الكرة للاستديوهات

كانت الجماهير تملأ كل جوانب أرض استاد القاهرة بعد اندفاع شاب يرتدي جلبابًا حاملًا علم الزمالك، بينما دفعنا الفضول الصحفي أن نسأل عميدًا في الشرطة العسكرية وقف مبتسمًا على طرف الملعب: “لماذا تشاهدون ما يجري دون تدخل؟” اتسعت ابتسامته ورد: “مش هم عايزين حقوق إنسان؟”

ما تلا ذلك اليوم لم يكن سوى استمرارًا لتلك الاستراتيجية في التعامل مع جمهور الكرة؛ ثأر مبيت واستغلال لكل حادثة لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. دخولكم إلى المدرجات بيدنا نحن.

لم تقع أضرار ضخمة في تلك الحادثة، لكنها كانت صيدًا ثمينًا تلقفته برامج التوك شو الرياضي وإعلاميو السلطة، للعب على المشاعر المحافظة، وتحميل المسئولية للشباب، والإيحاء بأن تلك الحوادث وليدة الفوضى، وأننا نشهدها للمرة الأولى في حياتنا.

تلك الآراء التي ألح إعلاميو الرياضة على ترسيخها، وصلت بالأمر إلى لوم ضحايا مذبحة بورسعيد والدفاع الجوي. بل وصل الأمر إلى اعتبار الشماريخ أخطر من قفص حديدي وضعته الشرطة ليمر الجمهور من داخله، كأنه “وحش القصر” في أساطير الأدب العباسي.

في الموسم الثاني من برنامجهم “الفرنجة”، يذهب الثلاثي أحمد فهمي وشيكو وهشام ماجد لمشاهدة مباراة لمحمد صلاح في روما، الاستاد خاو تمامًا قبل ساعتين من مباراة روما ويوفنتوس، المشاهد مقطوعة على أخرى من ملاعب مصر، تلك التي يضطر جمهور مصر لدخولها قبل موعد المباريات بخمس ساعات ليضمن سماح اﻷمن له بالدخول.

بعدها بشهور كان مشجع للأهلي يعدُّ الساعات التي تفصله عن العودة إلى المدرج. تجبر لوائح الاتحاد الأفريقي لكرة القدم سلطات الأمن على السماح بجمهور في مباريات بطولته. اقترب المشجع وهو يمني نفسه بانضمام صوته إلى كورس التشجيع، بدلًا من الجلوس على المقاهي والاستماع إلى وصلات مدحت شلبي. أمام البوابات جنودٌ ملثمون وتحفزٌ لمعركة. هو مطمئن لأنه لا ينوي سوى مشاهدة المباراة. يرفع يده بالتذكرة للضابط. يلتقطها منه اﻷخير دون النظر إليها ويقطعها مبتسمًا كأنه ينتقم: “مزورة.. يلا روَّح”.

قاطعت مشاهدة مباريات الكرة في الاستاد بعد حادث الدفاع الجوي. في كل مرة أرى شكل أرضية الملاعب أتذكر صوت السيدة التي كانت تصرخ عند باب مشرحة زينهم: “قلت له بلاش واتفرج عليه في التلفزيون”.

لم تغير كل هذه الحوادث من نظرة الأمن ولا إعلامييه إلى مشجعين فقدوا زملائهم، بل تزيد كل مرة من رغبتهم في الانتقام. في كل مباراة تسمع صوت المعلق وهو ينتقد بطء السماح لزملائه الفنيين في دخول الاستاد، أو تشاهد زوايا صورة رديئة فتكتشف أن الأمن منع المصورين من الدخول، لكن نفس المعلق يعود في منتصف المباراة ليهاجم الجماهير ويحمِّلها مسؤولية تدهور منظومة الكرة.

في بطولة أمم أوروبا قبل أسابيع شهدت شوارع مارسيليا أعنف مواجهات بين جمهوري روسيا وإنجلترا ، وبدأت التحليلات. لكن ما كان واضحًا أن سلطات فرنسا لم تمنع دخول الجماهير، واستمرت البطولة رغم التراشق الدبلوماسي وتبادل الاتهامات عن المسؤولية.

