Define your generation here. Generation What

الأتراك كفروا بنظرية “المسلك الطبيعي”

ألا يحب الشعب التركي جيشه، بما أنه قاوم وأحبط محاولة الانقلاب الأخير؟

الإجابة هي أن الأتراك من أكثر شعوب العالم حبًا لجيشهم، لأنه هو من جاء بهم من مجاهل وبوادي آسيا إلى هذه الأرض قديمًا، وهو من أنقذهم من الضياع الكامل بعد الحرب العالمية الأولى حديثًا، ولكن كل الحكاية هي أن الشعب التركي كفر بنظرية “المسلك الطبيعي”، أي حق الجيوش في استلام السلطة ولو بالقوة عندما يختلف السياسيون.

قد يتذكر بعض المخضرمين أن الفريق إبراهيم عبود، رئيس أول سلطة عسكرية في السودان بعد الاستقلال، هو من صاغ نظرية المسلك الطبيعي لشرح وتبرير استيلاء الجيش على السلطة في حالة احتدام الصراع السياسي في بلاد العالم الثالث.

كان عبود يحاول إقناع السودانيين والعالم بانقضاضه سنة 1958 على السلطة، بالتواطؤ مع عبد الله خليل زعيم حزب الأمة، وأول رئيس وزراء منتخب للسودان المستقل، لقطع الطريق على خطط المعارضة السياسية لإسقاط حكومته، والحلول محلها بأساليب ديمقراطية، لكنه في الوقت نفسه لم يفعل سوى أن قال علنًا ما كان تؤمن به الجيوش في معظم دول العالم الثالث سرًا، ولم تنشغل بصياغة تبرير نظري له. فقد سبقت عبود، سلسلة مطولة من الانقلابات في العراق منذ عام 1936، وسوريا منذ عام 1948، وباكستان منذ عام 1954، إضافة إلى تراث طويل من الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية، فضلًا عن استيلاء ضباط يوليو على السلطة في مصر عام 1952، وكلها جاءت في أعقاب خلافات محتدمة بين القوى السياسية المدنية، بما في ذلك الحكومات المنتخبة نفسها، مع ملاحظة أن قصة يوليو 1952 في مصر تبقى أكثر تعقيدًا من مجرد كونها انقلابًا عسكريا لأسباب عديدة منها؛ قيادة حركة التحرر الوطني في العالم، وإحداث تحولات اجتماعية جذرية في مصر، وإنجاز عملية تنمية شاملة في مراحلها الأولى، هذا مع الاعتراف بسلطويتها وقمعها ومخاصمتها للديمقراطية حتى في حدها الأدنى، وصبيانية ورعونة بعض كبارها، فضلًا عن صغارها.

سقط عبود بثورة شعبية مجيدة في أكتوبر عام 1964، إلا أن نظرية المسلك الطبيعي لم تسقط معه، لا في السودان، ولا في غيرها من دول العالم الثالث، ومن بينها تركيا، ففي السودان انقض الضباط بقيادة جعفر نميري مرة أخرى على السلطة، وبعد أن سقط نميري في ثورة شعبية، وقرر جنرال زاهد في السلطة، وغير مؤمن بهذه النظرية (وهو الفريق عبد الرحمن سوار الذهب) إسقاط حتمية المسلك الطبيعي نهائيًا، وسلَّم السلطة إلى حكومة منتخبة، عاد الجيش وانقض مرة أخرى بقيادة الرئيس السوداني الحالي عمر البشير، وهكذا فإن نظرية عبود لم تسقط، أو بمعنى آخر لم تنبذ كثيرٌ من جيوش العالم الثالث ادعاء حقها الطبيعي المزعوم في حكم بلادها، لإنقاذها من أزمات الانقسام السياسي أو التردي الأمني أو التخلف الاقتصادي، إذ تواصلت الانقلابات في باكستان وبنجلاديش والجزائر وتركيا وفي كثير من دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية، إلخ.

لكن سيكون من التبسيط المخل بالفهم تحميل الجيوش وحدها مسئولية استمرار الإيمان والعمل بنظرية المسلك الطبيعي لمكتشفها الفريق إبراهيم عبود، لأن لقطعة العملة وجهها الآخر، وهو إيمان القوى السياسية المدنية نفسها كلها أو بعضها بهذه النظرية، ففي 99% من حالات الانقلابات العسكرية في جميع أنحاء العالم، كان هناك من رجال السياسة المدنية من تواطأ (مثل حالة عبد الله خليل في السودان، ومثل كل الانقلابات البعثية في سوريا والعراق) ومن حرض، ومن دعا، ومن تحالف، ومن والى، ومن أذعن، وكل ذلك كان إيمانًا صريحًا أو مضمرًا بنظرية المسلك الطبيعي.

معاناة الماضي

إذن الجديد، والجديد بالغ الأهمية في فشل محاولة الانقلاب العسكري الأخيرة في تركيا هو سقوط تلك النظرية المشؤومة نهائيًا لدى الكتلة الرئيسية في الجيش التركي، ولدي جميع القوى السياسية المدنية بلا استثناء، ولدى جموع الشعب التركي نفسه.

مثلًا، اعتاد الكماليون في الماضي استدعاء الجيش لإزاحة أية سلطة منتخبة لا تتوافق مع أفكارهم، ومع مصالحهم الاحتكارية للسلطة، بل وباركوا إعدام عدنان مندريس رئيس الوزراء المنتخب، وجلال بايار رئيس الجمهورية المنتخب أيضًا في ستينيات القرن الماضى، كما باركوا انقلاب الجنرال كنعان إيفرين في الثمانينيات، وتعاونوا معه ضد حكومة منتخبة وغير “إسلامية”، ثم استعانوا بالجيش صراحة للإطاحة بحكومة نجم الدين إربكان “اﻹسلامية” في أواخر التسعينيات، لكنهم في المحاولة الانقلابية الفاشلة مساء الجمعة 15 يوليو الحالي كانوا في طليعة من رفضوا الانقلاب، واكتشفوا حسب البيان الرسمي لحزبهم، حزب الشعب الجمهوري، أن “تركيا عانت كثيرًا في الماضي من الانقلابات العسكرية، وأن عليهم أن يرفضوا ويقاوموا تكرار معاناة الماضي”، وكذلك فعلت كل الأحزاب والنقابات، فكانت المقاومة الشعبية للمحاولة الانقلابية شاملة، بمعنى أن جماهير كل الأحزاب شاركت فيها.

معاناة الماضي إذن هي المدخل الوحيد والصحيح لفهم هذا الرفض الإجماعي شعبيًا وحزبيًا لمبدأ الانقلابات العسكرية في تركيا، وليس الذوبان حبًا في الرئيس الشرعي رجب طيب أردوغان.

وتعني معاناة الماضي أيضًا حكمًا غير قابل للاستئناف على تجارب الحكم العسكري السابقة لتركيا بالفشل، وعلى تجربة الحكم الديمقراطي بالنجاح، مهما تقع فيها من أخطاء، أو ترد عليها من تحفظات، ولا سيما ما يتعلق بالنزوع السلطوي لأردوغان، أو بالمخاوف من المضاعفات الضارة لاستمرار الصراع في سوريا على وحدة تركيا الإقليمية، حيث تتجسد الطموحات الكردية للانفصال يومًا بعد آخر، على خلفية من خطط الأكراد في كل من سوريا والعراق، وكذلك على خلفية العنف المسلح ذي المصادر الكردية، ثم أن هناك احتمالًا لانجرار العلويين الأتراك إلى عنف مماثل، وربما تنمو بينهم نزعات انفصالية غضبًا من انحياز الحكومة التركية “السنية”، لأعداء الرئيس السوري “العلوي” بشار الأسد، وهو في الأصل رئيس لنظام طائفي بكل المقاييس.

معاناة الماضي تعني ثالثًا أن الأتراك، نخبة وجماهير، باتوا يؤمنون بأن الديمقراطية هي الأقدر على مواجهة هذه المخاطر السلطوية والأمنية والانفصالية. حتى أن الزعيم السياسي لأكراد تركيا الذي أسس حزب الشعوب الديمقراطي، كمال ديميرطاش، كان أيضًا في طليعة رافضي ومقاومي المحاولة الانقلابية، وذلك لأنه يدرك ببساطة أن الديمقراطية توفر الفرصة للتفاوض على حلول وسط، فيما أن سلطة الجيوش لا توفر مثل هذه الفرص، على الأقل في المراحل الأولى من تجربتها، وتفضل استخدام القوة المسلحة لفرض رؤيتها، ولا ترضخ للتفاوض إلا بعد الوصول إلى حافة الهاوية، كما جرى في السودان بين الشمال والجنوب، لكن بعد عقود من الدمار والخراب وسفك الدماء وتشريد المدنيين.

و تعني معاناة الماضي رابعًا أن تجارب الحكم العسكري السابقة، وهي كثيرة في تركيا، لم تحقق في أية مرحلة وعودها التنموية، بل إن ما حقق ذلك هو الحكم المدني الديمقراطي. وللأمانة مع التاريخ، فإن ذلك النجاح المدني التنموي لم يبدأ مع أردوغان وحزبه “العدالة والتنمية”، ولكنه بدأ مع المرحوم الرئيس تورجوت أوزال (مهندس السدود وخبير البنك الدولي) وحزبه “الوطن الأم”، فهو واضع رؤية تحويل تركيا إلى يابان الشرق الأوسط ومنفذ برنامجه في منتصف القرن الماضي، أي تحويل تركيا إلى دولة صناعية كبيرة ثم كبرى، وقد تتابعت مراحل إنجازهما بنجاح حتى وفاة الرجل المفاجئة في أوائل التسعينيات، وبالمناسبة فلا تزال هناك شبهات حول موته مسممًا بكوب عصير البرتقال في حفل رسمي.

و بالمناسبة أيضًا فقد أدت وفاة أوزال إلى نشوء فراغ هائل في الحياة السياسية، بما سهَّل عودة نجم الدين إربكان زعيم الإسلاميين الأتراك إلى السلطة منتخبًا، ليطاح به في انقلاب عسكري ناعم، أو ما يسمى بانقلاب المذكرة، لتدخل تركيا في دوامة من الفراغ الذي سرعان ما شغله إردوغان وزملاؤه بتأسيسهم حزبًا “إسلاميًا” جديدًا متخلصًا من الرطانة النظرية والجمود الفكري لتراث إربكان، وبمعنى آخر فإن “التآمر” على نجاح أوزال، واختفائه أو إخفائه بالموت كان من الأسباب الرئيسية لميلاد ظاهرة إردوغان، الذي واصل باقتدار تنفيذ رؤية وبرنامج “تحويل تركيا إلى يابان الشرق الأوسط”، وتبقى العبرة هي أن الحكم المدني الديمقراطي هو ما حقق التنمية في تركيا، وجعلها واحدة من الاقتصاديات العشرين الكبرى في العالم.

(قبل مغادرة هذه النقطة تجدر الإشارة إلى أن تورجوت أوزال كان هو الآخر متدينًا، و يؤدي الفرائض الإسلامية بالتزام تام، وكانت زوجته ترتدي زيًا إسلاميًا، ولكنه كان شديد الإخلاص للعلمانية السياسية، ثم أنه كان، مثله مثل إربكان، من شباب الحزب الديمقراطي الذي أسسه وتزعمه عدنان مندريس.)

الجيش ليس حزبًا سياسيًا

كل ما سبق من إنجازات للحكم المدني الديمقراطي في تركيا لا يعني الغض من شأن الجيش كجيش، ولا يعني أيضًا نقصًا في محبة الأتراك لجيشهم، وقد رأينا من أول سطر في هذا المقال الأسباب التركية الخاصة لمحبة الجيش، إلى جانب الأسباب العامة التي تنطبق على كافة دول العالم، إذ أن الطبيعي أنه لا يوجد مواطن في أية دولة لا يحب جيش بلاده، ولذا كان الوضع الطبيعي لأي جيش أن يبقى محايدًا سياسيًا، وذلك حتى لا ينطبق عليه ما ينطبق على الأحزاب السياسية من حب أو كراهية، ومن تأييد أو رفض، ومن انتخاب أو حجب لثقة الناخب.

من هنا فإنها تكون خطيئة في حق الجيوش نفسها أولًا، ثم في حق الأوطان ثانيًا أن يتحدث البعض عنها كطرف في الصراعات السياسية الداخلية، أو أن يستغرق هؤلاء في المفاضلة بينها وبين الأحزاب.

وبالعودة إلى نظرية “المسلك الطبيعي”، التي يرجع أصلها كما ذكرنا للفريق إبراهيم عبود، فإن كل التجارب العالمية، وبلا استثناء واحد، تثبت زيفها. فهل تقدمت بلاد أمريكا اللاتينية إلا بعد تخليها عن هذه النظرية، واختيارها الحكم الديمقراطي المدني؟ وهل مثلًا تقدمت باكستان المترنحة دائمًا بين انقلاب عسكري وآخر مثلما تقدمت تركيا بعد كفرها بنظرية المسلك الطبيعي، أو مثل جارتها الهند التي لم تعرف هذه النظرية أصلًا منذ استقلالها، رغم ما مرت به ومر بها من أزمات عاصفة داخليًا وخارجيًا، ومنها احتلال الصين لجزء من أراضيها منذ عام 1962، والحروب المتواصلة مع باكستان؟ وهذه كلها هي مبررات الجيوش في غير الهند للاستيلاء على السلطة. هل يدلنا أحد على نموذج واحد في العالم نجح فيه انقلاب عسكري في تحديث بلاده وتنميتها؟

إن الشواهد تقول أيضًا إنه بفرض أن طفرة تنموية تحققت في بداية الحكم العسكري، فإنها سرعان ما تنهار بسبب الاستبداد وفردية القرار أو الفساد أو المغامرات الخارجية وعدم رسوخ آليات خلافة الحاكم، أما القمع والتعذيب والقتل والإعدامات واحتكار الفرص والتفرقة في تطبيق القانون، فقولوا فيها ما شئتم.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد