Define your generation here. Generation What

آخر كلام: هل كتب يسري فودة عن ماصوني دون أن يعرفه؟

“طيب الله أوقاتكم”، كان هذا أول ما ينطق به لسانه في إطلالته على مشاهديه على مدى ست سنوات. مقولة تعلقت بيسري فودة وتعلق مشاهدوه به وبها.

على بعد أيام من ذكرى الثلاثين من يونيو صدر كتابه المسمَّى على اسم برنامجه: “آخر كلام.. شهادة أمل في ثورة مصر”، ليروي شهادته عما دار في خمس سنوات، هي عمر ثورة عاشرها وكان شاهدًا عليها. لخمس سنوات تعلق جمهوره به وهو يحاول الحفاظ على أقصي درجات المهنية والموضوعية، وفي بعض الأحيان الحيادية (وإن لم يتبرأ يومًا من ثورة يناير أو مساهمته فيها أو كونه أحد رموزها الإعلامية) كي لا يتحزب إلى أي من الفرق المتصارعة على مدار السنوات الخمس؛ حتى أنني، وأنا أقرأ كتابه الجديد، كدت أسمع صوته يتحدث من خلال السطور ليقول: “طيّب الله أوقاتكم”.

في هذا الكتاب ما قد يعتبر شهادة من الداخل على ثورة مصر، شهادة على حال الإعلام المصري، القومي منه والخاص، شهادة على حال مصر، وفي بعض الأوقات شهادة عما يحدث في الغرف المغلقة ووراء الكواليس، بل وأحيانًا، مراجعة لأفكار وتطلعات، ولكن ليس للمبادئ. والأهم من ذلك هي القصص التي يرويها يسري فودة بأسلوبه السلس دون إطالة أو تجزئة. أحد أهم هذه القصص والقضايا، والتي أعتقد أن من المهم أن تُطرح الآن، هي بخصوص مصلحة الطب الشرعي.

في مقابلة أجراها بلال فضل مع المؤرخ خالد فهمي في منتصف عام ٢٠١٥، حاول فهمي شرح وجهة نظره عن الثورة المصرية وإسقاط النظام وطبيعة المؤسسات المصرية، ولكن كان في المقابلة أيضًا من القصص ما قد يتداخل مع طرح يسري فودة. حكى فهمي قصة مقابلته لمحمد عطا – شقيق عصام عطا – لأول مرة أمام مشرحة زينهم في قلب القاهرة، وإصرار محمد على تشريح جثمان شقيقه لمعرفة حقيقة ما جرى له وللوصول لما يعتبره حقه، وهي القصة التي تتداخل بشكل أو بآخر مع القصص القديمة من القرن التاسع عشر، منذ نشأة المصلحة وما بعدها، وتحكي عن أمل الأشخاص في الوصول للحقيقة عن طريق الطب الشرعي واعتباره آخر أمل لهم في مواجهة الظلم والاستبداد، ذلك الإحساس المترسخ في نفوس المصريين منذئذ إلى يومنا هذا ويوم لقاء خالد فهمي بمحمد عطا، وهو الإحساس الذي يشوبه أيضًا الشك المتزايد مع الوقت منذ ٢٠١١.

في تشابه واضح بين ما يحكيه فهمي عن محمد عطا وموقفه أمام مشرحة زينهم وإيمانه بان الطب الشرعي سينتصر ﻷخيه وسيكشف ملابسات وفاته، يحكي فودة في كتابه قصصًا لها علاقة بالمصلحة ورئيسها في ذلك الوقت السباعي أحمد السباعي، وتتماثل جميعها في البدايات، من حيث الأمل واللجوء إلى مصلحة الطب الشرعي، ولكن نهاياتها تختلف كليًا. تعود ملابسات إحداها إلى حلقة ٢٦ أبريل 2011 من برنامجه ”آخر كلام“، عندما استضاف مواطنًا مصريًا ظل لشهور يبحث عن ابنه مثل الكثيرين ممن اختفى أبناؤهم في مراحل كثيرة من عمر الثورة، إلي أن وجد جثة ولده في مشرحة زينهم، ولكن بعد أن تحللت الجثة للحد الذي لا يستطيع معه التعرف عليها بالعين المجردة، والذي يصفه يسري قائلًا ”لا يصلح معه حتى قلب الأب وحنين الدم في التعرف على الشخصية“.

أجرى الأب تحليل ما يعرف بـDNA، ما قاده للتعرف على جثة بعينها تطابق في تحليلها تحليله، فحملها ودفنها في مقابر اﻷسرة، وبدأ في تقبل العزاء في ابنه، وقد استراح قلبه على الأقل لمعرفة مصيره، حتى وإن كان دون معرفة كيف ومتى وأين فقده، وقد احتسبه عند الله شهيداَ.

غير أن مرسالًا أتاه من ابنه يعاتبه لعدم زيارته إياه في السجن، خاصة وأنه في حاجة للمال لشراء بعض الاحتياجات هناك. فذهب إلى السجن وتملكته مشاعر متناقضة، بعضها مفرح، إذ أن ابنه لا يزال على قيد الحياة، حتى وإن كان أمامه في السجن، والآخر محزن ومحير، فمن يكون هذا الذي حمله بين يديه ودفنه في مقابر اﻷسرة واستخرج له شهادة وفاة باسم ابنه؟ ماذا عن عائلته، التي قد تكون تبحث عنه اﻵن دون جدوى، بعد أن دُفنت عظامه، ودون أن يخبرهم أحد بمكانه.

هي إذن جريمة بكل المقاييس؛ جريمة في حق الأب وفي حق الابن وفي حق الجثمان الذي لا نعرف لمن يكون، جريمة في حق عائلته وجريمة في حق مصلحة الطب الشرعي، الذي قد لا يؤتمن على شيء بعد ذلك.

يصف كل من خالد فهمي ويسري فودة علاقة مباشرة، بين إيمان اﻷشخاص بمصلحة الطب الشرعي وسعيهم ﻵخر مدى ﻹثبات حقوقهم والمحافظة عليها والتعلق بآخر آمل في إيجاد الحقيقة، وبين الشك في كفاءة المصلحة، حتى وإن لم تزل هي أملهم الأخير للوصول إلى ذويهم. يصف كل من الاثنين العلاقة المباشرة بين عنف المجتمع وعنف النظام ومصلحة الطب الشرعي التي لا تكرس نفسها من أجل التأكد من وفاة الأشخاص. الحقيقة فقط هي ما قد تريح الأشخاص من السؤال. يحكي الاثنان أيضًا عن مدى كفاءة الطب الشرعي، فحتى لو تعلقت به كثيرًا آمال الأشخاص، إلا أن القصة التي يحكيها فودة قد تنهي الجهاز إلى الأبد. حيث أنه من شبه المستحيل أن تغالط البصمة الوراثية الأبوية DNA، وهي ما تعتبر القول الفصل للتعرف على الأشخاص، وتفوق أهميتها ومصداقيتها البصمة والوسائل التقليدية إذا جرت بالطريقة الصحيحة ووفق المعايير الصحيحة. وإذا حدث هذا فإن المصلحة كلها لا تعمل، أو أنها لا تعمل بالشكل الصحيح.

ويبقى السؤال مطروحًا، وسيظل مطروحًا بعد هاتين القصتين: #ماصوني_فين بعد مرور عام على اختفائه، هو وغيره من المختفين؟ خاصة بعد تضارب القصص التي كان آخرها متعلقًا بالطب الشرعي. فإحدى القصص التي رواها أحد أصدقائه تقول إنه في أكتوبر 2015 توجه مجموعة من أصدقائه مع شقيقته إلى المشرحة، لرؤية مجموعة من الجثث، وكان هناك اشتباه في إحداها، ولكن لم يتم التأكد لأن الجثث كان يجري التعرف عليها بالصور، وكان من الصعب التعرف عليها من كثرة التعذيب ”إن علشان نثبت إنه هو أو لا، كان لابد من تحليل DNA، ولكن أهله رفضوا”. ولكن أخته خرجت بقصة مختلفة: ”إنه فعلًا كان فيه جثمان مشكوك فيه… وإنها راحت فعلًا. أولًا: الجثمان كان لشخص غريق مش متعذب زي ما بيتقال. ثانيًا: أنا اتعرَّفت ع الصورة بنفسي والجثمان مش لمصطفي أخويا وانا مسئولة عن كلامي دا، وللسبب ده معملناش DNA“.

بغض النظر عن صدق أي من الروايتين في حالة ماصوني، ولا شك في صدق نوايا أخته أو أصدقائه، إلا أن السؤال يظل مطروحًا حول كفاءة مصلحة الطب الشرعي وقدرتها على الكشف عن الحقيقة في ضوء روايتي كل من خالد فهمي ويسري فودة، والذين يتعلقان بالأمل والشك وانعدام الكفاءة أو الاستسهال في بعض الأحيان.

اعلان