لم تعد الكرة للجمهور كما تقول اللافتات والجرافيتي في كل الشوارع. الكرة الآن لوكالات الإعلان تتسابق عليها لتمنحها لإعلامييها في وصلات ممتدة حتى الصباح. لا علاقة لها بالرياضة ولا بالتحليل وتفتقر حتى لأساسيات الحوار والمعرفة باللعبة. فقط نملك المباراة حصريًا، وأنت مضطر لمشاهدة تعليقنا الرديء ومراسلينا المتواضعين وحكايات ضيوفنا لاعبي الكرة المتقاعدين، وتراشقهم بأكواب المياه على الهواء.

كل مقطع تراه لتعامل أفراد اﻷمن مع الجمهور، حين يضطر للسماح على اﻷكثر بالتظاهر بدخوله، يرصد حالة تحفز غير مبررة ورغبة في اﻹيذاء لإثبات السيادة والسلطة؛ سباب وتنكيل واستفزاز.

في مباراة المنتخب الأخيرة مع نيجيريا لم تطبع الجهات المسؤولة سوى أربعين تذكرة رغم اتساع الاستاد لثمانين. أتاح ضغط الواقفين على الأبواب لهم الدخول بعد أن سمحت قوات الأمن وتساهلت، كي لا تحدث كارثة. هي نفس القوات التي لم تسمح لجمهور الزمالك بالدخول في واقعة شبيهة، رغم حيازة جمهور الأبيض لتذاكر في مذبحة الدفاع الجوي. تختلف مباريات المنتخب عن مباريات الأندية في أفريقيا؛ الأولى احتفالية ومفتوحة لكل أنواع الجماهير في مصر، أما مباريات اﻷمم اﻷفريقية فبحكم لوائح اتحاد اللعبة يضطر اﻷمن السماح للجماهير بدخولها، بما فيها روابط اﻷلتراس التي يسعى لمنعها، وإذا ما مرت المباريات بسلام وهدوء قد تكون بروفة لعودة الجماهير. لذا تشعر أن الأمن يستميت كي لا تمر بهدوء. ما أن يبدأ الجمهور في الوصول حتى تستقبله الشتائم والأوصاف بالشذوذ والخروج على القانون.

تتطلب عودة الجماهير إلى المدرجات عملًا حقيقيًا من الآمن، وتنفيذًا لما طلبته النيابة من اشتراطات، وترحيبًا وتعاونًا مع جمهور يحتقرونه ويعتبرونه فئة ضالة. لذا لن نحقق لها ما تريد، وإلا اعتبروا ذلك انتصارًا على إرادتنا.

بعد مباراتي أفريقيا الأخيرتين للأهلي والزمالك، لم يرجع الجمهور كاملًا؛ تركوا وراءهم أسرى منهم كأنهم كانوا في حرب لا مباراة لفريقهم. لم يشغلهم حساب ما ينقص فريقهم من نقاط للصعود، بل حساب عدد من سقطوا منهم في يد الشرطة. لم يحسبوا المال الذي تكلَّفوه في السيارات والقمصان، وما سيتكفله الترحال القادم، بل ما ستتحمله ميزانياتهم من نصيب في الكفالات التي باتت مصدرًا من مصادر ميزانية الدولة.

شباب دون العشرين أُلقي القبض عليهم من محيط الملعب ومن سيارات كانت تستعد للعودة بهم، فوجدوا أنفسهم على أرضية الحجز وفي مداخل أقسام الشرطة بقمصان ناديهم المفضل، في انتظار قرار يحدِّد مصير حياتهم، لأنهم قرروا، في لحظة تبدو الآن في عيون أهلهم تهورًا، التوجه إلى الاستاد لمشاهدة مباراة. زال خطر أن يعودوا على هيئة جثث، والآن هم رقم في سجل المحبوسين.

Anchor يحكي أحمد عثمان محامي مشجعي الزمالك أن وكيل النيابة سأل مشجعًا: “هل لديك أصدقاء يشجعون الزمالك؟ لماذا تدمر مستقبلك؟”

في الواقعتين واجه جمهور الكرة تهمة “التجمهر”. الأمر عبثي، ومعه يستقيم أن مشجعًا سكندريًا توجه بعد مباراة الأهلي لإعاشة لزملائه المحبوسين فقبضوا عليه هو الآخر، أما في مباراة الزمالك الأخيرة أمام صن داونز فقد وجد الجمهور رئيس النادي مشرفًا على تفتيش الداخلين. فشل الأمر ولم يستطيعوا الدخول، فاصطفوا في نوافذ مبنى تحت الإنشاء للإطلال على الملعب من بعيد.

اعلان
 
 
أحمد خير الدين  @ahmedkhair
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن