشاهدته ليقينهم أن فرص هروبهم منه تتضاءل. كل مخرج من هؤلاء كانت لديه خدعة لاستمالة الجمهور والمنتجين لمشاهدة ما لديه ليقول. وخدعة خان كانت مثله، ظريفة وجديدة ومميزة.

قضى محمد خان شبابه وسنوات التعلّم والإلهام في لندن الستينات والسبعينات، سابحًا في أنهارٍ من فنون وثقافة منتعشة ومتنوعة وحركات اجتماعية متحررة، عالم شديد الاختلاف عن مصر في هذا التوقيت. عاد رغم هذا لمصر بعيون مفتوحة وعقل يقظ، ومشاعر لا تزال متقدة ولم تقتلها برودة لندن وضبابها. عاد مدركًا أن شيئًا ما غير منطقي وغير عادل في العالم، وأراد أن يصنع فنًا عن هذا. رغم أن ما فتنه في السينما من البداية هو بريقها الساحر ونجومها المتألقون، هوليود وخيالاتها المثالية الجامحة كما يعترف كثيرًا في كتابه، ويتفاخر – كما يحب دائمًا – بمعرفته الموسوعية بأكثر أفلام هوليوود شهرة وسذاجة أحيانًا، إلا أن شجاعة ما في داخله منعته من تجاهل الفيل في الغرفة؛ مصر بلد فقير يعاني سكانه حزنًا لا ينتهي لأسباب واضحة للجميع، وهذا أمر يصعب تجاهله، خاصة على فنان مثل محمد خان تسيطر حواسه فيما يبدو على علاقته بالعالم، وكانت لديه خطة للتعامل مع هذا الحزن.

تأثير سنوات لندن على خان كان واضحًا. أتى لمصر بانضباط وعادات إنتاجية صارمة، جعلته مصدرًا للقلق والضجر لمن اضطروا للعمل معه أحيانًا، وفي نفس الوقت أكسبت أعماله مستوى من الحرفية والإتقان يتفاخر به، هو ومن اضطروا للعمل معه أغلب الوقت. حجّم ضعف الإمكانيات الإنتاجية آفاق الواقعية الجديدة، وكانت اللقطات الخارجية المصورة بالكاميرات الـ ١٦ مللي تحت إضاءة الشمس، والتي ملأت أفلام هؤلاء المخرجين، تشبه بعضها بعضًا، وكلفة التصوير تجعل الإعادات صعبة وبالتالي جودة الأداء غير مضمونة، إلا أن جذورًا جمالية أوروبية ميَّزت بوضوح تكوينات خان الكلاسيكية رغم حداثتها، ونوعية الألوان والتراكيب التي تجتذبه في شوارع مصر ومنازلها، بل وحتى الحلول التي اختارها لطريقة تنفيذ التترات والموسيقى. رغم انغماسه في غرام شخصيات وقصص شديدة المصرية لم يخجل من ذوقه “الخواجاتي”، بل استثمر فيه وتقبله – بنطلون عادل إمام الچينز في الحريف مثالًا – ونجت علاقته بمصر بأعجوبة من فخ الغرائبية السياحية التي استسلم لها مخرجون مصريون آخرون تاهت أعمالهم في عالم ما بين مصر والآخر.

صنع خان أفلامًا عن بشر يتأرجحون بين الهزيمة والأمل طوال الوقت. في أفلامه دومًا عوالم أسطورية من المجد عند أطراف أصابع الشخصيات، تغازلهم وتغويهم ثم تهرب مبتعدة ثم تحوم وتعود وتهرب وتعود.

بينما انشغل عاطف الطيب بمعضلات أخلاقية إغريقية عن الحق والعدالة، و استغرق داوود عبد السيد في فلسفة إنجيلية صامتة، وسرح خيري بشارة مع تجارب باحثة عن علاقة بين سيريالية الأمر الواقع في مصر، وسيريالية الفن بلغتها الفنية الغربية المتعارف عليها، يمكن القول – في تلخيص مخل – إن خان انغمس في حسية الحياة؛ أن تكون على قيد الحياة وما يحركه ذلك فيك من حواس. كان مخلصًا بقوة لطعم الأشياء ومشاعر البشر، واستخدم كل وسيلة توفرها الكاميرا وما يحيط بها من معدات لإعادة صنع هذه المشاعر على الشاشة.

نضال أبطاله نحو تحقيق لحظات المجد النادرة تلك، يبدو مستلهمًا من مطاردته الشخصية لأحلامه شبه المستحيلة، التي لاحقها بإلحاح غريب لا يغذيه سوى لحظات الاستمتاع تلك بملذات بالحياة التي كان يجيدها، بضحكات مجلجلة ونكات لاذعة وتقدير للطعام الجيد والأفلام الممتعة.

ربما يكون حب محمد خان للحياة ومتعها هو ما منحه تلك الثقة ليغطس وسط حزانى مصر، دون إحساس بالاختلاف أو العزلة. ربما أحس أنه يشترك مع كاميليا في تقدير كوباية الشاي المظبوطة رغم الفقر وقلة الحيلة، ومع سعاد حسني وحسين فهمي في “موعد على العشاء” في استطعام صينية المسقعة، حتى لو مغموسة في سم الغيرة وحب الامتلاك. ربما اشترك مع أحمد زكي والسادات والشخصية التي صنعاها سويًا، في الفيلم المثير للجدل عن حياة الرئيس الراحل، في حب مفتون بالذات ورغبة محمومة في البقاء فوق القمة.

صناعة الفن تجربة في غاية الخطورة على المبدع. فالتوحد مع عمل فني، قد ينجح وقد يفشل لأسباب خارجة تمامًا عن إرادتك، مخاطرة كبيرة بصحتك النفسية. هناك أيضًا فنانون كثر يبذلون مجهودات خرافية كي لا تشي أعمالهم بأي شئ من همومهم الحقيقية وما يدور داخل أعماقهم، ربما لأنهم يخجلون من همومهم الشخصية وَمِمَّا يدور في أعماقهم، وربما لأنه لا شئ هناك. الكثير من المبدعين يلجؤون لصنع فن مسطح قدر الإمكان عن أكثر الهموم والانشغالات عادية وشعبية، يشترك في هذا المخرج الذي يصنع أفلامًا عن رجال يلكمون بعضهم البعض أو أجساد عارية تهتز أمام الكاميرا دون هدف واضح، أو المخرج الذي يصنع بكائية ميلودرامية مبتذلة عن فقراء لا يعرفهم ولا يهتم حقًا بحياتهم، ولكنه يعرف أن الكثيرين منهم سيريدون مشاهدة معاناتهم على الشاشة.

عندما أخرج خان فيلم “زوجة رجل مهم” استلهم شخصية الضابط من ضابط حقيقي لكمه في صدره بسبب حادثة مرورية جمعتهما. كانت شجاعة إعادة تكوين هذا الإنسان، ومواجهته في ظرف تحت سيطرة خان (الفيلم)، هي تجربة في منتهى النضج والقوة، أعاد فيها خان تصميم الموقف وقلب رقعة الشطرنج رأسًا على عقب، ليقول لنفسه وللضابط وللمشاهد: “في الشارع هذا الضابط هو الملك، وفي الفيلم أنا إله. أنا الآن أحدد من يعيش ومن يموت ومن يسعد ومن يشقى”.

لنر كيف استخدم الضابط هذه السلطة في الشارع، وكيف استخدم خان سلطته في الفيلم. أعتقد أن النتيجة واضحة، أحدهما استخدم سلطته ليفسد يوم الآخر، والآخر استخدمها ليصنع واحدًا من أفضل الأفلام في تاريخ السينما المصرية، ليس انتقامًا ولا مرارة، ولكن رؤية وحكمة ووجهة نظر.

رغم أن الحكومة المصرية لم تمنحه الجنسية حتى أصبح عمره 71 عامًا، بقي محمد خان في مصر وصنع أفلامًا “جميلة” تواجه ما يخيف وتخزه بفضول وثقة. قامر خان على السينما بكل ما يملك، وفعل كل ما يلزم ليظل هو والسينما على وفاق، وهذا ليس سهلًا.

من الممكن جدًا، إذا اخترت الاختيار الخطأ أو مرت حياتك بالمنزلق الخطأ، أن تلعن الشغف الذي حركك من البداية نحو لحظات الضيق والألم والإحباط، التي تشتد قسوتها كلما كان الحب صادقًا. جرب خان في كل شئ، أخرج للسينما والإعلانات والفوازير إن لزم الأمر. جرب مع الديچيتال والأفلام القصيرة والتسجيلية. ورغم ذلك ظلت بوصلته موجهة دومًا نحو من لا صوت لهم، فظل قادرًا على تركيب أفلامه بمزيج من الألم والحرمان والجمال والمثابرة والإتقان والحساسية.

لا أحد يريد أن يفقد شبابه، والكثير من العجائز عقلًا وتجربةً يوصفون بشباب القلوب، مجاملة أو تشجيعًا على البقاء البيولوچي وسط العالم الذي يركض أسرع من قدرتهم على الإدراك. حتى اللحظة الأخيرة في حياته ظل محمد خان موجودًا، بقوة ووضوح، يصنع الأفلام ويبحث لنفسه عن ولادة جديدة مع كل فيلم، مشتبكًا مع الواقع بنزق شاب يبدأ الحياة ويرفض كلمة لا.

على الأقل بالنسبة لي، سيظل محمد خان دومًا، كما عرّف نفسه، في الكتاب الممتع الذي يحكي فيه الحدوتة من طقطق لسلامو عليكو “مخرج على الطريق”، موجودًا طالما الطريق موجود دليلًا وملهمًا ومذكرًا بأن رغم الألم والحيرة والغواية، الرحلة بكل تأكيد تستحق.

اعلان